البرازيل | لولا بين أميركا والصين: تحدّي الموازنة

كثيرة هي الملفّات والتحدّيات الماثلة أمام الرئيس البرازيلي المنتخَب، لويس إيناسو لولا دا سيلفا؛ ولعلّ من بين أبرزها كيفية إعادة ضبط العلاقات الخارجية لبلاده، واستعادة مكانتها التي كانت تهشّمت خلال فترة حُكم جايير بولسونارو. وإذ يُتوقّع أن يفسح رحيل بولسونارو المجال أمام تعميق العلاقات مع الصين في مجالات أبعد من التعاون الاقتصادي، فمن المرجّح، في المقابل، أن يَسلك لولا مساراً «غير عدائي» تجاه الجارة الشمالية، خصوصاً في ظلّ اهتمام الأخيرة، بدورها، ببناء صلات طيّبة معه، أقلّه في المدى القريب المنظور

 

تُمثّل عودة الرئيس «العُمّالي»، لويس إيناسو لولا دا سيلفا، إلى سُدّة الحُكم في البرازيل، نقلة نوعية، ليس على مستوى الداخل البرازيلي فقط، بل وأيضاً لناحية مكانة البلاد، سواء داخل أميركا اللاتينية أو على مستوى العالم، والتي شهدت ضموراً كبيراً خلال سنوات حُكم الرئيس اليميني السابق، جايير بولسونارو، بفعْل النهج الصدامي والمتهافت الذي اتّبعه الأخير. ولعلّ من بين أبرز التحدّيات الخارجية التي سيُواجهها لولا، علاقة برازيليا بالولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، في ظلّ احتدام المواجهة بين هذه القوى. وعلى الرغم من أن الرئيس الجديد يُعتبر أقرب إلى الجبهة المناهِضة للغرب، إلّا أنه من غير المتوقّع انتهاجه مساراً عدائياً ضدّ الجارة الشمالية، خصوصاً بالنظر إلى عُمق المصالح الاقتصادية تحديداً، التي تَجمع بين الطرفَين. وإذا كان هذا هو حال لولا، فإن واشنطن من جهتها، قد لا تجد خياراً سوى «الحفاظ على علاقاتٍ جيّدة مع البرازيل»، «على الرغم من عدم رضاها عن نهج رئيسها اليساري»، وهو ما أنبأ به تشديد الرئيس الأميركي جو بايدن، غداة فوز لولا، على «العلاقات القوية» بين البلدَين. لكن ذلك لا يلغي احتمال توتّر العلاقات، «إذا لم تفهم واشنطن أن أميركا اللاتينية تريد أن تكون مستقلّة، وهذا يعني ألّا تكون الفناء الخلفي لأيّ جهة»، وفق ما نبّه إليه وزير الخارجية البرازيلي السابق سيلسو أموريم، المقرَّب من الرئيس الجديد، في حديثٍ إلى مجلّة «ذي نايشن» الأميركية أخيراً.

وإذا كانت علاقة لولا الوثيقة مع الأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية، ودفاعه الشرس عن منظّمة «بريكس» (الهند وروسيا والصين وجنوب أفريقيا والبرازيل)، سببَين كافيَين لعدم ارتياح واشنطن تجاهه، إلّا أن ثمّة في المقابل صِلات اقتصادية متينة بين الجانبَين، ظلّت مدفوعة بالمصالح المتبادلة، تبدو كفيلة بإبقاء «التعاون» قائماً. وفي هذا الإطار، يُذكر أن حجم التجارة المتبادلة لا يزال يسجّل أرقاماً قياسية سنوياً، وهو بلغ العام الماضي، 98.4 مليار دولار، مقارنةً بـ77.3 مليار دولار عام 2020. مع ذلك، وبمعزل عن أن الولايات المتحدة ترى في البرازيل «أهمّية استراتيجية عالية المستوى في بعض الأحيان، وفي أحيانٍ أخرى تتجاهل هذا البلد وتضعه في أسفل قائمة الأولويات، إلّا أن الحكومة الأميركية - سواءً بقيادة بايدن أو دونالد ترامب أو غيرهما - ستظلّ تنظر إلى العالم من منظور الولايات المتحدة مقابل الصين». ولذا، فإن موقف برازيليا من هذه الأخيرة «سيحدّد ما إن كانت علاقتها مع أميركا ستتحسّن أو ستزداد سوءاً أو تبقى محايدة»، كما تعتقد مجلّة «ذي ديبلومات».

 


وفي الحديث عن الصين، تَبرز الأخيرة بوصْفها حالياً من أكبر المستثمرين في البرازيل، حيث سجّل الميزان التجاري بينهما، العام الماضي، حوالي 135 مليار دولار، متفوّقاً بذلك على نصيب الولايات المتحدة. وهنا، يرى الكاتب في مجلّة «فورين أفيرز»، بريان وينتر، أن الصين لطالما كانت سبباً رئيساً لنجاح البرازيل؛ إذ إن النموّ المطّرد الذي شهدته الأخيرة في العقد الأوّل من القرن الحالي (عندما كان لولا رئيساً) يعود إلى ارتفاع الطلب الصيني على السلع اللاتينية، وهو ما «وفّر مكاسب غير متوقّعة من العملة الصعبة التي استخدمتْها العديد من الحكومات، بما فيها حكومة لولا، لتمويل برامج الرعاية الاجتماعية وغيرها من الإنفاق العام»، بحسب وينتر. وإذ يَتوقّع الكاتب أن يسعى الرئيس البرازيلي الجديد إلى «توثيق العلاقات مع الصين»، فإنه يرجّح أن ينشّط لولا سياسته الخارجية التي اتّبعها خلال فترات حُكمه السابقة، لجهة تعميق الارتباط مع دول العالم الثالث، سواء في أفريقيا أو جنوب آسيا أو أميركا اللاتينية. وإلى أبعد من ذلك تذهب مجلّة «ذي أتلانتك» الأميركية، متوقّعةً «تعمُّق العلاقات الثنائية في مجالات خارج الاقتصاد»، ناقلةً عن مديرة التجارة والعلاقات الدولية في «اتحاد الصناعات» في ولاية ساو باولو، تاتيانا برازيريس، قولها إن «الضوضاء السياسية الناتجة من الخطاب المعادي للصين، حالت دون تعميق العلاقات الثنائية في مجالات أخرى، مِن مِثل العلوم والتكنولوجيا»، وهو ما لم يَعُد الحال اليوم.

 


في المقابل، وإذ تضع إدارة بايدن رهانها على العداء المشترك للتطرّف اليميني، وما تُسمّيه «الاحترام المتبادل للديموقراطية»، من أجل تقوية العلاقات مع البرازيل، وفق ما يَلفت إليه الكاتب أندريه باجلياريني في صحيفة «ذا غارديان» البريطانية، فإن ثمّة عاملاً آخر يمكن أن يدفع بـ«التعاون» قُدُماً، وهو أزمة المناخ التي أعلن لولا، عشيّة فوزه، أن بلاده «ستكون مستعدّة لاستئناف دورها الرائد في مكافحتها»، بعدما شهدت سنوات حُكم بولسونارو تسارعاً في وتيرة تجريف «الأمازون»، أكبر غابة استوائية في العالم، حيث قُدّرت المساحة التي اختفت منها بين صيفَي 2019 و2021 فقط، بأنها أكبر من مساحة بلجيكا بأكملها. ومن جهته، كان بايدن اقترح، خلال حملته الانتخابية، إنشاء صندوق دولي بمليار دولار، بقيادة واشنطن، لمساعدة برازيليا على دفْع تكاليف الحفاظ على الغابات، الأمر الذي يمكن أن يجد دفْعاً في المرحلة المقبلة. وعلى المستوى الأوروبي، أعلنت رئيسة المفوّضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أنها تتطلّع إلى العمل مع برازيليا لـ«مواجهة التحدّيات العالمية الملحّة، من الأمن الغذائي إلى التجارة وتغيّر المناخ»، فيما أعربت مجلّة «بوليتيكو» عن اعتقادها بأن التغيّر الدراماتيكي المتوقَّع في سياسة البرازيل قد يؤدي إلى «فتح باب المفاوضات بشأن التصديق على اتفاق تجاري بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور» - تكتّل اقتصادي في أميركا اللاتينية، تأسّس عام 1991 ليصبح في ما بعد ضمن أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم - كان أُنهي العمل به رسمياً عام 2019 بسبب مخاوف أوروبية.

disqus comments here