الديمقراطية العربية المشوهة

في عالمنا العربي كل شيء لدينا مشوه إلى درجة بات فيها المواطن العربي معتاداً تقليدياً وثقافياً على طبيعة التشويه بل أصبح هذا التشويه لعبته الأصلية التي تربى عليها وترعرع في أحضانها، ولما استوردنا الديمقراطية من الغرب قمنا تواً بتشويهها قبل فهمها أو تطبيقها ولاحتى دراستها أو تدريسها، حتى الفهم نفسه في أعرافنا وتقاليدنا لا يزيد عن أن يكون تقليدا للآخرين فنمسخ فورا ما نحن بصدد تقليده، وحتى التقليد الذي هو من شيم السعادين مسخناه بأقل مهارة ونظافة من التقليد القردي.


 وهذا ما حدث لنا أيضا مع الديمقراطية فلم تعد بالنسبة لنا نحن سوى قشورا نتباهى بها عند الحاجة إلى التمويه . فالديمقراطية بالنسبة لنا ليس أكثرمن صناديق الإقتراع فقط، وليس أكثر من ذلك، أن نعطي للفاسدين والإنتهازيين الحرية لشراء الأصوات من حثالة البشر.. جهلاء وفقراء وأنذال. الديمقراطية عندنا نحن ( بني فسدان ) أن نعطي الحرية أيضا للمنابر الإعلامية وشبه الثقافية من أجل البهرجة والدعاية المجانية الكاذبة لكي تكتمل اللعبة المزيفة للحقائق التي لا علاقة لها إطلاقا بما يروج عندنا من خدع ومكر وخبث وتضليل . لأن الديمقراطية تحتاج إلى الصدق والمنطق والإرادة الهادفة من أجل البناء والتعايش والحوار والعدالة الإجتماعية وليس العكس.

وبما أن الشعوب العربية جاهلة بأغلبيتها الساحقة ودمرها الفقر والأمية والجهل بمصالحها الأساسية .فإن اللعبة على هذا النمط تكون كاملة ومتقنة وحاسمة في جعل طبقة الذئاب البشرية
واللصوص والإنتهازيين والسفلة من مدعي السياسة مهيمنين على الحياة العامة وقد تم الإجهاز على طبقات الدنيا من الشعوب وتدمير بنيتها الإقتصادية والفكرية والمعنوية، لأن السلالة العربية لا تدرك أن الديمقراطية هي ثقافة لها مضمون وقواعد أساسية ترتكز على المعرفة أولا وعلى الحوار البناء والتسامح الفكري والمذهبي والعقائدي والإختلاف وقبول الرأي الآخر والحرية المسؤولة ذات الهدف الواحد وهو البناء للمجتمع الإنساني الذي
تسوده العدالة الإجتماعية تحت قوانين المؤسسات بشروطه المعروفة لإرساء التوازن والتكافل والتوافق بين الجميع دون تمييز والبحث عن الحقائق التي تخدم الناس وتمنحهم المعرفة والحرية والكرامة.

وفي انعدام هذه المقومات الأساسية تحول عالمنا العربي إلى هذا الواقع الأسود الذي استعصى عليه العلاج، الحروب الأهلية والفوضى والتسيب والتطاحن والإنتهازية والصراع القاتل على السلطة والنفوذ والمال وتخدير الناس بالخرافات والغيبيات والوعود الكاذبة وشراء الذمم وقتل الأطفال والنساء والشيوخ وتشريد الشعوب بالجملة والنزوح الأعظم الذي سبق أن نبهنا إليه منذ سنين.

والمصيبة الكبرى هي حينما تحدث كل هذه الفظائع ياسم الشرعية والديمقراطية. الديمقراطية المفترى عليها . والعبرة في اليمن ( السعيد ) والعراق ( التاريخ ) وسوريا ( العروبة ) وليبيا ( الثورة) وأفغانستان والصومال ( الإسلام ). وإيران رأس الأفعى (الشيعة ) والبقية - حدث ولا حرج - من الحركات الإسلاموية التي تفرخت مثل الفطر على امتداد الرقعة العربية الممزقة .وعلى رأسها القاعدة وداعش.

كل هذه الأحداث المأساوية يتم تمويلها من طرف الدول الخليجية الثرية فلا فرق بين قطر والسعودية. ومصالح الغرب تقتضي التدخل الفوري لضبط هذه الحمى الزرقاء وهذا الشر المستطير وبالتالي هذا التدخل هو ضرورة اقتصادية لبيع الأسلحة وجلب الملايير من الدولارات لإنقاذ الإقتصاد الغربي من الإفلاس.

أما شعوبنا العربية يفتك بها التخلف والمرض والجهل ومصيرها مجهول مما جعل هده الشعوب تفرخ القنابل البشرية وتصنع الإرهاب في البيت والمدرسة والجامعة وبات المجتمع العربي من أقبح وأفسد المجتمعات البشرية على الكوكب، وباتت ثقافتنا هي أصل البلية وأس الكوارث ولا أحد يجرؤ من المسؤولين على الجهر بحقيقة الأمور، لأن الشعوب العربية مخدرة منذ قرون طويلة وقد تجذر فيها الوباء ولم يعد من السهل أو من الممكن المصارحة بالحقيقة وبالتالي التصدي للأسباب ومعالجتها. 

الكل يسرق الكل والكل يكذب على الكل والكل يغش الكل والكل يدبح الكل والكل يتآمر على الكل. والعالم يقف مستغرباً من أمرنا ويتساءل مع نفسه / هل هؤلاء القوم من كوكبنا ؟/ وكيف؟ 

disqus comments here