ذاكرتي وذاكرة إسرائيلي حول مجزرة صبرا وشاتيلا

قرأت ما كتبه ضابط وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي يوسي بن آرييه عن الذي حصل ليلة ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا في 16 أيلول/ سبتمبر 1982، لقد كان هذا الضابط شاهدا على ما حدث، حيث كان يراقب هو وضباط إسرائيليون كبار الجريمة الفظيعة من على سطح بناية في بئر حسن جنوب بيروت تشرف على مخيمي اللاجئين الفلسطينيين، والذين شردهم  ضباط وجنود إسرائيليون قبل جيل أو جيلين الى هذا المكان. 
آرييه، والذي كان برتبة عميد إبان حرب لبنان، هو أحد الضباط الذين استجوبتهم لجنة كاهانا التي تشكلت في إسرائيل في حينه للتحقيق بمسؤولية القيادات العسكرية، وبالتحديد مسؤولية وزير الحرب أرئيل شارون ورئيس الأركان رافائيل ايتان عن المجزرة المذكورة.
وقبل أن أورد ما ذكره الضابط الإسرائيلي المشار إليه من معلومات، أود إشراك القارئ ببعض ذكرياتي عن هذه المجزرة البشعة، التي راح ضحيتها 3500 من المدنيين الأبرياء غالبيتهم الساحقة من اللاجئين الفلسطينيين وعدد من اللبنانيين وجنسيات أخرى، لم أكن لا في ميدان الحدث أو حتى في لبنان وقت حدوث المجزرة، كنت من بين المقاتلين والسياسيين  والإعلاميين والكتاب الذي خرجوا من بيروت على ظهر سفينة إلى تونس.
وهناك وفي مساء 14 أيلول، ليلة تفجير المقر الرئيسي لحزب الكتائب ومقتل بشير الجميل، كنا في جلسة عامة مع ياسر عرفات "أبو عمار" في فندق سلوى، الذي تحول إلى مقر مؤقت لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية بعد الخروج من بيروت، الجلسة كانت قبل انتشار خبر الانفجار والاغتيال، خلالها جاء الدكتور رمزي خوري مدير عام مكتب القائد العام، وهمس في أذن أبو عمار، الذي بدت عليه العصبية فورا واحتقن لون وجهه.. صرخ أبو عمار  قائلا: "قتلوا بشير الجميل راح يهجموا على أبنائنا في المخيمات"، بفراسة سريعة ومدهشة أدرك خطورة الموقف والتداعيات الأخطر على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت.
تركنا أبو عمار وذهب مسرعا إلى مكتبه ليجري الاتصالات، قسم من الحضور أعرب عن سروره لخبر مقتل بشير الجميل، الذي تحالف مع شارون لمحاربة منظمة التحرير والحركة الوطنية اللبنانية، ولم يدركوا كما أدرك أبو عمار المخاطر والتداعيات، في اليوم الثاني علمت أن اتفاق الخروح من بيروت كان يتضمن بندا بضمان أمن الفلسطينيين في المخيمات وعدم المس بهم والانتقام منهم بعد خروج مقاتلي المنظمة، لذلك اعتبر أبو عمار أن عملية اغتيال بشير الجميل ستعطي شارون وحلفاءه المبرر لدخول المخيمات وسفك دم الفلسطينيين فيها، وهذا ما جرى بالفعل وهو ما أطلق عليه منذ ذلك التاريخ "مجزرة صبرا وشاتيلا".
في حينها لم نسمع عن المجزرة إلا بعد ثلاثة أيام من ارتكابها، فقد فرض شارون على المنطقة طوقا عسكريا إسرائيليا مشددا جدا يمنع الدخول أو الخروج من المخيمين، بعد ثلاثة أيام نشرت وسائل الإعلام العالمية الصور البشعة لمئات الجثث المنتفخة لأطفال ونساء بعضهن بقرت بطونهن ولشيوخ وشباب وشابات من أبناء المخيمين. نشرت وسائل الإعلام الفظائع والجرائم التي ارتكبت بدم بارد وبوحشية وبسبق إصرار وترصد، 3500 ضحية كما وثق الكاتب بيان نويهض في كتابه عن مجزرة صبرا وشاتيلا.
نعود للضابط الاسرائيلي يوسي بن آرييه، ولما قاله في مقال نشره في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية قبل عام من الآن، أورد أنه كان عائدا هو وآخرون من الضباط والجنود إلى إسرائيل من لبنان بعد أن اعتقد أن مهمتهم انتهت بخروج قوات منظمة التحرير من بيروت، لكنه ما وصل إسرائيل حتى جاء نبأ اغتيال بشير الجميل في مساء 14 أيلول وطلب منه  ومن آخرين العودة فورا إلى لبنان، إلى جنوب بيروت. 
قال آرييه إنه علم عن اجتماع عقد ليلا، بعد ساعات قليلة من اغتيال بشير بين رئيس الأركان رافائيل ايتان مع قادة حزب الكتائب واتفقوا أن تقتحم قوات الكتائب وجيش لبنان الجنوبي الموالي لإسرائيل مخيمي صبرا وشاتيلا، ويقوم الجيش الإسرائيلي بتقديم الحماية لهم من الخارج ضمن خطة احتلال بيروت الغربية.
ويضيف الضابط يوسي بن آرييه أن وزير الحرب شارون صادق في صباح اليوم التالي 15 أيلول على الخطة التي اتفق عليها رئيس الأركان مع قادة حزب الكتائب، وذلك بحضور نائب رئيس الأركان موشيه ليفي وقائد المنطقة الشمالية آنذاك امير دوري وقائد القوات المسلحة البرية يهوشوا ساغي ورئيس الشاباك وممثل رفيع من الموساد، بالإضافة إلى لفيف من كبار ضباط الجيش.
ومما ذكره آرييه أنه كان شخصيا مع ضباط آخرين من وحدة الاستخبارات العسكرية يعتلي مبنى في منطقة بئر حسن ليلة 16 أيلول، ليلة ارتكاب المجزرة وكان يراقب ما يجري ولديهم أجهزة تنصت تستمع لمكالمات أجهزة اللاسلكي بين أفراد قوات الكتائب ويستمعون للأوامر الصادرة من ايلي حبيقة لضباطه وجنوده داخل المخيمات، بمعنى أنهم كانوا على اطلاع على ما كان يجري ولم يحركوا ساكنا لإيقافه. وما يفهم من مذكرات آرييه وحتى من تقرير لجنة كاهانا في حينه أن شارون وحتى رئيس الوزراء مناحيم بيغن يتحملان مسؤولية المجزرة وكل الضباط المشاركين في الاجتماعات وفي التنفيذ الميداني جميعهم مجرمو حرب في نظر القانون الدولي.
ومن المعروف أن شارون قد أعد لاقتحام بيروت منذ عام 1979, وبقي هذا هدفا له بما في ذلك اقتحام مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وخلال تلك المرحلة استغل شارون عملية اغتيال بشير الجميل، لدفع قوات الكتائب وليس الجيش الإسرائيلي لدخول المخيمات، علما أنه لم يكن للفلسطينيين ولا لمنظمة التحرير الفلسطينية أي علاقة بمسألة اغتيال الجميل.
وفي مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة، قال أمين الجميل وهو شقيق بشير الجميل ورئيس لبنان في مرحلة ما بعد حرب 1982 إن بشير قبل اغتياله كان قد رفض طلبا من شارون لدخول المخيمات، إلا أن هذا الأخير استغل لحظة الغضب والفراغ في قيادة حزب الكتائب ليمرر خطته مع بعض قيادات الحزب التي كان الموساد يقيم علاقات معهم، وكان يقصد ايلي حبيقة دون أن يذكر اسمه.
بعد انفضاح وانتشار هول ما حدث من مجزرة بشعة عقد شارون وضباطه اجتماعا مع بعض قيادات الكتائب واتفقوا على الكيفية للتخفيف من التبعات القانونية دون أي وخزة ضمير حول ما جرى بحق المدنيين الفلسطينيين الأبرياء، قتل واغتصاب وبقر بطون الحوامل وذبح بمختلف أنواع الأسلحة.
مسؤولية قادة وضباط الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية لن تسقط بالتقادم وسيأتي اليوم الذي ستحاسب فيه إسرائيل على جرائمها، والمطلوب جهد يبدأ منا كفلسطينيين ومن المنظمات الحقوقية الدولية وكل إنسان يرى أن ما جرى هو جريمة ضد الإنسانية جمعاء.

disqus comments here