فلسطين في مشروع الشرق

توحي الأجواء السائدة في واشنطن، وعلى الرغم من الغصة الأخيرة، بأن المفاوضات المكثفة للعودة الى الاتفاق النووي بين أميركا ومعها روسيا والصين وبريطانيا والإتحاد الأوروبي وبين ايران أوشكت على الوصول الى خط النهاية، وأن المواقف والتطورات سياسيًا وميدانيًا هي سباق ربع الساعة الأخير بين واقعية البحث عن مخرج لائق يحفظ ماء وجه الإدارة الأميركية والقيادة الإيرانية وبين عبثية محاولات التخريب التي لم يفقد أصحابها بعد الأمل في استفزاز يستدرج ردات فعل تكبح القطار في سكته الراهنة.

إدارة الرئيس جوزيف بايدن التي طالما رددت في الفترة الماضية مقولتها الثابتة أنها لن تتفاوض مع ايران عبر وسائل الإعلام، خرقت يوم الخميس هذه القاعدة بنفسها حين أعلنت على لسان الناطق باسم الخارجية فيدانت باتل أن الرد الإيراني الأخير على آخر عرض أميركي، والذي لم يمض على استلامه بضع ساعات، "غير بناء". الملفت في هذا الموقف، بالإضافة الى السرعة الفائقة في إصداره، مما يعني أن الرد لم يخضع لدراسة وافية ولم يسلك الطريق التقليدية للتقييم، هو اختيار الفاظه المقتضبة جدًا بعناية فائقة. لم يصعّد الناطق باسم الخارجية الموقف، ولم يضعه في الخانة السلبية تمامًا، حتى محاولات التوسع في الرد لم تبتعد عن ذلك كثيرًا، واكتفى مسؤول حكومي بإبلاغ موقع "بوليتيكو" بأنه "بناء على جوابهم يبدو أننا نمشي الى الخلف".

يرى متابعون أن هذا الموقف لا يعني نهاية التواصل، وأنه موجه الى الداخل بالمقدار نفسه الذي يقصد طهران، فإدارة بايدن الحريصة على انجاز الاتفاق، تريد عشية الانتخابات النصفية المصيرية أن تبدو صارمة في التعامل مع ايران، خصوصًا وأن التطورات السياسية الداخلية تبعد عنها شبح الخسارة التشريعية الهائلة التي كانت التوقعات تنذر بها، وتمنحها فرصة جدية للحفاظ على الغالبية على الأقل في مجلس الشيوخ المهم لتسيير أمور السلطة التنفيذية، وهي ليست قادرة على تجاهل النفوذ الإسرائيلي الكبير في الكونغرس، والذي بدأ بترجمة نفسه عشية عودة المشرعين من العطلة الصيفية عبر عريضة لخمسين نائب من الحزبين  طالبت الإدارة باطلاع الكونغرس على النص الكامل لأي اتفاق قبل التوقيع عليه.

وفي رد غير مباشر على العريضة، وفي خطوة تلمح الى احتمال الإستعداد لخطوة كبيرة، اعلن البيت الأبيض أن المبعوث الخاص الى المفاوضات النووية روب مالي ومسؤول ملف الشرق الأوسط وشمال افريقيا في مجلس الأمن القومي بريت ماكغورك سيطلعان أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب على تطورات المفاوضات في جلسة سرية تعقد في الرابع عشر من أيلول/ سبتمبر الحالي. الّا أن اعلانًا آخر من تل أبيب كان له صدى أكبر في واشنطن حيث قال الجيش الإسرائيلي أنه وقع صفقة بـ 927 مليون دولار لشراء اربع طائرات خزان طويلة المدى لتزويد الطائرات الحربية بالوقود. ولم تخف وسائل الإعلام الإسرائيلية والأميركية التي نقلت الخبر العلاقة بين الصفقة وبين زيادة قدرات سلاح الجو الإسرائيلي على تنفيذ مهام قتالية على الأراضي الإيرانية.

لم يكن هذا الإعلان الإستفزاز الإسرائيلي الوحيد، فقد سبقته الغارات "النوعية" التي شنها طيران الاحتلال على مطاري حلب ودمشق في سوريا والتي أدت الى خروج مطار حلب عن الخدمة وتدمير محطة الملاحة الجوية وجهاز الرصد في مطار العاصمة (راجع المدن). وعلى المقلب الآخر من الاستفزاز لا يزال التوتر مخيمًا على محيط القواعد العسكرية الأميركية في سوريا بعد تبادل الهجمات الصاروخية بين ميليشيات تدعمها ايران وبين القوات الأميركية الأسبوع الماضي، وكان واضحًا في اللهجة الرسمية الأميركية حرص بايدن على الرد على أية هجمات بشكل فوري ومحدود. ولم يقتصر "التحرش" الإيراني على الأراضي السورية بل طاول البحر الأحمر حيث عمدت سفينة حربية تابعة للحرس الثوري الى محاولة الإستيلاء على مسيرة عسكرية مائية أميركية في المياه الدولية فتصدت لها سفينة حربية أميركية استرجعت المسيرة بعد مواجهة "كلامية" بين الطرفين.

وصفت التعليقات والتحليلات الأميركية هذه التطورات بأنها مهمة لكنها ليست كافية لحرف القطار التفاوضي عن سكته، وأشارت الى أن كل الإشارات من تل ابيب وطهران لم تتخلى عن مسحة التفاؤل التي سادت في الأسابيع الأخيرة، فرئيس حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلي يائير لبيد سارع الى التبرؤ من اقوال مدير الموساد دافيد بارنياع الذي اعتبر ان أوروبا وأميركا تعدان كارثة استراتيجية من خلال الاتفاق، وابلغ لبيد المعنيين في واشنطن بأنه لم يكن يعلم بموقف بارنياع مسبقًا، وعلى خط مواز نقل الإعلام الأميركي عن تقرير سري لوزارة الخارجية الإسرائيلية انه يتوقع إتمام الاتفاق على الرغم من المواقف الأخيرة. أما الناطق باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني فوصف رد بلاده بأنه مقاربة بناءة من أجل انهاء المفاوضات.

حتى الآن لا تزال كفة المصالح المتبادلة راجحةـ إدارة بايدن تسعى الى إنجاز اتفاق يخفف من عبء أزمة الطاقة الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا، وتريد ان يتم ذلك قبل الانتخابات المقبلة، أولًا للإستفادة من خفض التضخم في صناديق الإقتراع، وثانيًا لتلافي مواجهة كونغرس جمهوري معرقل في الشتاء، في المقابل ترغب الحكومة الإيرانية في الخروج من الإنكماش الاقتصادي الذي تسبب به انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018، وبعيدُا علن التهويل الحسابي الإسرائيلي، سيكون بمقدور ايران اذا عادت الى الاتفاق الحصول على حوالي 29 مليار دولار من الأصول المالية المجمدة، وفق تقرير مفصل لمعهد واشنطن، وعلى بيع مخزون نفطي مقداره 172 مليون برميل ورفع طاقتها الإنتاجية بحوالي مليون وخمسمئة الف برميل يوميًا خلال أشهر قليلة، وهذا سيؤدي الى رفع توقعات نموها الاقتصادي الى فوق 3 بالمئة فيما تعاني اقتصادات الدول الكبرى من التضخم وتكافح شبح الركود.

انه ربع الساعة الأخير في مفاوضات معقدة، والازدحام في عنق الزجاجة ليس سلبيًا بالضرورة اذا كانت المصالح بهذا الوضوح.  

disqus comments here