"الموت القريب" لا يصدم أطفال غزة

لم يصدم العدوان الإسرائيلي الأخير أطفال غزة، ففي مخيلتهم لن تخلو غزة من الحروب والعدوان وقطع الكهرباء والمياه، والحرمان من أبسط مقومات الحياة الأساسية. أحلامهم مجرد لقطات على التلفزيون والهواتف الخليوية يشاهدونها ضمن برامج الأطفال والتحديات الجميلة.
شاهد يزن أبو خليل البالغ 7 سنوات ويقيم في حي النصر القصف الإسرائيلي للمرة الأولى في مايو/ أيار 2021. أذهله حينها قصف بنك الإنتاج الواقع في شارع عز الدين القسام بحي النصر، وبقي فترة يخبر والدته وكل الأطفال حوله عن هول القصف الشديد الذي دفع بأسرته إلى مغادرة المنزل، والخروج إلى الشارع كي تتجنب الضرر.

 

يخبر يزن أنه اعتاد مشاهد القصف والدمار التي يشاهدها في كل مكان يذهب إليه، وعلى التلفزيون والهاتف الخليوي الذي يستخدمه مع أشقائه، رغم محاولة والدته منعهم من رؤيتها. ولا يخفي أنه يميل مع أشقائه إلى مشاهدة صور الأطفال الضحايا خلال القصف، وأنه شاهد الأطفال الأربعة الذين استشهدوا من عائلة نجم في جباليا، واعتقد بأنه سيستشهد حين تتجدد الحرب في غزة. 
ويذكر أيضاً أنه طالب أسرته بالسفر إلى أوروبا ومحاولة اللجوء إلى إحدى دولها، ويقول: "يأتي الموت للجميع في كل مكان وأي وقت، لكنني أريد أن أعيش وأكبر وأتزوج. لا أريد الموت مثل الأطفال قبل فترة، وفي غزة لا ملاعب خضراء أو شجر في الشوارع، وعندما نلعب الكرة تزعجنا السيارات، أريد السفر وأن ألعب الكرة من دون توقف".

 

بالطبع لا يعرف يزن مشاكل السفر من غزة إلى الخارج ومعاناة المسافرين، وكذلك صعوبة الحصول على تأشيرات دخول إلى أوروبا أو حتى إلى بعض الدول العربية. لكن دينا سمحان البالغة 8 سنوات تريد أيضاً السفر والعيش خارج غزة بعدما استشهدت زميلتها في الفصل خلال العدوان الأخير. وتخبر "العربي الجديد" أنه عندما شاهدت زميلتها بكت كثيراً، وباتت لا ترغب في الذهاب للمدرسة لأنها خائفة، وتعتقد بأن الموت قريب منها هناك.

 

وقد كبرت دينا وهي تسمع تداول الناس أقوالاً مثل "طيران في الجو، شكلها حرب" و"زنانات (طائرات استطلاع إسرائيلية) في الجو. الله يستر". وأدركت معاني هذه الأقوال العام الماضي عندما شاهدت العدوان الذي استمر 11 يوماً، وشهد قصف مناطق سكنية قرب منزل عائلتها في منطقة الصفطاوي.
في المقابل، تريد ريتال الصباح (10 سنوات) البقاء في غزة، وتطالب بأن تحمي جيوش عربية غزة، وتصدّ الصواريخ وتمنع طائرات الاحتلال الإسرائيلي من التحليق فوق سماء غزة، وتقول لـ"العربي الجديد": "أريد أن أسكن في منطقة لا يوجد فيها قصف إسرائيلي، لأنني كنت أحلم بالسفر على متن طائرة، لكن أمي قالت لي لا مطار في غزة لأن الإسرائيليين دمروه".

وبعد انتهاء العدوان الإسرائيلي الأخير مطلع أغسطس/ آب الجاري، ذكرت دائرة الصحة في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" أن "ثلثي سكان غزة يعانون من مشاكل نفسية متنوعة الأعراض، وأن نسبة 40 في المائة من تلاميذ الصف الأول يواجهون مشاكل صحية ونفسية، وأن برنامجنا للصحة والدعم النفسي يتابع ويعالج نحو 87 ألف حالة في قطاع غزة".

وكان "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" ذكر في تقرير أصدره العام الماضي، أن "نسبة 91 في المائة من أطفال قطاع غزة أصيبوا بصدمات نفسية بعد العدوان الإسرائيلي في مايو/ أيار 2021، وأن 9 بين كل 10 أطفال في قطاع غزة يعانون من أحد أشكال الصدمة المتصلة بالعدوان الإسرائيلي".
من جهتها، تقول الاختصاصية في علم النفس سميرة أبو جبل لـ "العربي الجديد": "على مدار سنوات تحوّل رد فعل أطفال غزة على سماعهم أصوات الصواريخ الى هتاف وصراخ، ما يشكل أسلوب تفريغ نفسي عام استخدم قديماً أثناء الحروب بين الدول، من أجل رفع هيبة الجمهور وتعزيز بوادر النصر. والأطفال في غزة تأثروا من الجمهور المحيط بهم، وهذا له بعد نفسي خطير على تقبل حالة عدم الاتزان العقلي والنفسي".

 

وتلاحظ أبو جبل أيضاً أن أساليب "تفريغ" الأطفال مشاعرهم تعكس محاولتهم الهروب على طريقتهم من الواقع المرير الذي يعيشونه، والذي قد يظهر أيضاً في تصرفات عنفيفة، ما يعكس تراكم الصدمات وعدم توفر مقومات الحياة البسيطة والسليمة. ويهدد ذلك مرحلة النمو العاطفي والاجتماعي، وقد ينعكس أيضاً على النمو الجسدي والبدني".

disqus comments here