عن القوميّة العربيّة الحديثة

يقول كارل ماركس، الذي نستشهد بقوله هنا كأكثر المستشرقين رصانة في رصد ودراسة ظواهر الشرق، إن أوّل تعبير عن «الشعور القومي العربي» المستيقظ كان قد جاء في سياق الرد على الأحباش والفرس، ويُضيف أنّ «ثورة» محمد «العروبية» كانت تمثل عودة للتراث التوحيدي الذي جسّده «الكتاب المقدّس» الذي جاء كنسخة معدّلة عن تراث عربي قومي قديم هو إرث «إبراهيم الخليل». ومن المؤكد أن هذا الرأي الأخير لماركس، الذي صنّف الكتاب المقدّس كنسخة معدلة من إرث إبراهيم، يستولد أسئلة كثيرة وردت بوضوح عند إلياس مرقص الذي قال إنها تتعلق بأسبابه ثم تتعلق بالمواضع التي حدث فيها. وفي الشقّ الأول قال إن الأسباب الموجبة له قد فرضتها شروط الحياة المتغيرة من نوع دخول الزراعة والعداء للجوار العربي. أمّا الشق الثاني المتعلق بالمواضع فله علاقة بقصة إبراهيم ومن بعده إسحاق ويعقوب وإسماعيل الذي تمثل حادثة «رفعه لقواعد البيت» بداية التأسيس لكينونة سوف تؤسس لاحقاً، أو تكون جنين إرث لبناء «تكتل» ناطق بالضاد.

برز الشعور القومي العربي بوضوح زمن الدولة الأموية (662 -750)، فالجناح الذي قاده معاوية بن أبي سفيان، مؤسس تلك الدولة، كان يمثل ولا شك «جناح المعارضة المكية» للنبي محمد (ص)، والطيف هنا يمتد، ومن دون شك أيضاً، ليطول مبدأ «الشعوبية» الذي نادى به الإسلام في محاولة لصهر نسيج متعدد الأعراق والثقافات كانت قد انضوت تحت راية الدين الجديد الذي كان أحد شعاراته أن «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». هذا المسار الذي أرساه المؤسس «المعارض» سوف يترسخ لاحقاً زمن عبد الملك بن مروان الذي بدأ العمل الحكومي في عهده يسجل بانتظام تعريب مؤسسات الدولة وطابعها. وفي السياق بات العرب المسلمون على رأس المجتمع حتى باتت ملامح المشروع عربية خالصة. والمؤكد هو أن «العروبة» كانت قد شهدت أزهى عصورها زمن الأمويين. ومن المؤكد أيضاً أن التجارب الحديثة التي عملت على استنهاضها كانت تستنير بتلك الفترة بكل أدبيّاتها وكل منعرجاتها الفكرية، ولربما أيضاً وقعت بنفس محاذيرها التي أدت إلى سقوطها في التجربتين السابقة واللاحقة.


كان انهيار الدولة الأموية يمثل في أهم تراسيمه انحساراً للمشروع العربي لصالح بروز مشروع «الشعوبية» الذي برز بوضوح زمن الدولة العباسية التي تناوشتها هويات عدة كانت العربية إحداها ولم تكن البارزة فيها في مراحل عدة، ثم جاء المغول، ومن بعدهم العثمانيون الذين حكموا المنطقة تحت راية «الخلافة الإسلامية» لمدة تزيد على الأربعة قرون استمرت حتى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين. والشاهد هو أن الهوية العربية كان قد أصابها الكثير من التهتك، والتلون، على امتداد المرحلة الممتدة ما بين عام 1258 الذي سجّل مجيء الأولين وبين عام 1918 الذي شهد رحيل الأخيرين.


كانت أولى نسائم القومية العربية الحديثة قد هبّت مع ظهور العديد من النخب المسيحية اللبنانية أواخر القرن التاسع عشر التي راحت كتاباتها تذكي الروح العربية بوسائل شتى، بدءاً من استحضار الموروث التاريخي الذي يغوص عميقاً في الذات العربية، ثم وصولاً إلى محاولة استنهاض ذلك الموروث، والمؤكد أن ذلك كان قد شكّل نقطة تلاق مع رياح الغرب، المقاد من بريطانيا في حينها، التي كانت تهدف إلى تسديد «ضربة قاضية» للإمبراطورية العثمانية التي بدا ترنحها واضحاً قبل نحو قرنين من سقوطها، فراحت تعمل على الاستثمار فيها. ولذا فإنه من الجائز القول إن «عاصفتَي» آب 1915 بساحة البرج - بيروت، و أيار 1916 بساحة المرجة - دمشق، اللتين شهدتا إعدام العثمانيين لكوكبة من القوميين العرب المنادين باستقلال بلادهم، كانتا ذروة ذلك المسار ونقطة تحول فارقة فيه. فاللحظة استولدت تأجيجاً للمشاعر القومية بدا طاغياً بدرجة يصح توصيفها معها على أنها باتت تمثل «حالة شعبية» يمكن الركون إليها في حسابات القوى والتيارات السياسية التي راحت تعمل ديناميكياً على تقطيع آخر الخيوط التي تربطها بـ«الراية العثمانية» ظناً منها أن الفعل سوف يقودها إلى تحقيق مراميها في الاستقلال تحت راية عروبتها المنشودة. وما جرى هو أن المرامي البريطانية كانت تتلاقى، عند نقطة محددة لا تتجاوزها، مع تلك الحالة، وتفترق معها في ما بعدها.
هنا، يمكن في سياق التشريح للمسار الذي اختطته الفكرة ما بعد «البرج والمرجة» منتصف العقد الثاني من القرن العشرين المنصرم، التمييز بين الإرهاصات التي استولدتها أفكار المسيحيين العروبيين في لبنان بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر، وبين الحركة التي قام بها الشريف حسين بن علي انطلاقاً من الحجاز لتحرير البلاد العربية بدعم بريطاني. والثابت هو أن اللبوس الذي استخدمته هذه الأخيرة لم يكن قومياً عروبياً خالصاً، وإنما كان يستند إلى «سلفية إسلامية» ارتأت أن تتزين بـ«زراكش عربية» كان الغرض منها هو توسعة جبهتها واستمالة التيار العروبي الأصيل الناهض في الرحم العربية، بل وضعه تحت عباءتها.


كانت إيديولوجيا «ثورة الحجاز» التي قادها الشريف حسين لتحرير المنطقة من العثمانيين قد ارتكزت على إرثَين «مشوبين» بصبغتهما العربية. ولكي يكون التوصيف أكثر دقة يمكن القول إن ذينك الإرثين كانا يمتحان من «السلفية» زادهما الأساس، وإن احتوى الأخير على بعض «المقبلات» ذات النكهة العربية، أولهما أفكار عبد الرحمن الكواكبي صاحب كتابي «طبائع الاستبداد» و«أم القرى» الذائعي الصيت. وعلى الرغم من أن الكتابين كانا قد وُضعا، في المناهج الدراسية وكذا في أدبيات معظم من تناول تلك الفترة بالبحث والدراسة، في سياق المناهضة الفكرية للاحتلال العثماني ومحاولة خلق قوالب «عروبية» قادرة على تفكيكه، فإن الأدوات المستخدمة في ذلك كانت لا تخرج عن نظيرتها التي استخدمت لترسيخ ذلك الاحتلال. وبمعنى أوضح كان مشروع الكواكبي أميل لأن يكون محاولة لنقل «الخلافة العثمانية» إلى «الحظيرة العربية» لكن دون المساس بطبيعتها الإسلامية عبر حصر قيادتها بالعرب المسلمين، وهذا بالتأكيد لا يمثل خطاباً، أو منهجاً قومياً عربياً بل يمثل خطاباً إسلامياً صارخ الوضوح. وثانيهما رشيد رضا الذي قال عقب مبايعته للشريف حسين بأن «الإسلام دين حكمه عربي» وفي حينها أكد على أن تكون الخلافة «قرشية»، لكن التطورات التي أعقبت سقوط حكم الهاشميين في سوريا بعد دخول الفرنسيين إليها كان قد قاده للتحول نحو الوهابيين الذين كانت تباشير ميلان الكفة لصالحهم تبين في الأفق.
ومن حيث النتيجة كان الشريف حسين، في بيانه الذي أعلن فيه ثورته على العثمانيين، أقرب إلى التمحور حول «نصرة دين الإسلام» وعلى أساس الشرع الإسلامي «الذي لا يكون لنا مرجع سواه»، حتى إن الشريف حسين لم يأت على أي ذكر للعروبة في بيانه السابق الذكر، وإنما اكتفى بالإشارة إلى أن «العصيان على الدولة العثمانية هو واجب ديني». وهذا يقود إلى استخلاص النتيجة التالية: إن ثورة الشريف حسين، التي أُطلق عليها في كتب التاريخ والمناهج المدرسية اسم الثورة العربية، لم تكن كذلك، ولا هي تنتمي إلى الغرس الذي بانت جذوره عند الاحتكاك مع الفرس والأحباش، المشار إليه في رؤية كارل ماركس، والذي تبلور في ما بعد زمن الدولة الأموية التي استنارت بها أفكار القومية عند المسيحيين اللبنانيين، وجلّ ما كانته هو نقل للخلافة الإسلامية من الكتف العثمانية إلى الكتف العربية.


هنا يمكن القول إن أفكار القومية العربية الحديثة التي جاءت بطبعتين اثنتين أولاهما «طبعة البعث» وثانيتهما «الطبعة الناصرية» لم تأتِ، فقط، من الأدبيات التي قدّمها منظّرو القرن التاسع عشر المسيحيون اللبنانيون، وإنما شابها الكثير مما روّجت له ثورة الشريف حسين، وما اعتدت به من إرث إسلاموي سبق ذكره. ولعل هذا ما يفسر ذهاب المدرستين نحو مزاوجة «الروح الإسلامية» بالروح العربية. وعلى الرغم من أن استحضار ذلك الفعل كان يبدو مبرّراً، لاعتبارات عدة لا يمكن تجاوزها لعل أبرزها أن الإرث الإسلامي يغوص بدرجة كبيرة داخل الذات المجتمعية العربية عموماً، فإن النتائج جاءت بعد التطبيق لتحدث حالة هي أقرب إلى تغليب للأولى على الأخيرة بدرجة أصبح معها الفعل معيقاً لحركة العربة. والمؤكد هو أن فعلاً نقيضاً، كان يمتلك مشروعية أكبر بما لا يقاس عن الفعل الذي مورس من تينك المدرستين، فالعروبة، بصبغتها «الأموية»، تمثّل ضرورة لبقاء المجتمعات العربية، ولا بديل منها كهوية حضارية تؤطر للصورة التي يعرفنا بها العالم، وكل النظريات والطروحات التي سعت إلى تغليب إيديولوجيا «ما» عليها فشلت، ولسوف تفشل في محاولاتها اللاحقة.

disqus comments here