الأسير ضياء الأغا: حضن يتيم في 30 عاما

في الطرف الشمالي لمدينة خان يونس جنوب غزة، تعيش عائلة الأسير ضياء زكريا الأغا (47 عاما)، الذي دخل قبل عدة أيام عامه الـ 31 في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث لم نجد صعوبة في الوصول إلى المنزل الذي بات أشبه بمزار يتوافد إليه المواطنون يوميا.

داخل المنزل ترقد والدة ضياء، نجاة الأغا (72 عاما) على سرير الشفاء بعد أن أجرت عملية جراحية، فالأم المكلومة ما زالت تعد الأيام والليالي، وأكبر أحلامها أن تحتضن ابنها المحكوم بالسجن مدى الحياة.

"لو أن هناك تاريخ محدد للخروج سأبدأ بالعد، أعد فقط كم أمضى وليس متى سيخرج، وهذا أكثر إيلاما، قالت نجاة الأغا "أم عزام".

ووفقا لوالدة ضياء، فقد اعتقلت قوات الاحتلال ضياء في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1992، ولم يكن حينها قد تجاوز الـ 17 من عمره، وحكمت محكمة الاحتلال العسكرية عليه بالسجن "مدى الحياة"، حيث تتهمه بقتل ضابط إسرائيلي.

في جنبات البيت تتناثر صور ضياء على الجدران، إلى جانب صور طُبع على أحدها خبرا نقلا عن الصحافة الإسرائيلية يكشف عن هوية القتيل وهو ضابط إسرائيلي من وحدة عسكرية نخبوية شارك في اغتيال ثلاثة قادة من حركة فتح (كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار) عام 1973.

وبانقضاء العاشر من تشرين أول/ أكتوبر يكون قد أمضى ضياء في السجن 30 عاما ويومين متنقلا بين السجون، وهو يقبع الآن في سجن نفحة الصحراوي.

"كنت في الحادية والأربعين من عمري عندما اعتقلوه، الآن أنا في الثانية والسبعين وما زلت أنتظر" قالت والدته. 

وأضافت، وهي أم لثمانية من البنين والبنات، إن أحد أكبر أحلامها هو أن تحضن ضياء، سيما وأنها لم تحتضنه سوى مرة واحدة بعد 22 عاما من الاعتقال.

"لمسته بيدي واشتممت رائحته، كانت ثوانٍ معدودة ثم طردني السجانون خارج الغرفة الخاصة، ومنذ ذلك اليوم لم أحظ بزيارة دون الزجاج العازل، تلك الثواني كانت من أسعد أيام حياتي، أتمنى أن تتكرر".

لم ينخرط ضياء في مقاومة الاحتلال بمحض الصدفة، بل عاش في بيئة ثائرة رافضة للاحتلال والظلم، كما تقول والدته، فزوجها زكريا الأغا، الذي توفي عام 2005، اعتقل عام 1973 لمدة عامين وابنها الأكبر عزام اعتقل عام 1990 وقضى 4 أعوام في سجون الاحتلال، ثم ابنها محمد الذي قضى 12 عاما في السجن وجميعهم بتهمة الانتماء لحركة "فتح" ومقاومة الاحتلال.

لم يترك ضياء 30 عاما من عمره في السجن هكذا دون استفادة، حيث انشغل بالمطالعة والدراسة وحصل على الثانوية العامة ودرجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى، وبكالوريوس خدمة اجتماعية من جامعة القدس المفتوحة، ويحضر حاليا لدراسة الماجستير في العلوم التاريخية من جامعة فلسطين.

"يواظب على القراءة والتعلم، يتابع كل شيء يجري على الأرض، يتمتع بمعنويات كبيرة، عندما أراه أشعر بالأمان والقوة"، قالت والدته.

تحملق والدة ضياء في إحدى صوره وتقول إنها حرمت من متعة النظر إليه وهو يكبر ويصير رجلا، فقد اعتقل مراهقا وبات الآن رجلا "كامل الأوصاف".

"كنت أنتظر أن أراه يكبر ويحلق لحيته أمام المرآة، أن أغسل ملابسه وأرتبها، يسرح شعره، كل هذه التفاصيل حرمت منها"، أضافت الوالدة.

وقال الأسير المحرر عابد عابد (59 عاما) إن ضياء كان يتسم بروح المرح مع رفاق السجن والصلابة مع السجان والثقافة العامة في حياته اليومية.

"كان يقرأ أي كتاب يقع بين يديه ونجح في الحصول على شهادة جامعية ويتابع أخبار الوطن والعالم،" قال عابد الذي أفرج عنه الشهر الماضي بعد 20 عاما في الأسر.

وأشار عابد، الذي يقطن مخيم جباليا، شمال غزة، إلى أن ضياء كان مصدرا لرفع الروح المعنوية للأسرى الجدد أو في وقت الإضرابات.

"كان من أوائل الأسرى الذين يتصدرون الإضراب ويرفع الروح المعنوية لمن ينتابهم الإنهاك، ضياء شخصية قيادية إضافة إلى مهارته في الطبخ داخل السجن"، قال عابد.

من جهته، قال الباحث في شؤون الأسرى أسامة مرتجى إنه كان من المفترض أن يفرج الاحتلال عام 2014 عن ضياء و25 أسيرا، تم اعتقالهم قبل اتفاق أوسلو، ضمن صفقة الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى القدامى إلا أن إسرائيل تنصلت من ذلك.

وأشار مرتجى إلى أن 551 أسيرا يقضون أحكاما مؤبدة (مدى الحياة) في سجون الاحتلال بينهم 222 أسيرا قضوا أكثر من 20 عاما في السجن.

disqus comments here