إسرائيل قتلت فرحة عبير وخطيبها

قبل العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة بين 5 و7 أغسطس/ آب الجاري، كانت الشابة عبير عمر حرب (24 عاماً) تتحضر لزفافها إلى خطيبها إسماعيل دويك (30 عاماً)، وانشغلت بتحضير التفاصيل الدقيقة للحفل، ووضع اللمسات الأخيرة في ترتيبات الشقة التي سيسكنان فيها بعد الزواج، لكنها فقدت كل شيء باستشهاد خطيبها. 
ليل 6 أغسطس/ آب الجاري، كانت عبير تتحدث هاتفياً مع اسماعيل عن الظروف العامة والقصف الإسرائيلي الذي اعتاد عليه أبناء غزة ومدينة رفح تحديداً ضمن موجات لا تهدأ ويعيشونها منذ سنوات، ثم أغلقا الهاتف، وأبلغها إسماعيل أنه سيقصد منزل والدته لتناول العشاء، علماً أن المنزل يبعد مئات من الأمتار عن منزلها. وخلال لحظات هزّ القصف الإسرائيلي المنطقة، وحصل ما حصل.

 

 

علِمت عبير أن القصف استهدف منزل إسماعيل فسارعت للاتصال به لكن هاتفه كان مغلقاً فشعرت بقلقٍ شديد. نزل والدها إلى الشارع سريعاً، وكانت تراقبه من خلال النافذة، ثم عاد بعد ساعات، وأخبرها نبأ استخراج جثمان إسماعيل ووالدته بعدما استشهدا في المجزرة، فبكت عبير أمام والدها الذي كان قطع رحلة علاجه إلى مصر لحضور زفاف ابنته.
تقول عبير : "بلا سابق إنذار استشهد إسماعيل ووالدته على غرار كثيرين. أراد إحضار هدية لي لم يخبرني عنها، وحرصت على تجهيز الزفاف بطريقة تعكس حبي الشديد له. استمرت فترة خطوبتنا شهرين قضيت فيهما أجمل أيام حياتي. كنا ننتظر وصول أغراض خاصة بحفل العرس من شركات، وأحضرت له عشية القصف هدية شاهدتها لاحقاً تحت الركام".

 

 

من جهته، يوضح والد عبير، عمر حرب، أن عملية البحث عن الشهداء في حي الشعوت استمرت أكثر من 5 ساعات قبل أن تنتشل طواقم الدفاع المدني بإمكاناتها الضعيفة جثث 8 شهداء، وتنقذ عشرات الجرحى من تحت أنقاض المنازل المقصوفة. ويقول :  "كانت المجزرة بشعة، ووقف عشرات الأشخاص قرب الأنقاض لمحاولة معرفة مصير أبنائهم وأقاربهم، وقد استشهد إسماعيل ووالدته هناء الخالدي تحت أنقاض منزلهما".

ويخبر أنه تلقى في يوم المجزرة دعوة لتناول الطعام في منزل إسماعيل، لكن إرهاقه الشديد من رحلة السفر البري من مصر دفعه إلى تأجيل الزيارة. ويقول: "نفذت علاجي في مصر، ويفترض أن أستكمله لمدة شهرين إضافيين، لكن لا مشكلة بعدما أخبرني الطبيب أن حالتي مستقرة، فعدت بأمل أن أشاهد زفاف أجمل عروسين. كان إسماعيل شاباً يتحلى بأخلاق عالية، وكنت أقدّره كثيراً لأنه شديد التعلق بوالدته التي تبلغ 51 عاماً. وقد استشهدا معاً، وكانا يعانقان بعضهما عندما أخرجت طواقم الدفاع المدني جثتيهما".
يضيف: "يتشابه إسماعيل مع عبير في امتلاك روحين خجولتين، وحبهما الشديد لوالديهما. اعتدنا كغزيين على أن نحرم من الفرحة، وقصتنا تحكى باستمرار. هذه المرة قتل القصف الإسرائيلي صاحب الفرحة نفسه، كان لاعب كمال أجسام في نادي خدمات رفح، وكان محبوباً في ناديه وكل المخيم".
ويروي صديق إسماعيل، أحمد الخطيب، لـ"العربي الجديد"، أن "العريس إسماعيل كان قرر تنظيم سهرة مع أصدقائه الشباب، وأوصاهم بحسب العادات والتقاليد أن يرقصوا قرب خطيبته عبير لدى وضعه بنفسه الحنّة على يديها. كما أراد شراء هدية من ذهب لوالدته في يوم الزفاف". يضيف: "يبعد منزلي 100 متر فقط عن منزل إسماعيل، وعندما اشتد القصف اعتقدت بأن منزلنا نفسه قصف، ثم علمت بأنه منزل إسماعيل. وبعد انتظار شاهدته شهيداً فبدأت في الصراخ قائلاً: هذا عريس يا رب فرحه بعد أيام".

 

كلمات لا تكفي
تصف عبير خطيبها الراحل إسماعيل بأنه "بطل يلعب كمال الأجسام، وقادر على تحمل كل الصعوبات. لم أصدق على مدار يومين أنه استشهد وفارق الحياة، وكلما أستيقظ أعتقد أنه لا يزال حياً، وأنا كنت أخطط بدقة لكل تفاصيل العرس معه".
تتابع: "لو أريد أن أتحدث عمّا حرمني منه الاحتلال الإسرائيلي فعلياً، لن تكفي الكلمات لشرح كل التفاصيل. إسماعيل ووالدته أجمل شخصين في الكون، وقد حرمني الاحتلال الإسرائيلي من وجودهما في حياتي، والعيش معهما. كل قطرة دم منهما هي سلم للتحرير، الألم الذي نشعر به سيشعر به المعتدون حتماً، وحتى إذا لم يتلقوا هذا الألم مباشرة، هناك ألم الضمير الذي سيأتي بعد حين".

disqus comments here