إسرائيل تُعظّم رهاناتها: «الناتو الشرق أوسطي» آتٍ

 

من أجل احتواء ما تعتبره تهديداً إيرانياً، تسعى إسرائيل إلى تعاون عسكري أوسع مع دول الخليج، يشمل تشكيل «ناتو شرق أوسطي»، ترى «مجموعة الأزمات الدولية»، أنه - في أفضل الأحوال - سابق لأوانه. ولهذه الغاية، طوّرت تل أبيب علاقات أمنية ثنائية من تحت الطاولة مع كلّ من البحرين، سلطنة عمان، قطر، السعودية، والإمارات، آملةً في أن يمثّل ذلك مقدّمة لـ«تحالف دفاعي» مناهض لإيران، تسانده الولايات المتحدة. ومن هذه الزاوية تحديداً، قُرئت منها زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى إسرائيل، في تموز الماضي، أي بوصفها تأييداً للفكرة السالفة، وسط حديث سَرى آنذاك عن أنها تشكّل إشارة إلى اتفاق وشيك على نظام دفاع جوي مشترك. مع هذا، يفيد التقرير المنشور على موقع المجموعة، أول من أمس، بأن دول الخليج رفضت إعطاء دفعة للحماسة الإسرائيلية، على رغم أن العلاقات بين الجانبَين لا تفتأ تزداد صلابةً، منذ تطبيع العلاقات بين كيان الاحتلال وكلّ من أبو ظبي والمنامة.

لكن لكل تعاون حدوده؛ وإذ تشترك الإمارات والبحرين في وجهة نظر عواصم خليجية أخرى، بأن مِن شأن تحالف عسكري مع إسرائيل ضدّ إيران أن يحمِل مخاطر عالية للغاية بإثارة حرب مع الأخيرة، ستكون فوائدها محدودة للغاية، فإن هذه الدول تنأى بنفسها عن ما يمكن أن يضعها في صدام مباشر مع الجمهورية الإسلامية، وهي سياسة ترجّح «الأزمات الدولية» استمرارها، سواءً نجحت المحادثات بين إيران والقوى الغربية الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي، أو فشلت.
ويمثّل التحالف العسكري مع دول الخليج الركيزة الثالثة في استراتيجية إسرائيل لمواجهة إيران، بعد الأولى التي ترتكز على تطوير خيار عسكري لتوجيه ضربة لبرنامج طهران النووي، والثانية التي تشمل الجهود المبذولة لتقويض برنامجَي إيران النووي والصاروخي، تساوقاً مع تكثيف الضغوط الاقتصادية الدولية المنسَّقة والهجمات الإسرائيلية السرّية. ويرى مسؤولون إسرائيليون أن الركيزة الثالثة تخدِم أغراضاً متعدّدة؛ فمن خلال إقناع دول الخليج بالانضمام إلى تحالف عسكري، تهدف إسرائيل، في المقام الأوّل، إلى إنشاء نظام دفاع جوّي جماعي، والبناء على القدرات العسكرية للحلفاء، لتقديم ثلاثة مزايا: على المستوى العسكري البحت، ستتمكّن إسرائيل، أولاً، من الوصول إلى أجهزة استشعار موجودة في دول الخليج، وهو ما سيتيح لها مزيداً من الوقت للردّ على أيّ هجوم إيراني؛ ثانياً: من شأن تشكيل التحالف أن يعزّز فكرة تضاعف خيارات إسرائيل العسكرية، وتالياً تعزيز موقفها الرادع. ووفق ما يقوله مسؤول أمني إسرائيلي، لـ«الأزمات الدولية»: «تحتاج إيران إلى رؤية إسرائيل وحلفائها الإقليميين يتقدّمون مباشرة إلى حدودها، لرؤيتنا أكثر اتّحاداً، بما في ذلك مع الغرب. سيساعدنا التعاون العسكري الإقليمي في هذا الأمر». أخيراً، سيعزّز التعاون العسكري، التحالف السياسي الذي يقف وراء عقيدة عزل إيران، ليس على المستوى العالمي فقط، ولكن داخل الشرق الأوسط نفسه أيضاً.

 


في الواقع، ترى إسرائيل فائدة في الإعلان عن أن مِثل هذا التحالف بدأ في التشكُّل فعلاً؛ إذ انتهز المسؤولون الإسرائيليون فرصة زيارة بايدن ليعلنوا، في تصريحات جرى تضخيمها في وسائل الإعلام المحلّية، أن دول الخليج ستباشر بناء نظام دفاع جوّي مشترك. وعلى رغم سقف التوقّعات العالي الذي حدّده مضيفوه، لم يَصدر عن الرئيس الأميركي أيّ إعلان عن التحالف خلال فترة وجوده في إسرائيل، فيما حظيت الفكرة باستقبال فاتر خليجيّاً. فعلى هامش زيارة بايدن اللاحقة إلى السعودية، قال المستشار الديبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش: «نحن منفتحون على التعاون، ولكن ليس التعاون الذي يستهدف أيّ دولة أخرى في المنطقة، وأنا أذكر إيران على وجه التحديد». وفي الإطار ذاته، رفض وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، فكرة «الناتو العربي»، قائلاً إن بلاده لم تشارك في أيّ مداولات في هذا الشأن، بل إنها «مدّت يدها لإيران». فالسعودية والإمارات اللتان اتخذتا تقليدياً مواقف أكثر صرامة تجاه إيران من جيرانهما الخليجيين، هما الدولتان اللتان عدّلتا بشكل ملحوظ نهجيهما تجاه طهران. يعكس موقف البلدَين من المقترح الإسرائيلي، إعادة توجيهٍ للسياسة التي انتُهجت خلال العقد الماضي، حيث أصبحت الرياض وأبو ظبي تنظران بشكل متزايد إلى واشنطن، الضامن التقليدي لأمنهما، باعتبارها غير موثوقة. يعود الفضل في إعادة التوجيه هذه - جزئياً -، إلى تراجع قوّة الولايات المتحدة مقارنةً بالجهات الفاعلة الصاعدة، مِن مِثل الصين. كما تعكس الاستنتاجات التي جرى التوصّل إليها خلال فترة الرئيس السابق، دونالد ترامب، ما ستفعله الولايات المتحدة وما لن تفعله لممالك الخليج. وبينما يعمل قادة دول الخليج على خفض حدّة التوتّر مع إيران، فهم لا يرَون أن الانضمام إلى تحالف عسكري مع إسرائيل سيتماشى مع مصالحهم. وفي هذا الجانب، شدّد مسؤول سعودي، لـ«الأزمات الدولية»، على أن «السعودية لا تريد حرباً أو مواجهة مع إيران. بالطبع لا. وآخر شيء نريده هو الوقوع في خضم حرب بين إسرائيل وإيران». على رغم التحفّظ الخليجي، لم تتخلّ إسرائيل عن ملاحقة ما تسمّيه «الناتو الشرق أوسطي». ويبدو أن عدداً كبيراً من المسؤولين الإسرائيليين يعتقدون بأن دول الخليج - مثل الإمارات - ستُغيّر موقفها مع مرور الوقت. من هنا، فهي ستواصل الضغط من أجل تعزيز التعاون العسكري الإقليمي بصفته «حصناً منيعاً» ضدّ القوّة الإيرانية. وفي ضوء المقاومة الخليجية، يبدو أن المكان البديل الوحيد لبناء الجسور مع الخليجيين، هو القيادة المركزية الأميركية والتي تستطيع إسرائيل من خلالها المشاركة في الاجتماعات والتدريبات الإقليمية من دون تعريض حكومات دول الخليج، خاصة تلك التي لم تطبّع العلاقات معها، إلى انتقادات داخلية. مع ذلك، لا يوجد عملياً أيّ احتمال بأن يؤدي البرنامج المذكور إلى الظهور المأمول لـ«الناتو» - لأن دول الخليج، ببساطة، لا ترغب في تحالف كهذا.

ad

disqus comments here