أسعار الطاقة ارتفعت بالفعل عشر مرات.. "فورين بوليسي" تتساءل: هل تشهد أوروبا شتاء الغضب؟

أفادت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية في تقرير لها أعدته الكاتبة الصحفية كريستينا لو، أن المصانع والشركات والعائلات في شتى أنحاء أوروبا تجاهد للصمود في مواجهة حظر روسيا تصدير إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة إلى أرقام فلكية، وأفضى إلى عاصفة اقتصادية قاسية هي بمنزلة الاختبار لِوحْدَة أوروبا وموقفها من الحرب في أوكرانيا.

الأشهر القليلة المقبلة يصعب التنبؤ بها عندما يتعلق الأمر بأسواق الطاقة، ويرجع ذلك نوعاً ما إلى أن هذا الموقف غير مسبوق وسيسوقنا إلى منطقة مجهولة تماماً علين

 

وأشارت المجلة إلى أن أسعار الطاقة ارتفعت بالفعل عشرةِ أضعاف عما كانت عليه طيلة العقد الماضي، مما أدى إلى ارتفاعات مفاجئة ضيَّقت الخناق على الصناعات وجعلت الناس يذوقون الويل لسداد فواتيرهم.

واقتضت هذه الأوضاع اجتماعاً طارئاً لقادة أوروبا إذ سارعوا إلى وضع إجراءات موسّعة في محاولةٍ لخفض الأسعار بأي شكلٍ ممكن.

تقنين الغاز والبحث عن بدائل
فها هي بروكسل تتحدث عن تقنين الغاز، وتتسابق الحكومات القومية للعثور على إمدادات بديلة بعد أن قطعت روسيا تقريباً ثُلث امدادات القارة الأوروبية من الغاز كجزء من حملتها الساعية إلى إخضاع أوروبا قبل أن تنسحب قوات موسكو بالكامل من أوكرانيا.

ووصف أليكس مونتون الخبير بأسواق الغاز العالمية في مجموعة رابيدان للطاقة، الموقف بـ "حرب الطاقة"، قائلاً: "إننا لا نشهد سوقاً طبيعية. فهذه ظروف سوق قاسية للغاية". على مدار عقود، أمَدَّت روسيا الاتحاد الأوروبي بكميةٍ ضخمة من الغاز الطبيعي بأسعار مُخفَّضَة، غير أن هذه الإمدادات أمست ضحية محاولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إخضاع كييف والدول التي تدعمها.

واقترحت المفوضية الأوروبية تدخلات طارئة ومُوسَّعَّة من المُقرر أن تُعيد توزيع نحو 140 مليار دولار من الضرائب المفاجئة على الشركات والأُسر المُتعثرة. وكشفت المملكة المتحدة أيضاً عن عزمها على ضخ 46 مليار دولار دعماً للطاقة، في حين أعلنت السويد عن ضمانات للسيولة بقيمة 20 مليار دولار لشركات الطاقة المُتعثرة لديها.

وفي الوقت الذي تكاد تُعلن فيه شركات الطاقة الألمانية إفلاسها، يُزْعَم أنّ ألمانيا ستبادر إلى تأميم ثلاثة من كبرى شركات الغاز العملاقة لديها، بما في ذلك شركة أونيبر، في تدخُّلٍ تاريخي سيساعد على إنقاذها من السقوط في هوة أزمة الغاز الروسية.

احتجاجات على رفع أسعار الطاقة
وفي براغ، نزلَ نحو 70 ألف مواطن إلى الشارع في أوائل سبتمبر (أيلول) في مظاهرة تحت عنوان "جمهورية التشيك أولاً" احتجاجاً على رفع أسعار الطاقة، وطلباً لتدخلٍ حكومي أكبر.

وقال يان كوفار نائب مدير قسم الأبحاث في معهد العلاقات الدولية في براغ لـ"فورين بوليسي": "يتكتل جَمْع من الناس أصابهم الذعر مما سيحدث في الشتاء المقبل، وخوفهم لا ينبع فحسب من أسعار الطاقة، وإنما من ارتفاع معدل التضخم الذي عانينا منه على مدار العام الماضي".

وفي ظل ازدياد الغضب من فواتير الطاقة المُتصاعدة، ضعفَ التضامن الأوروبي. وبحسب التقرير، فإن هذه مُستجدات غير مُبشرة لبروكسل وللدعم الأوروبي المُستمر لدفاع أوكرانيا عن وحدة أراضيها ضد الغزاة الروس.

ونقلت "فورين بوليسي" عن بِن كاهيل، الأستاذ الكبير في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، قوله: "إذا ظلت الأسعار مُرتفعة حقاً، وضاق الخناق على السوق فعلاً خلال الشتاء، فستزداد الضغوط السياسية لا محالة".

وأضاف كاهيل "يُحتمل أن نجد أنفسنا أمام موقف يبلغ فيه الغضب حداً يدفع المواطنين إلى لوم حكوماتهم، وربما بدأت الحكومات في أن تحيد عن مسارها ولا تهتم سوى بمصالحها الشخصية. وسيكون الحفاظ على تضامن دول الاتحاد الأوروبي شاقاً". وإذ يلوح الشتاء في الأفق، وفت الدول إلى الآن بالأهداف الموضوعة لمنشآتها التخزينية، ولو أنه ليس من الواضح ما إذا كانت تلك الإنجازات كافية للقارة الأوروبية خلال فصل الشتاء في ضوء التوقف شبه الكامل لتدفقات الغاز الروسي.

ووفق التقرير، سيعول جزء كبير من توقعات الطاقة خلال الشتاء في أوروبا على الطلب؛ وقدرات الدول على تأمين إمدادات الغاز الطبيعي المُسال من بلدان كالولايات المتحدة، خاصةً وأن مشترين آخرين يلجؤون إلى تأمين كميات مثيلة في الأشهر الأكثر برودة.

ونقلت المجلة عن هيلما كورفت العضو المُنتدب في بنك آر بي سي كابيتال ماركتس الاستثماري، قولها: "لو حلّ علينا شتاء حميد، فسيكون من الأسهل أن نعيش دون الغاز الروسي. أما لو جاءنا شتاء قارس، فسنشهد شتاء الغضب".

وأوضح التقرير أنه على المدى البعيد، عندما تعثر أوروبا على موردين بدلاء، وتفقد روسيا سوق التصدير الأوروبية الكبرى، سيتحول ميزان القوى.

روسيا تحرق الغاز
وببساطة شديدة، تقول معدة التقرير، ليست هناك بنية تحتية كافية لدى روسيا لتوجيه كل مبيعاتها من الغاز إلى الصين، حتى لو كان هناك طلب عليه؛ وفي الوقت الراهن، تحرق روسيا غازها الطبيعي بدلاً من أن تبيعه.

وقال أنطوان هالف خبير الطاقة في مركز سياسات الطاقة العالمية التابع لجامعة كولومبيا وكبير المحللين في وكالة الطاقة الدولية إن "روسيا تشطب نفسها الآن من الأسواق الأوروبية".

فاستبعاد سوق التصدير الرئيسية لروسيا، بالنسبة لدولة تحصل على أكثر من 40% من إيراداتها الحكومية من مبيعات الطاقة، لهو إجراء جذري جسيم، وربما كان خطوةً لا رجعة فيها في هذه المرحلة. والمدى البعيد يختلف عن الشتاء الوشيك بلا وقود.

وأضاف هالف أن "الأشهر القليلة المقبلة يصعب التنبؤ بها عندما يتعلق الأمر بأسواق الطاقة، ويرجع ذلك نوعاً ما إلى أن هذا الموقف غير مسبوق وسيسوقنا إلى منطقة مجهولة تماماً علينا".

disqus comments here