نابلس يا وجع "جرزيم" وأنين "عيبال"

فجعت نابلس "جبل النار" في الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر بارتقاء خمسة من أبنائها الأعزاء، ونابلس بلدتي العزيزة، التي عشت فيها طفولتي والتي أمضيت فيها أحلى أيامي التي ما زالت محفورة في الذاكرة إلى اليوم.

عندما تصرخ نابلس، فإن القدس، ورام الله، وجنين، والخليل، وطولكرم تلبي النداء، كل أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة يثورون ويخرجون في المسيرات، ويتوجّهون إلى الحواجز للاصطدام بقطعان جيش الاحتلال، ومستوطنيه، وللانتقام لمن ضحوا بأرواحهم فداءً للوطن.

 في هذا اليوم، السماء كانت كلها حزن على نابلس، وعلى من استشهد فيها، فاختفت الشمس في كسوفها خجلاً وحزناً، وبكت الغيوم بدموعها مطراً غزيراً سقط على أشجار الزيتون ليغسل أوراقه ويزيل رجس قطعان المستوطنين. 

كل شيء في نابلس كان على حركة، وحزن، وغضب، فصراخ جبل "جرزيم" كان يسمع صداه من جبل "عيبال"، وأصوات قرع أجراس الكنائس تلاقي أذان المساجد، وتُسمع التكبيرات، والصرخات، وصليات الرصاص تعلو في السماء، وتضرب المحتل الغاصب الذي دخل خُلسةً كخفافيش الليل ظانّاً أن نابلس ستستكين، وتستسلم بعد فرضه الحصار عليها من جميع الجهات. 

ألا يعلم الاحتلال أن نابلس هي التي غنّت عبر تاريخ الاحتلال بكل أشكاله، وأنواعه، وجنسيّاته، "طالع لك يا عدوي طالع من كل بيت وحارة وشارع". ألم يتعلم الدرس بعد؟ 

شوارع نابلس، وحاراتها، وأحواشها هي التي تحتضن أسود المقاومين، وتخفيهم في عرينها كما تحتضن الأم أبناءها، فمن يعرف حارة الياسمينة، وحارة القريون، وحارة الحبلة، وحارة القيسارية، وحارة العقبة، وحارة الغرب أكثر من أبنائها؟ وهل تحتضن الاحتلال وأعوانه، أم تلفظهم، وتسحقهم كما فعلت في تاريخها النضالي الطويل.

نابلس ليست كسائر المدن، وليست أجمل من باريس، ولندن، هي أعظم من كل المدن، وهي تحفة، وقبلة المدن، وأصل الحضارة، والتاريخ العريق. كم من أمم مرّت على نابلس، لكنها بقيت شامخةً، وصامدةً منذ الرومان، وحتى المماليك، والأتراك بالطراز المعماري الفريد لأبنيتها وجوامعها، وما زالت حلاوة كنافتها على شفاه من ذاقها، وما زال صابونها علامة تجارية، وعنواناً للنظافة، فضلاً عن طعم طحينتها، وقزحتها، وزعترها، وبهاراتها.

نابلس تبقى شامخة شموخ جبليها: "جرزيم" و"عيبال"، ويبقى نسيجها الأسري الإسلامي، والمسيحي، والسامري، وعاداتها ولهجتها وتقاليدها صامدة تتطور ولا تتغير. وتبقى رائعة في كل مواسمها، سواءً في رمضان، أو في الإسراء والمعراج، أو في المولد النبوي الشريف.

نابلس لا تنسى أبناءها، فكل ركن، وكل حارة، وشارع يحمل اسم شهيد، أو ثائر، أو عالم، أو رجل دين، وعندما شيّعت خمسة من أبنائها البررة، خرجت عن بكرة أبيها، ولا يذكّرني ذلك إلا بجنازة الراحلين جمال عبد الناصر وأم كلثوم. 

نابلس تؤكد لنا دائماً أنه عندما يتوجع "جرزيم" فإن "عيبال" يئن، وستبقى نابلس عظيمة بناسها، ونضالها، وتاريخها، وستهزم المحتلين، وتعود تشرق شمسها من جديد.

 

disqus comments here