رجلٌ بحجم وطن: فتحي خازم من مخيّم جنين قدّم ولديْه شهيديْن..

"قتلتم فلذات كبدي وهدمتم بيوتي، ولم تعلموا أنني ابن شعب عصيّ على الانكسار، وقلتم إنّني بسبعة أرواح، ولم تعلموا أنني تمنيت لو أنّ لي مائة نفس تذهب نفسا بعد نفس في سبيل الله. تحية إجلال وإكبار لكلّ أحرار فلسطين، لكل مَنْ يُعبّر اليوم عن غضبه لأجل فلسطين والقدس وينتفض بوجه المحتل”، بهذه الكلمات ودعّ فتحي خازم (أبو رعد)، من مخيّم جنين، ابنه الذي ارتقى يوم الأربعاء الماضي خلال الاشتباكات بين المقاومين في مخيّم جنين وبين جيش الاحتلال الإسرائيليّ. أبو رعد، يستخدِم وسائط التواصل الاجتماعيّ، ونشر أقواله أعلاه، في مدونّةٍ على صفحته الفعالّة يوم أوّل من أمس الخميس، خلال مشاركته في تشييع ابنه الشهيد، عبد الرحمن، والتي حصدت أكثر من ثلاثة آلاف إعجاب ومشاركات وتعقيبات.

واستشهد 4 مواطنين فلسطينيين، وأصيب العشرات بجروح مختلفة، صباح يوم الأربعاء الـ27 من شهر أيلول (سبتمبر) 2022، خلال مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي عقب اقتحامها مخيم جنين، ومحاصرة منزل واستهدافه بصاروخ.

وأعلنت وزارة الصحّة الفلسطينيّة أسماء الشهداء وهم: عبد الرحمن فتحي خازم، محمد محمود الونة، أحمد نظمي علاونة، محمد أبو ناعسة.

وكشفت قناة (كان) العبرية، تفاصيل جديدة عن الشهيد عبد الرحمن خازم، ونقلت عن محافل أمنيّةٍ رفيعةٍ في تل أبيب إنّ “عبد الرحمن خازم أوصل شقيقه رعد إلى ثغرة في الجدار نقل من خلالها إلى تل أبيب، كما أنّه ساعده على شراء مسدسه الذي نفذ به عملية إطلاق النار في شارع (ديزنغوف) بتل أبيب”، مُصيفةً أنّ “عبد الرحمن شارك في عمليات أخرى ضد الجيش والمستوطنين".

وفجر يوم الجمعة الثامن من نيسان (أبريل) الماضي استشهد نجله الأوّل، رعد فتحي خازم برصاص قوات الاحتلال "الإسرائيلي"، بزعم تنفيذه عملية إطلاق نار في شارع (ديزنغوف) وسط تل أبيب، والتي أدت إلى مقتل ثلاثة "إسرائيليين" وإصابة نحو 15 آخرين بجروح متفاوتة. وقالت صحف عبرية في وقتها إنّ عناصر من جهاز الأمن العّام (الشباك) تعرفوا عند نحو الساعة 5:30 فجرًا على المنفذ بالقرب من مسجد ساحة الساعة في يافا، وخاضوا معه اشتباكًا قبل أنْ يستشهد.

بإرادة فولاذية وتحدٍ سافرٍ للعدو، أصر (المطارد) فتحي زيدان خازم على وداع ابنه القائد في كتائب شهداء الأقصى عبد الرحمن، شهيده الثاني خلال عدة أشهر، والذي روى بدمه صبيحة الأربعاء ثرى مخيم جنين خلال اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال أثناء عملية أدت إلى ارتقاء 4 شهداء.

خازم صاحب التجربة، بعد مطاردته من قبل الاحتلال منذ عملية ابنه رعد التي عرفت بعملية (ديزنغوف) التي هزت "إسرائيل". لم يهتم لتهديدات الاحتلال وبالطائرات التي تحلق فوق مدينة جنين على ارتفاع منخفض، بل خرج لشوارع المخيم محاطًا بعشرات المسلحين ليودع عبد الرحمن رافضاً الحزن و تقبل التعازي، حاثاً الجميع على تهنئته لانضمام ابنه لقائمة الشهداء وشقيقه رعد الذي لا يزال جثمانه محتجزاً لدى الاحتلال.

بشموخ وكبرياء انتصب في ساحة المخيم الشاهدة على معركة مخيم جنين الشهيرة في نيسان 2002، حتى شق المسلحون رفاق درب عبد الرحمن طريق الجموع المحتشدة للوصول إلى الوالد الذي أدى التحية ثم تضرع لله أن يتقبله شهيداً وعانقه و هو يردد الله أكبر، مما ألهب حماس الجماهير التي تعالت هتافاتها غضباً على الاحتلال ونصرة للمقاومة.

عبر أزقة المخيم، تابع الوالد فتحي شق طريقه مع المقاومين الذين شاركوه رفع إشارة الشاهد وهم يرددون التكبيرات وسط صرخات الغضب التي دعت المقاومة للرد على العدوان وحماية المخيم.

وبفخر واعتزاز، قال خازم: “الحمد لله، عبد الرحمن ورعد استشهدا في سبيل الله وفلسطين والقدس، لم يرفعا إلا راية لا إله إلا الله، دفاعاً عن دينهم وأرضهم ومقدساتهم أمام هذا العدوان الغاشم، والاحتلال الذي فتح النار على الإنسان والحجر والشجر، لكننا أقوى منه ولن نركع".

وأضاف: ”الاحتلال فتح النار على شعب لا يعرف الهزيمة أو العار أو الانحناء، شبابنا لا يرفعون أيديهم ولا يركعون إلا لله، يقاتلون صفاً كأنهم بنياناً مرصوص".

وبصوت مجلجل انطلق صوت الوالد معلناً: “اللهم اشهد أني راضٍ عن ولداي رعد وعبد الرحمن، فارضى عنهما والحمد لله ولله ما أعطى وما أخذ”، داعيًا أن تمتد الانتفاضة والنار التي تشتعل بمخيم جنين إلى كل أنحاء فلسطين، وقال: ”مطلوب من أهل فلسطين جميعًا أن يساندوا مدينة جنين الصامدة والتي تنزف، جنين يصرخ فيها الأطفال والشهداء والجرحى، آن لكم أن تقفوا إلى جانبها".

تحيي خازم، الذي انتمى لحركة فتح في ريعان الشباب، وتعرض للمطاردة والاعتقال خلال انتفاضة الحجر، وأعادت إسرائيل إدراج اسمه ضمن قوائم المطلوبين منذ تنفيذ نجله رعد العملية، دعا للوحدة ورض الصفوف.

ورداً على سؤال حول رسالته في ظل التهديدات باغتياله واستشهاد ابنه الثاني، قال: ”هدموا بيوتي لكنهم لم يهدموا إلا أحجارًا، لم يعدموا عزيمتنا ولا إرادتنا، وقتلوا أبنائي، ولكنهم ليسوا بقتلى، فقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار".

خرج (أبو رعد) من بين الثوار وفوهات بنادقهم، مودعًا نجله عبد الرحمن، ومحملاً إياه السلام لولده رعد، مخاطبًا أبناءه من المقاومين ألّا يطلقوا النار في الهواء وأنْ يحتفظوا برصاصاتهم لعدوهم الغاشم، فكان منهم السمع والطاعة، علمًا وفهمًا وتلبيةً لوالد الشهداء ولمن يعي جيدًا صعوبة المرحلة والحاجة لكل طلقة تعني الكثير في عنصر المواجهة.

لم يرضخ خازم لتهديدات ضباط مخابرات الاحتلال، ومحاولاتهم للنيل منه والوصول إليه منذ أنْ نفذ رعد عمليته الشهيرة في (ديزنغوف)، واستمر في تحديهم، فلم يعبأ بهم وبطائراتهم المسلحة بدون طيار، وخرج في جنازة نجله عبد الرحمن متحديًا بالفعل والكلام، كل محاولات هذا الاحتلال الغاشم في تركيعه بهدم منزله تارةً وبقتل أبنائه وتهديده بالاغتيال تارةً أخرى، رافعًا شعارًا واحدًا لا يتغير “لا نركع إلا لله".

disqus comments here