تفكك جديد في المشتركة

معركة الانتخابات الإسرائيلية العامة للكنيست الـ25 تغلي، ويتصاعد بخارها تفتتا جديدا في الساحتين اليهودية الصهيونية والفلسطينية العربية، وما زالت تموج بالمفاجآت والفوضى والانهيارات في بنى الائتلافات الحزبية، والتي كان آخرها مساء يوم الخميس الماضي الموافق 15 أيلول/ سبتمبر الحالي، عندما أعلن حزب التجمع (بلد) عن مغادرته ائتلاف القائمة المشتركة، وقرر النزول بقائمة مستقلة، ومبرره الذي صاغه في بيان الانفصال يرتكز على نقطة أساسية عنوانها "عدم التزام زعامة الجبهة الديمقراطية للسلام، والحركة العربية للتغيير" بما تم الاتفاق عليه سابقا بين القوى الثلاث بشأن دعم هذا الائتلاف الصهيوني أو ذاك لتولي رئاسة الحكومة. وأكد زعيم التجمع، ورئيس قائمة "بلد"، سامي أبو شحادة أنه أيا كانت النتائج سلبا أم إيجابا، فإنهم سيدافعون في التجمع عن خيارهم الوطني، وعن الهوية السياسية للشعب العربي الفلسطيني، ودعم حقوقه في الحرية والاستقلال والعودة وتقرير المصير والمساواة، باعتبار هذا المفصل يمثل محور الرحى في معركة المواجهة مع القوى والأحزاب الصهيونية، والقضية المطلبية اليومية لأبناء الشعب في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة على أهميتها وضرورتها، بيد أنها لا تحتل الأولوية في الصراع الدائر. لا سيما أن القوى الصهيونية في غالبيتها المطلقة أولت تاريخيا البعد السياسي الأهمية المركزية، وقضمت تدريجيا وخاصة بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو في عام 1993 الحقوق السياسية والقانونية الفلسطينية دون استثناء في مناطق الـ48 وفي الأراضي المحتلة عام 1967.

وعلى أهمية النقطة التي تخندق خلفها التجمع الوطني الديمقراطي، بيد أن التشرذم الذي أصاب المشتركة، لا يخدم الفكرة المذكورة. لأن هناك المزيد من الانقسام والتفكك، بعدما انسحبت قائمة "برعم" بزعامة منصور عباس في كانون الثاني/ يناير 2021 من القائمة بذريعة متناقضة مع منطلقات "بلد" بزعامة سامي أبو شحادة، التي أولت فيها القائمة العربية الموحدة المطالب اليومية الاجتماعية والاقتصادية والصحية وغيرها على حساب المسألة السياسية الوطنية والقومية، وقلبت المعايير والأولويات الوطنية. والنتيجة من تجربة "برعم" صفر، ولم يحصد شيئا يذكر من الائتلاف الحاكم، والناتج الوحيد من انفصاله عن جسم المشتركة، إحداث المزيد من التآكل في مكانة الصوت الفلسطيني العربي داخل دولة الاستعمار الإسرائيلي. وبالتالي انسحاب "بلد" الآن عشية الانتخابات في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر القادم قد يضاعف من التشتت، وذهاب نسبة كبيرة من الأصوات لصالح القوى الصهيونية الأكثر تطرفا بزعامة نتنياهو، أو حتى جماعة الموالاة الصهيونية، وكلاهما صفق مع أركان ائتلافه لخروج التجمع من المشتركة. ليس هذا فحسب، بل ارتفعت أصوات زعماء القوى الصهيونية المطالبة بالتصويت على إقصاء التجمع، وحرمانه من المشاركة المبدئية في الانتخابات كليا.

كما أن إحداث مزيد من الانفكاك والتمزق في القائمة المشتركة لا يخدم توجهات "بلد". لأنه يساعد القوى الصهيونية وخاصة غلاة التطرف والفاشية على الانقضاض على كل قوة فلسطينية على انفراد. أضف إلى أن مجرد القبول بالاشتراك في العملية الانتخابية الإسرائيلية ووفق معايير القوى الاستعمارية، يملي على القوى الوطنية المواجهة على الجبهتين السياسية الثقافية والمطلبية، وعدم وضعها في تناقض مع بعضها البعض، أو فليقاطع التجمع كليا الانتخابات ويدافع عن خياره السياسي، كما كان سابقا، عندما كان جزءا من حركة أبناء البلد.

ورغم قناعتي بأولوية البعد السياسي، الذي أكد عليه بيان المكتب السياسي يوم السبت الموافق العاشر من أيلول / سبتمبر الماضي، والذي جاء انعكاسا لمقررات اجتماع اللجنة المركزية للتجمع في الثالث من تموز / يوليو الماضي، وتبنى طرح مشروع سياسي جديد للمرحلة القادمة ضمن ما أسماه "التيار الثالث"، لمنع مخاطر الأسرلة والتصهين والخروج من دائرة صراع المعسكرات الصهيونية، وطرح وفقها مبادرة النقاط الخمس، وهي: عدم التوصية على أي مرشح لرئاسة الحكومة، وعدم التوصية بالتفاوض معها؛ والالتزام بعدم المشاركة في أي ائتلاف حكومي صهيوني مستقبلي لا من الداخل ولا من الخارج؛ الالتزام بعدم التنسيق مع أحزاب صهيونية، ومعارضة تشكيل جسم مانع، أو شبكة أمان لأي حكومة؛ والامتناع عن أية مشاركة في مؤتمرات الأمن "القومي" الصهيونية؛ ووضع إطار عام لحدود المناورة والحراك السياسي.

كما ركز البيان على الهوية الوطنية كأساس ناظم للمواجهة مع القوى الصهيونية بمختلف مشاربها، وعلى أهمية ما تضمنته النقاط الخمس، غير أنها نحت نحو اللغة الأقصوية، وابتعدت كثيرا عن حدود المناورة التكتيكية، لا بل قطعت دابر أية مناورة مع القوى الصهيونية، وحالت دون الاستفادة من تناقضاتها، وأبعدت الصوت والمقعد الفلسطيني عن أن يكون الرقم الصعب، وبيضة القبان في المعادلة الإسرائيلية. وبالتالي ما حرص التجمع على أخذه باليسار، دفع باليمين، ونزع من يد القوى الفلسطينية ورقة سياسية وقانونية وثقافية ومطلبية هامة، وجرد المشتركة من أية مناورة ممكنة.

أتمنى على الرفاق في التجمع أن يعيدوا النظر فيما اتخذوه من قرارات، والعودة لدائرة القائمة المشتركة، وتوحيد الصفوف الوطنية، وإذا أمكن استقطاب القائمة العربية الموحدة، فهذا جيد جدا. لأن اللعبة السياسية تحتاج إلى تكثيف حدود المناورة والدهاء السياسي للدفاع عن المصالح الوطنية والقومية والمطلبية في آن.

disqus comments here