أحمد عابد .. عسكري بعقيدة وطنية يلبي نداء الأقصى

قبل أيام من استشهاد ابنها لاحظت الأربعينية أم أحمد والدة الشهيد أحمد أيمن عابد، أن بكرها الوحيد على أربع من البنات يطيل في سجوده ويكثر من التسبيح والتهليل، لم تتحدث الأم بما كان ابنها يلح بالدعاء لربه، إلاّ بعد استشهاده في اشتباك مسلح مع رفيقه وابن عمته عبد الرحمن عابد على حاجز الجلمة قرب مخيم جنين.

تقول أم أحمد في تصريحات لصحفيين : "نعم؛ عرفت الآن ماذا كان يطلب ابني من ربه، كان يلح في طلب الشهادة حتى نالها بعزةٍ وكرامة"، حيث تمكن البطلان من قتل ضابط "إسرائيلي" بمنصب "نائب قائد دورية في لواء ناحال" العسكري قبل أن يرتقيا شهيدين.

واستشهد البطلان أحمد أيمن عابد (23 عامًا)، وابن عمته عبد الرحمن هاني عابد (22 عامًا)، في 14 سبتمبر/أيلول الجاري، بعد تنفيذهما عملية بطولية قرب حاجز الجلمة العسكري شمال جنين، قتل خلالها ضابط صهيوني.

وشكل اشتباك حاجز الجلمة "نقلة نوعية" في موجة العمليات الأخيرة، لأنّ المقاومَين لم ينتظرا اقتحام قوات الاحتلال أحياء جنين -كما يحدث شبه يوميًّا- للرد عليها، بل بادرا واشتبكا مع جيش الاحتلال من النقطة صفر في نقطته العسكرية بحاجز الجلمة الذي يُعرف بأنه بوابة الاقتحام لجنين ومخيمها.

ذكريات حاضرة
وبعد أيام من استشهاد أحمد (23 عاماً)، لم تفارق تلك المشاهد واللحظات الأخيرة التي قضاها أحمد بين أحضان أسرته، ولا تزال شقيقاته ووالدته يستشهدن بكل المواقف التي عايشنها معه منذ ولادته والتي مرّت عليهن كأنها ساعات، كأنّه وُلد بالأمس واستشهد اليوم، وسط رغبتهن باستلام جثمانه سريعاً لدفنه في مقبرة العائلة في بلدة كفر دان غرب جنين، ليصبح جسده قريبًا منهن، ويتمكنوا من زيارته باستمرار.


ولم تقبل "أم أحمد" التعزية بابنها، وكانت تنادي بالحضور بالتهنئة باستشهاده لأنه حقق ما كان يتمنى، واستشهد بعزة وكرامة، وأصبح رمزاً للفخر والبطولة بين أقرانه من أبناء الشعب الفلسطيني.

وكان أحمد يعمل في جهاز الاستخبارات العسكرية، ولكن عقيدته العسكرية جبلت بحب الوطن، فامتشق سلاحه في ذكرى توقيع اتفاق أوسلو، ليحدد المسار الوحيد الفعال لمجابهة الاحتلال وصولا إلى التحرير.


الشهيد احمد عابد


المولد والنشأة

وأبصر أحمد عابد النور في قريته كفر دان، وحيداً لوالديه بين أربع شقيقات، حيث نشأ وتربى فيها، وتعلم في مدارسها حتى الثانوية العامة، وتقول والدته: إنه كان مجتهدًا ومتفوقًا ومحبًّا للتعليم، وصاحب طموح كبير، وبعد نجاحه في الثانوية العامة، التحق بكلية الاستقلال وحصل على شهادة الدبلوم، وأكمل تعليمه الجامعي في تخصص الخدمة الاجتماعية في جامعة القدس المفتوحة فرع جنين، مؤكّدةً أنّ حياته كانت ما بين وظيفته في الاستخبارات العسكرية ودراسته الجامعية، "وكانت كثيرًا ما تحدثه عن رغبتها في الفرح بخطوبته وزواجه، لكن الله اختاره ليكون شهيدًا" وفق قولها

الابن المدلل

كان أحمد يحظى بحبٍّ جمٍّ من والدته حيث تصفه بـ"الابن المدلل" حيث كان قريبًا جدًّا لها ولعائلتها، وذلك نظراً لروحه المرحة وتميزه بالتواضع والشهامة والأخلاق العالية وحب عائلته وشقيقاته، وتقول والدته: "عندما نجحت شقيقته بالثانوية العامة خلال العام الحالي طلبت منه هديةً، جهاز هاتف خلوي، فسارع لإحضاره لها وإسعادها دون تأخير أو تردد، كما كان يحرص على رعاية شقيقاته وتلبية احتياجاتهن بحب ووفاء".

حب الوطن

وتقول أم أحمد: "في الآونة الأخيرة ومنذ استشهاد صديقه وقريبنا شوكت عابد برصاص الاحتلال، تغيرت حياته، وأصبح دومًا يتحدث عن الوطن والحرية والشهادة، ويعبر عن محبته للقدس، كما أصبح يشارك في المسيرات والفعاليات الوطنية حتى إنه تعرض للإصابة بيديه قبل شهرين".


الشهيد شوكت عابد

وزخرت صفحة الفدائي على فيسبوك أحمد بحسه الوطني، فنشر صورة لاقتحام الأقصى وعلق عليها: "من لا يتأثر بهذا المشهد عليه أن يراجع وطنيته.. الأقصى يدنس على مرأى الجميع، ولا حياة لمن تنادي". 

كما تزينت صفحته بعبارات الإشادة بالمقاومة والشهداء والأسرى، ورسائل تحمل في طياتها ثأراً يشتعل في صدره على المحتل.

تتذكر الوالدة، أن آخر مرة شاهدت فيها أحمد قبل استشهاده مساء الثلاثاء الماضي (قبل يوم من استشهاده)، وتقول: "حضر إلى المنزل بطلعته البهية وشخصيته الجميلة، وكان يحمل لنا معه كمية من أصناف الفواكه، ومنها الموز الذي يحبه كثيرًا، ورغم أنه اعتاد على ذلك لكني فوجئت من الكمية الكبيرة، وعندما سألته قال لي هذه هدية لك ولأخواتي".

وتضيف: "دائما كان يلح أحمد عليَّ لإنجاب ولد ثانٍ ليكون سندًا له، لكن رب العالمين رزقني بطفلة سميتها زينة، فكانت مقربة منه ويحبها كثيرًا، وفي تلك الليلة حضنها لمدة طويلة، واستمر في تقبيلها، وعندها شعرت بإحساس غريب لكنني لم أفهم أنها لحظاته الأخيرة معنا".

ليلة الشهادة

عندما انتصف الليل، ولم يعد أحمد إلى البيت كعادته، انتابت الوالدة مشاعر مختلطة من القلق والخوف، تزايدت عندما بدأت بالاتصال به وجواله مغلق، لجأت حينها إلى قراءة القرآن والدعاء لله، وتقول: "لا أدري لماذا افتقدته كثيرًا في تلك الليلة، وكلما اتصلت به دون الحصول على ردٍّ يزداد قلقي، وقبيل أذان الفجر بقليل، شعرت بنار تأكلني، ولم أكن أعلم أن ابني قد استشهد في هذه الفترة، لأن الاحتلال تأخر في الإعلان عن العملية".

وتضيف، والدمعة تسيل على وجنتيها: "فجأة بدأت تتوارد الاتصالات على منزلنا والجميع يسأل عن أحمد، فبدأت أشعر بقلق رهيب، خاصة وأننا اتصلنا مع جميع معارفه ولم يعلم أحد شيئا عنه، حتى اتصل بنا أبو عبد الرحمن وأبلغنا أنه شاهد صور جثة ابني وابنه".

في تلك اللحظات التي كانت تخيم فيها أجواء التوتر والقلق في كل محافظة جنين مع تضارب الأنباء حول عملية على حاجز الجلمة، تلقى والد الشهيد عبد الرحمن عابد اتصالاً من ضابط المخابرات "الإسرائيلية" الذي طلب منه الحضور فورًا إلى الحاجز، وهناك عرض عليه الضابط، صورًا على هاتفه الخلوي تمكن من خلالها من تشخيص ابنه عبد الرحمن وابن شقيقته أحمد، الذي تقول والدته "لم أصدق في البداية، وشعرت بألم وصدمة، ولكن بعدما تواردت الأخبار حول دوره وعمليته، شعرت بفخر واعتزاز لأن ابني ضحى في سبيل وطنه وشعبه".

لم تنل تهديدات الاحتلال بعقاب أسرَتَي منفذي الهجوم على الجلمة من معنويات عائلة الشهيد أحمد، والتي هدد الاحتلال بعقاب كبير لها، تقول والدته: "أمام التهديدات استعدينا وانتظرنا وصول جيش الاحتلال إلى منزلنا والذي اقتحموه بطريقة وحشية، احتجزوا عائلتي تحت حراسة مشددة، وأخضعوا والده للتحقيق الميداني، واقتحموا غرفة الشهيد وتفقدوها، وفتشوا كل ركن وزاوية وكل قطعة من ملابسه، ومزقوا كل شيء يحمل اسمه، حتى الميداليات والكؤوس التي حصل عليها بمشاركة في بطولات كرة القدم، دمروها".

وأضافت: "الاحتلال أراد ان ينتقم منا بأي طريقة ويدمر ويمسح كل ما يرتبط بأحمد الذي كان رياضيًّا متميزًا في فريق كرة القدم، فحتى الكرات وأحذية الرياضة والنياشين والأوسمة التي تحمل اسمه مزقوها وصادروها، ثم أخذوا القياسات، لكن كل ذلك لم ينل من عزيمتنا، فنحن دومًا أقوى من الاحتلال".

 

disqus comments here