الشركات الإسرائيلية الناشئة تقود جهود مكافحة انعدام الأمن الغذائي

تمارس إسرائيل "الدولة الناشئة" ريادة عالمية في الرَدْ على التحدي المتزايد للأمن الغذائي.

يبدو أن شبح الصراعات والأوبئة والكوارث الطبيعية لا يزال يهدد توفُر الموارد في مختلف أنحاء العالم. فعلى مدى العقود المقبلة، يتوقع "البنك الدولي" أنه سيتعين زيادة الإنتاج العالمي للمواد الغذائية بنسبة 70 في المائة أو أكثر لتبية الطلب. وبالتالي، من الضروري ابتكار أساليب فعالة وغير مضرة بالبيئة لتلبية الاحتياجات المستقبلية.

وفي الكثير من المجالات المختلفة، تبرز جهود "الدولة الناشئة" للتصدي لهذه التحديات. فإسرائيل، التي بالكاد تناهز مساحتها ولاية "فيرمونت" الأمريكية ولا يشكل عدد سكانها أكثر من 0.1 في المائة من إجمالي سكان العالم، تقود ثورة في مجال تكنولوجيا الأغذية. وتحتل القدس وتل أبيب المرتبة الرابعة عالمياً على صعيد الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الزراعية، والتي تسعى إلى ابتكار أساليب زراعية أفضل، والحد من هدر الطعام، وإنشاء بدائل مستدامة للزراعة التقليدية.

الدقة

صنّف تقرير جديد تل أبيب على أنها ثاني أفضل مدينة في العالم في مجال الابتكار في العلوم والتكنولجيا النظيفة، بعد "وادي السيليكون" مباشرةً. وتُعد الزراعة الدقيقة أحد المجالات المهمة للتكنولوجيا النظيفة، والتي تتضمن تقنيات أو أدوات تحليل تهدف إلى زيادة إنتاجية المحاصيل وتوفير الموارد. ويستخدم عدد من الشركات الناشئة الإسرائيلية الطائرات المسيرة لتقييم نمو الأشجار، مما يساعد المزارعين على الاستفادة بشكل أكبر من أراضيهم. وفي جميع أنحاء إفريقيا وآسيا، يستخدم المزارعون هذه التقنية لزراعة مجموعة متنوعة من الأطعمة بشكل أكثر كفاءة، بما في ذلك مكسرات المكاديميا واللوز والبرتقال والليمون وأشجار التفاح.

وبالمثل، تَستخدم تقنية الري بالتنقيط التي ابتكرتها إسرائيل كمية أقل بنسبة 70 في المائة من المياه ويمكنها أن تزيد بشكل ملحوظ من عدد المحاصيل المحصودة بنسبة 150 في المائة بالمقارنة مع أساليب الري التقليدية.

الحد من هدر الطعام

تنتج أوكرانيا وروسيا حوالي ثلث كميات القمح العالمية، وقد تسببت الحرب الدائرة بينهما في ارتفاع أسعار الحبوب وأثارت مخاوف من حدوث نقص عالمي في الإمدادات. ونتيجةً لذلك، أصبح إيجاد وسائل للحفاظ على موارد الحبوب المتاحة أمراً بالغ الأهمية. وحالياً، يخسر العالم ما يصل إلى 60 في المائة من الحبوب المحصودة قبل وصولها إلى السوق. ويعمل العلماء الإسرائيليون على تطوير تقنيات أرخص ثمناً وأكثر أماناً لتحسين تخزين المواد الغذائية في أكثر من 100 دولة من شأنها زيادة إمداداتهم الإجمالية بشكل فعال.

وعلى نطاق أوسع، تزوّد الشركات الإسرائيلية المزارعين في جميع أنحاء العالم أجهزة متطورة لاستشعار المحاصيل، وتوفر لهم الأدوات والتدريب لمراقبة مجموعة واسعة من أنشطة المحاصيل بشكل أفضل وتقليل النفايات. وهناك نظام برمجيات إسرائيلي يرسل البيانات الهامة مباشرة إلى هواتف المزارعين، مما يساعدهم على مراقبة ظروف التربة وعوامل أخرى عن كثب. وقد أصبحت هذه التكنولوجيا شائعة في المزارع الكبرى في الولايات المتحدة، مما شجع الشركة التي يقع مقرها في تل أبيب على فتح مكتب في سان فرانسيسكو.

كما تتعاون الولايات المتحدة وإسرائيل لتطوير تقنية تحرير (تعديل) الجينات التي تسمح بإنتاج الغذاء بطريقة أكثر سهولة وأماناً. فعلى سبيل المثال، يقود رواد الأعمال الإسرائيليون الجهود لإنتاج اللوبياء الظفرية باستخدام أساليب لا تتأثر بالتغير المناخي. وبينما يزدهر قطاع صناعة الماريجوانا لأغراض طبية، تتمتع إسرائيل بالإمكانات اللازمة لتلبية الطلب المتزايد. وفي الآونة الأخيرة، بدأت شركة إسرائيلية بتصدير القنّب المزروع بواسطة تقنية الجينات المتقدمة التي طورتها إلى الولايات المتحدة للمساعدة في علاج اضطراب الكَرْب التالي للصدمة النفسية والقلق وأمراض صحية أخرى.

بدائل لحوم البقر؟

يترك قطاع اللحوم أثراً كبيراً على الصحة والبيئة والاقتصاد العالمي. وتتفق الأبحاث على أنه من الضروري أن يحد الإنسان من استهلاك اللحوم بأكثر من 70 في المائة. وتقود إسرائيل هذا المسار من خلال توفير بدائل مبتكرة خالية من اللحوم بدءاً بشريحة اللحم المطبوعة ثلاثية الأبعاد ووصولاً إلى إنتاج "اللحوم" المشتقة من التوت البري وخلايا تمّت تنميتها في المختبرات. وتضم إسرائيل العدد الأكبر من الشركات الناشئة التي تصنع منتجات تجارية نباتية بدأ أساساً بيعها في السوق. وهذا تطور مهم لأن بدائل اللحوم النباتية قد تشكل نسبة تصل إلى 25 في المائة من سوق اللحوم العالمي بحلول عام 2040.

وتزداد شعبية تجارة اللحوم المصنعة أيضاً. وتتمتع إسرائيل بالقدرات اللازمة للنجاح في السوق الناشئ للحوم المصنعة. فمؤخراً، نالت شركة إسرائيلية جائزة أكبر استثمار على الإطلاق في هذا المجال مع آمال في زيادة إنتاجها بحيث تتمكن من تأسيس عمليات لها في الولايات المتحدة وأسواق أخرى.

بدائل الحليب؟

سجلت البدائل النباتية مثل حليب الشوفان والصويا واللوز نمواً بنسبة 54 في المائة منذ عام 2018. وفي حين أن اتباع نظام غذائي خال من المشتقات الحيوانية أفضل للبيئة، إلّا أن هناك آثار سلبية للعديد من هذه البدائل الشائعة. وفي هذا السياق، تعمل شركات ناشئة إسرائيلية على تطوير أساليب إنتاج بديلة يمكن أن توفر بدائل خالية من مشتقات الحليب من دون التسبب بأزمة مناخية.  

وتقوم إحدى الشركات الإسرائيلية بتطبيق القول المأثور القديم "المشاكل هي فقط فرص في ملابس العمل" لمعالجة أزمة النقص في حليب الأطفال في الولايات المتحدة. فالعلماء الإسرائيليون يعملون على ابتكار بدائل مصنوعة من حليب خالٍ من المشتقات الحيوانية.

مشكلة المبيدات

على الرغم من أن المبيدات الحشرية ضرورية في عملية الزراعة، إلا أن أضرارها قد تتفوق على فوائدها في بعض الأحيان. وتعمل الشركات الإسرائيلية على تطوير أساليب ذكية لتقليص الاعتماد على المبيدات الحشرية الكيميائية باستخدام أساليب طبيعية وعضوية مثل السوس الصغير وبوم الحظائر (البوم البيضاء) و"الفيروسات الجيدة".

ويستخدم باحث في جامعة تل أبيب بوم الحظائر التي بإمكانها أن تأكل ما يصل إلى 6 آلاف قارض سنوياً، كبديل عن أساليب مكافحة الآفات الزراعية التقليدية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي. واليوم، يطبق هذا المشروع في أراضي "السلطة الفلسطينية" والأردن والمغرب وقبرص وسويسرا. وتدرس دول أخرى في المنطقة (مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر وتونس) تطبيق "مشروع بوم الحظائر" في المستقبل القريب.

التعاون الإقليمي

مع اشتداد ظروف الصحراء قساوةً، تحتاج الدول إلى حلول جديدة لتحسين الزراعة الصحراوية. وفي هذا المجال، تقود إسرائيل العالم في إنتاج محاصيل عالية الجودة في ظروف مماثلة وتصدير التقنية الزراعية لاستخدامها في المناطق الصحراوية.

على سبيل المثال، منذ توقيع "اتفاقيات إبراهيم" عام 2020، وضعت إسرائيل اللمسات الأخيرة على العديد من الاتفاقات في مجال البحث والتطوير مع الإمارات العربية المتحدة بهدف تحسين الزراعة في الصحاري. وفي أيار/مايو من هذا العام، وقّعت إسرائيل والمغرب 13 اتفاقاً في مجال التقنية الزراعية. كما أعلنت شركة إسرائيلية متخصصة في الزراعة الدقيقة هذا العام أنها تعتزم مشاركة أحدث تقنياتها في هذا المجال مع المزارعين المغاربة.

علاوة على ذلك، وسّعت إسرائيل نطاق التقنيات التي طوّرتها ليشمل دولاً من خارج "اتفاقيات إبراهيم". ففي حزيران/يونيو من هذا العام، وقعت شركات إسرائيلية وسعودية اتفاقيات ضخمة في مجال الزراعة الصحرواية ستشمل استخدام التكنولوجيا المائية التي طورتها إسرائيل فضلاً عن أنظمة أخرى ضرورية للزراعة في الظروف المناخية الجافة. كما أرسلت إسرائيل إلى أثيوبيا أحدث ما توصلت إليه في مجال تقنية الطائرات المسيرة لمساعدتها على استهداف الأنواع المتطفلة على غرار الجراد الصحراوي الذي دمّر المزارع وتسبب بنقص حاد في المواد الغذائية في شرق أفريقيا. ومن الضروري أيضاً معالجة هذه المشكلة في أجزاء من آسيا والشرق الأوسط.

وعلى صعيد آخر، تساعد إسرائيل على تطوير الزراعة الفلسطينية من خلال توفير التدريب وتخصيب المحاصيل على غرار الأناناس والفراولة والفلفل والخيار الصغير. وكما قال منسق شؤون الزراعة للضفة الغربية في "الإدارة المدنية الإسرائيلية"، سمير معدي في عام 2019: "إن التعاون الزراعي بين إسرائيل والفلسطينيين يزداد قوة. وسنواصل تزويد المزارعين الفلسطينيين بالمعرفة الزراعية المحترفة العميقة والمطلوبة، لكي ينمو هذا القطاع، ويعزز الاقتصاد الفلسطيني، وبالتالي سيساهم في إرساء الأمن في المنطقة". وأخيراً، ثمة شراكات ومشاريع أخرى تمّ تطويرها في هذا المجال تشمل تطوير أحواض السمك وبدائل آمنة بيئياً لمبيدات الآفات.

disqus comments here