عامان على "أبراهام".. التطبيع الفوقي

بعد حلول العام الثاني على اتفاقيات "أبراهام" مع الكيان الصهيوني، يجدر السؤال حول مدى "استيعاب" شعوب الخليج فكرة التطبيع المستجدة مع هذا الكيان المحتلّ؟ لا شكّ أنّ سلوك سلطات الدول المُطبّعة الأمني، يشير إلى فرضها على شعوبها الرضوخ السريع لـ"إسرائيل كصديقة" والإسرائيليين كأصدقاء في زمن قياسي ومفاجئ.

قبل ذلك كان أبناء الخليج؛ على امتداد قرنٍ كاملٍ من الزمن، يتوارثون ذاكرة نضاليّة توحّدهم ضدّ الاستعمار البريطاني والكيان الصهيوني المحتلّ، فجأة؛ بات مطلوباً من أبناء هذه الأرض حذف وعيهم وذاكرتهم الأصلية، واستبدالهما بوعي مضادّ هجين، فرضه اتفاق فوقي هو "التطبيع".

 

تدريجياً بات دعم فلسطين خطراً يزجّ الناس بسببه في سجون التعذيب، وفق أحكامٍ جاهزة فرضتها قوانين البلاد الفضفاضة، مثل قوانين العقوبات والجرائم الإلكترونية ومكافحة الإرهاب.

هناك عدد من الشواهد الرسمية والإعلامية الهادفة إلى تسويق رأي السلطة، ولا تعكس رأي القاعدة الشعبية الأصيلة المكممة الأفواه، يمثل توالي اعتقال النشطاء والمثقفين ترويعاً للشارع، وسعياً إلى امتصاص نتائج اتفاقيات أبراهام السياسية والاقتصادية بالقوّة، تحاول سلطات البلاد المُطبّعة صناعة رأي عام آخر مُهادن لها.

يتحدّث رئيس الجمعية الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان؛ علي الدبيسي عن ذلك "لو أعطي الناس حريتهم سيزول رأي السلطة، لأنه ليس أصيلاً، لكنّ اعتقال أصحاب الرأي واستمرار جلد المجتمع بالسجن والإعدام، أوضح للشعب أن الخطاب المسموح به هو خطاب السلطة فقط".

ثم يتابع قائلاً "عبر تجريم الفصائل الجهادية، باتت تهمة (دعم الإرهاب) جاهزة، فسلمى الشهاب التي حكمت 68 سنة سجن ومنعت من السفر، كانت رسالة للشعب مفادها؛ إن الحديث عن فلسطين "تهمة" مغطاة بقوانين مطاطيّة. كذلك اعتقال محمد العتيبي وخالد العمير عام 2008، تحت قانون منع التظاهر، حين أرادا التظاهر نصرةً لغزّة. منذ زمن بعيد بدأ استهداف مثقفين عروبيين وداعمي المرأة، بينهم مشتركات كثيرة، لكن الجامع الرئيس بينهم هو الموضوع الفلسطيني. بدءاً من عام 2016؛ بات الترهيب أوضح بكثير، كل مواطن سعودي أصبح مشروع معتقل".

وسط الجوّ القمعي الذي تتبعه دول التطبيع، كان الوصول إلى شهادات وتجارب أبناء الخليج مهمة صعبة جداً، فقد بدا واضحاً أن نهج التطبيع يستلزم؛ بالضرورة، استمرار فصول الاستبداد.

لم يكد ينتهي شهر أغسطس/آب الماضي حتى انضمّت الباحثة نورة القحطاني إلى تعداد المعتقلات، بسبب تغريدة على تويتر، وبسبب "حيازة كتاب"! تتشابه حالة الباحثة نورة مع حالة محمد، اسم مستعار، الذي احتجز ساعات عدة في مطار بلده البحرين، عندما لاحظ الأمن قراءته كتاب نعوم تشومسكي أثناء الانتظار! وفق محمد؛ تعتقل السلطات البحرينية منذ ثورة ظفار من يحوز في بيته راديو، أو من يرتدي نظارات طبيّة تدلّ على قراءته الصحف أو الكتب السياسية!

ينقل محمد خوف الشارع من تأسيس حيّ للصهاينة في المنامة، فالوجدان الشعبي في البحرين رافض تماماً للتطبيع، وهو نفسه الذي تعاطف مع شخصية نسائيّة مؤثّرة؛ مي بنت خليفة، عند إقالتها مؤخّراً من منصبها؛ رئيسة هيئة الثقافة والآثار، لرفضها مصافحة السفير الصهيوني.

برأي عبد الله، اسم مستعار، يمثل إقصاء شخصية رسمية؛ مثل بنت خليفة، مزيداً من الترهيب لكلّ رأي حرّ. من هنا بدت زيارة وفد صهيوني صحي رسمي المنامة مؤخراً "كأنها" طبيعيّة رغم عدم ذلك، هناك ضغط شعبي رافض للتطبيع وتظاهرات تطالب بالديمقراطية، لكن السلطة تستمرّ في الاعتقالات.

بخصوص الغيتو الصهيوني تؤكّد فاطمة، اسم مستعار، حرص أهالي حارتها على التحقّق من السماسرة، الذين يقومون بشراء العقارات وبيعها بمبالغ مضاعفة لصهاينة، تكمن الخطورة في منح السلطة الصهاينة الجنسية البحرينية!

حول ذلك يطلق سالم، اسم مستعار، صرخته "إن الوطن والهوية في خطر، والصهاينة سيحتلون البحرين بعد فلسطين، كما طمحوا في العام 1917".

يؤكّد الناشط المهندس عبد الإله الماحوزي "إنه لا يوجد احتكاك بين الصهاينة والشارع البحريني، الدليل استخدامهم سماسرة وسطاء غير مباشرين في شراء العقارات، التي لا يعرف البحرينيون أنها ستباع بهدف إنشاء المخطّط الصهيوني"، ثم يضيف يقتصر الاحتكاك التطبيعي على مستوى النظام والوزراء والصحف.

في جوٍّ مثيل؛ يعتري الشارع الإماراتي التكتم والخوف ذاته، يقول جورج، اسم مستعار لمغترب عائد مؤخراً إلى لبنان، "إنه لم يحتمل احتكاكه مع صهيوني، كونه عاش طفولته في بيروت مع جيران فلسطينيين لاجئين ظلّوا أصدقاء له، وارتبط أكثر بالمعاناة الفلسطينية، منذ أسعف ضحايا مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982".

يشير جورج إلى واحدة من المراقبات الأمنية الإماراتية "يبدأ تسجيل المكالمة الهاتفية لمجرّد أن تتضمّن رأياً قد يكون عادياً"، ويضيف "إنّ عدداً من العرب المستثمرين في الإمارات لا يهمهم موضوع التطبيع بل يهمهم المال والبزنس".
 
يعيش في الإمارات خليط هائل من جنسيات العالم، مع ذلك يستخدم الإسرائيليون مع العرب أسلوب الحذر، أو ازدواجيّة الجنسية، بوصفهم أجانب يتكلمون الإنكليزية.

يؤكد فادي، اسم مستعار، تاجر فلسطيني في الإمارات، "لم أواجه صهيونياً حتى اليوم، لكن الفلسطينيين المقيمين في الإمارات خائفون من الآتي".

يبقى هذا الخوف مشروعاً رغم حجم "الجالية الإسرائيلية" الصغير في الإمارات؛ بضع مئات، وفق إحصاء حاخام الجالية؛ وايلي عبادي تبلغ ألفاً. وايلي من أصل لبناني، يحمل الجنسية الأميركية، يشرف على الحيّ الصهيوني المزمع إنشاؤه في الجميرا.

يزور منزل العبادي عربٌ وإماراتيون يساندون السلطة في مشاريع التطبيع، كما افتتح مكتباً صغيراً لقناة "آي 24" الإسرائيلية، في مجمّع "استديو سيتي"، ما زال نشاطها محدوداً، يضمّ المكتب خمسة موظفين.

نشرت القناة إعلاناً صحافياً عن حاجتها موظفين دون أن يذكر الإعلان اسمها، ما دفع الصحافية سامية، اسم مستعار، إلى الاتصال بالمكتب، إذ لا تملك سامية عملاً ثابتاً، تصف سامية ما حصل عند اتصالها بهم "تفاجأت بهوية القناة الإسرائيلية، وكان ردّي مستحيل أن أقبل، أنا لبنانية وتربيت على القضية الفلسطينية، بعد فترة وجيزة تفاجأت بإرسال القناة عرض عمل براتب شهري 15 ألف درهم، رفضته دون تردد. صدمت مرة ثانية حين أخبرني الأصدقاء عن إرسال القناة الإسرائيلية عروض عمل لفلسطينيين كثر، بينهم عاطلون عن العمل، لكنهم رفضوا. في مقابل ذلك أقفلت الإمارات عدداً من المنابر الإعلامية، التي تدافع عن حقوق العمّال أو تنتقد سياساتها الاقتصادية".

تتذكّر سامية شيوع خبر مع بداية التطبيع في سبتمبر/أيلول 2020، عن مشادة في أحد ملاهي دبي، بين إسرائيلي وشابين أحدهما لبناني والآخر سوري، سرعان ما بدأ الناس يتداولون خبر اعتقال الشابين وترحيلهم، جاء الخبر ليضاعف من ترهيب رافضي التطبيع في البلاد.
في الشهر نفسه؛ اعتقلت الكاتبة الإماراتية ظبية خميس، ومنعت من السفر، بعد مواقفها الرافضة للتطبيع، ما يعني التلويح بأشدّ عقاب للشارع ونخبته المثقفة.
 
في ظلّ الأوضاع المعيشية الصعبة، لا يستطيع عمّال المطاعم والفنادق أن يظهروا استياءهم أمام أي نزيل صهيوني، فالأمر كما يقول شيف المطبخ سمير، اسم مستعار، "فيه خربان بيوت"، ويضيف "قابلت بعضهم في الفندق، شعرت أنني أتمزّق من الداخل، لكن كتمت مشاعري، لقد أبلغ جميع العاملين في هذا القطاع أننا سنستقبل إسرائيليين، ومن لا يعجبه فليرحل".

الجملة ذاتها روتها اللبنانية سالي (اسم مستعار)، على لسان مديرها في الشركة التجارية التي تعمل بها، تصف حالها "حتى الآن لم يحدث أي موقف، لكن أخشى هذه اللحظة، وأستعدّ لجميع الاحتمالات".

 

الأماكن العامة أكثر عرضة للاحتكاك مع السياح، ومنهم "الإسرائيليون"، هذا ما يفسر قرار وزارة السياحة، بإلزام المرافق السياحية تخصيص ركن خاص بالطعام "اليهودي الحلال".

يقول سمير عن ذلك "الطعام يدخل في خانة الاختراق الثقافي، مثل قنوات تلفزيونية منحت الترخيص، ستتضمّن برامج تحمل مفاهيم السلام"، ويضيف "إنّ صاحبة مشروع الطعام الحلال اليهودي؛ ايلي كوشير، الذي امتدّ مشروعها اليوم لأبرز الفنادق، مُنحت استثنائياً رخصة العمل من منزلها، عندما قدمت عام 2013 إلى الإمارات".

تقول المدرّسة ناهدة، اسم مستعار، في رسالتها "كنت دائماً أتساءل، كيف السبيل إلى إبراز هويتي الفلسطينية وأنا مغتربة؟ كيف أساند وطني وأنا في الشتات؟ أخيراً كانت الطامة الكبرى مع اتفاق التطبيع الخائن، بين المحتلّ ودولة الأبراج المتحدة، شعرت بألم مضاعف، كيف ستمضي أيامي مع هذا المنعطف الحاد؟ حتى حدث تصادمي الأوّل، حين طُلب مني تدريس اللغة العربية لطلاب الصف الأول ابتدائي، كان الصفّ مليئا بالطلبة غير العرب، دخلت الصف وبدأ تعارف اليوم الأول بيننا:

 ما اسمك؟ "رفاييل" 
من أين أنت؟
من إسرائيل

وجدتني أردّ عليه بلهجتي الفلسطينية "قصدك تقول فلسطين"، هزّ الطفل رأسه، جمد الدم في عروقي، هو مجرد طفل بريء، ابتعدت عنه محاولة تهدئة نفسي، شعرت بأنني فلسطين واليوم أعادوا احتلالي من جديد.

كلّما حدقت في عينيّ طفل صهيون أرى أطفال المخيّمات، يتدحرج بؤسهم بين ألعابه، ويشرب دمعهم في كوبه الأزرق، وقفت أرامل وثكالى المخيّم في زوايا ابتسامته، اشتممت رائحة قهري. فكّرت مطوّلاً كيف سألتقي والديه إن حصل اجتماع أولياء الأمور؟

ثمّ شاءت الأقدار بإعفائي من تدريس اللغة العربية التي ليست من اختصاصي وكان هذا القرار طوق نجاتي".

أبكتني هذه الرسالة، كونها تعكس مشاعر الكثيرين من المقيمين في الدول المطبعة، ممن لا يملكون السند القانوني والمادي كي يعبروا عن رفضهم ورأيهم بالحد الأدنى.

disqus comments here