شخصيات أسست للكيان "مناحيم بيغن"

ولد مناحيم بيغن العام 1913 في بريست ليتوفسك - ليطا (بولندا).درس الحقوق في جامعة وارسو وأصبح محامياً. انضم في صباه إلى حركة (هشومير هتسعير)، ثم لما بلغ 16 من عمره انضم إلى حركة (بيتار) الارهابية[1]، وكُلّف بالقيام بعدة مهام فيها، واصطدم مرات عديدة مع جابوتنسكي، وقام بيغن بتنظيم عدة مظاهرات أمام السفارة البريطانية في وارسو عشية الحرب الأوربية (العالمية) الثانية، وعين مندوباً عن (بيتار) في بولندا في شهر اذار 1939. ولما اندلعت الحرب الثانية هرب إلى الاتحاد السوفييتي وهناك اعتقلته القوات السوفييتية وحكمت عليه بالسجن مدة ثماني سنوات مع الاشغال الشاقة، ولكنها اطلقت سراحه لكونه مواطناً بولنديا في العام 1941، فانضم الى جيش الجنرال اندروس ووصل معه الى فلسطين في أيار 1942، واستمر في هذه الخدمة العسكرية إلى نهاية 1943 مشغلاً في الوقت نفسه وظيفة مندوب (بيتار) في فلسطين.
وتمكنت قيادة عصابة (الأرغون=الإيتسل) من اقناع اندروس باطلاق سراح بيغن، ومباشرة تمت توليته قيادة (الايتسل)[2].
نجح بيغن من إعادة تنظيم صفوف (الإيتسيل) من جديد، وأعلن بنفسه عن الثورة والتمرد ضد الحكم الانتدابي البريطاني في فلسطين. وقام بيغن بتنظيم سلسلة من الأعمال الإرهابية ضد أهداف بريطانية وعربية فلسطينية في فلسطين، وأحياناً بإشتراك المنظمات الإرهابية الصهيونية (الهاغاناه) و(الليحي)، وفي بعض الأحيان وسط معارضة من (الهاغاناه) على وجه الخصوص، بسبب أن (الهاغاناه) كانت تقوم بلعبة سياسية مع الانكليز، ولا تريد أن تُضيع الأوراق كلّها في هذا المقطع حصراً.
أما رد فعل الانكليز فبلغ أن الادارة البريطانية أعلنت عن بيغن مطلوباً للعدالة وخصصت جائزة لمن يلقي القبض على هذا الإرهابي.
ونفذت عصابة "الإيتسيل" الإرهابية التي قادها الإرهابي مناحيم بيغن أبشع المذابح وعلى رأسها مذبحة دير ياسين في 9-4-1948 والتي ذهب ضحيتها أكثر من مئتين من أهالي القرية العُزّل.
ولما أعلن عن قيام كيان"اسرائيل" وبدأ الاعتراف العالمي بها ككيان مستقل أعلن بيغن أن "اسرائيل" اقيمت ولكن لم يُحرّر الوطن كلّه! وهذا القول إشارة إلى اعتقاده بفكرة أو مشروع "اسرائيل" الكبرى من النهر إلى النهر، أي من النيل وحتى الفرات.
حوّل تنظيمه الإرهابي المسلح الى حزب سياسي تحت اسم الحرية (حيروت) وأصبح رئيسه، وانتخب عضواً عنه في الكنيست الأولى والثانية، ولما أصيب حزبه بصدمة الخسارة في الكنيست الثانية فإنه أعلن عن انسحابه من الحياة السياسية، إلاّ أنّه تراجع عن هذه الخطوة العام 1952 عندما أخذ المجتمع السياسي الصهيوني بالمطالبة بالتعويضات من المانيا جراء جرائم النازية. وأثارت خطاباته الملتهبة جماهير مؤيديه الذين تظاهروا مقابل مبنى البرلمان (الكنيست) في القدس ورشقوه بالحجارة، ما أدى إلى إصدار قرار من الكنيست بإبعاد بيغن عن الجلسات مدة ثلاثة أشهر بالكامل.
وإثر عودته تابع طريقه في الصراع الحزبي داخل الكنيست عن طريق خطاباته القوية وتنظيمه المظاهرات العنيفة في بعض الاحيان، ودخل في صراع شديد ومرير مع بن غوريون، والأخير كان يسخر من بيغن ولا يخاطبه باسمه زيادة في السخرية منه.
غير أنّ بيغن انتخب مجدداً للكنيست الثالثة والرابعة والخامسة، وأصبح حزبه الثاني من حيث حجمه العددي في الكنيست. وأخذ بيغن يطالب بالإعلان عنه زعيماً للمعارضة وتوعد بأن يصل إلى الحكم ويشكل حكومة وطنية ليبرالية. وقام العام 1965 دخل الكنيست السادسة والسابعة .
وعشية حرب النكسة 1967 تم كسر الحرم الذي فرضه بن غوريون (إنه بالامكان بدون (حيروت)) وذلك بالتوجه إلى بيغن للدخول في حكومة الوحدة الوطنية التي شكلها ليفي اشكول، وأصبح بيغن وزيراً بلا وزارة وبقي في منصبه هذا حتى آب 1970، عندها انسحب من الحكومة في اعقاب موافقة الحكومة الاسرائيلية على قرار 242.
دخل الكنيست الثامنة العام 1973 مترئساً قائمة الليكود، ونجح في انتخابات الكنيست التاسعة في أيار 1977 في قلب الحكم في "اسرائيل" للمرة الأولى، إذ إنه حقق انتصاراً على حزب العمل الحاكم منذ اقامة "اسرائيل"، وهكذا أصبح رئيساً للحكومة الاسرائيلية بعد أن قبع في المعارضة منذ قيام "اسرائيل".
وشهدت فترة وزارته عدة أحداث من أبرزها: توسيع حركة الاستيطان اليهودي في الاراضي الفلسطينية المحتلة. قام بيغن بتعيين موشي ديان وزيراً للخارجية في حكومته رغم أن ديان كان من حزب العمل، وأوكله بالقيام بسلسلة من اللقاءات السرية مع سياسيين من مصر، ويبدو أن ما قام به ديان كان له المساهمة الكبيرة لتحضير أرضية زيارة الرئيس المصري انور السادات إلى "اسرائيل" وإعلانه عن نيته التوصل إلى اتفاق مع "اسرائيل".
وكذلك شهدت فترة حكومة بيغن التوصل إلى اتفاقيات كمب ديفيد بين مصر و"اسرائيل" التي أخرجت مصر نهائيًا من المجهود الحربي العربي ثم تتالى سقوط قطع الشطرنج العربي.
نفذ الطيران العسكري الاسرائيلي عملية ضرب المفاعل النووي العراقي (تموز) في السابع من تموز 1981، وذلك تحت اشراف بيغن المتواصل منذ أن اتخذ القرار بضرب هذا المفاعل، ولقد عرف بيغن كيفية استغلال هذه العملية الارهابية لحصد تأييد جماهيري واسع من المصوتين له في انتخابات الكنيست العاشرة حيث فاز بها من جديد وأعاد تشكيل الحكومة برئاستة ورئاسة حزب الليكود.
وعندما شكل حكومته الجديدة قام بتعيين ارئيل شارون وزيراً للحرب في حكومته، وأخذ شارون يسعى إلى تعميق التدخل الاسرائيلي العسكري في لبنان، وبالفعل نجح في إقناع بيغن بتنظيم عملية اجتياح عسكري كبيرة للبنان لإجتثاث الوجود الفلسطيني وإعادة بناء لبنان تحت سيطرة اسرائيلية غير مباشرة، فانطلقت عملية الاجتياح التي حملت اسم (عملية سلامة الجليل) في حزيران 1982، وتطورت هذه العملية لتتحول إلى حرب طويلة انتهت العام 2000، أي بعد مضي 18 عاماً.
ويشير الخبراء السياسيون إلى ان بيغن فقد السيطرة على شارون الذي نجح في الوصول إلى بيروت والتسبب في عدة مجازر أهمها مجزرة القرن مجزرة صبرا وشاتيلا، وإلى الحاق دمار شامل في كل البنى التحتية اللبنانية وكذلك الفلسطينية، وبالتالي أدت الأوضاع إلى التدخل الاميركي بما يعرف بـ (مشروع ريغان) الداعي إلى السلام في لبنان، وكذلك جرى الاتفاق على إخراج القوات الفلسطينية من لبنان بقيادة الخالد ياسر عرفات بعد صمود أسطوري دام 88 يومًا، وتوجيهها إلى عدة دول عربية، خاصة تونس، حيث أقامت منظمة التحرير الفلسطينية مقرها استعداداً للعودة الى فلسطين.
أما مناحيم بيغن فإنه أُصيب بصدمة نفسية من جراء تورط "اسرائيل" في الحرب اللبنانية، وازدادت كآبته كما يُذكر في أعقاب موت زوجته فاعتكف في بيته وأعلن عن استقالته من رئاسة الحكومة في آب 1983، ولم يقدم بيغن أي تفسير لأسباب اعتزاله الحياة السياسية، ولم يقم بأي نشاط سياسي علني على الإطلاق إلى حين وفاته في العام 1992 في القدس.
اشتهر بيغن بالخطابة واختيار التعابير المثيرة للجدل خلال وجوده في المعارضة، وأيضاً بعد توليه منصب رئاسة الحكومة الاسرائيلية. ولقد تعرض بيغن إلى هجمات كبيرة من معارضيه في الاساس وكذلك من أعضاء حزبه الذين وصفوه بالمتسلط والمتبجح وأحياناً بالمتسرع، خاصة أولئك المعارضين له عند موافقته على عقد اتفاق سلام مع مصر. له كتاب"التمرد" الذي يحكي فيه قصة منظمة"الايتسيل" الإرهابية.[3]
كتاب: "هتلر مؤسِّس إسرائيل" (العلاقات السِّرية بين هتلر والحركة الصهيونية لتأسيس الكيان الصهيوني) للكاتب: "هينيكي كاردل" الصادر بالعربية سنة 2008م، كشف عن الدعم الذي تلقَّاه "هتلر" من الصهاينة في "واشنطن" من أجل القضاء على اليهود المعادين للصهيونية، والمساعدة على تأسيس دولة "إسرائيل"، وأنَّ هتلر وبعد استلامه الحكم في 30 يناير 1933م عيَّن مباشرةً مسؤولين يهودا في معسكرات اعتقال اليهود في أوروبا، ومنهم "مناحيم بيغن" (رئيس الوزراء السادس للكيان الصهيوني) مسؤولاً عن معتقلات يهود بولونيا، وهو ما يثبت تورُّط الصهاينة معه في قتل "اليهود الألمان المعادين للصهيونية" من الذين يعدّون ألمانيا وَطنًا لهم.

الحواشي:

[1] هي منظمة شبابية صهيونية إرهابية أسسها جابوتنسكي، وإضافة لبيغن فلقد كان اسحق شامير من أعضاء هذه المنظمة. وانخرط أعضاء (بيتار) في الأعمال الارهابية في فلسطين في الثلاثينيات من القرن الماضي. ظهرت (بيتار) كحركة معارضة للهستدروت العمالية في فلسطين، وارتدى الاعضاء القمصان البنية اللون كجزء من الصبغة الفاشية التي تحلت بها الحركة. أما الذين انشقوا عن (الهاغاناه) العام 1930 وأقاموا (الايتسيل) و(ليحي) فكانوا من أعضاء (بيتار). وتمت الوحدة بين (بيتار) و(الايتسيل) العام 1939 ونودي بديفيد رزيئيل قائد (الايتسيل) مفوضاً لـ (بيتار) في فلسطين، ثم خلفه في الوظيفة نفسها مناحيم بيغن.
[2] "إيتسل" هي إحدى العصابات العسكرية اليهودية التي أنشئت قبل قيام دولة "إسرائيل" واعتُبرت منظمات إرهابية، ثم استمر بعض نشاطها لاحقا أيضا، حتى تم تفكيك الجزء الأساسي والأكبر منها لدى تشكيل "جيش الحرب الإسرائيلي" بعد أسبوعين على قيام الكيان، وترأسها جابوتنسكي ثم بيغن.
[3] عن موسوعة المصطلحات في موقع مدار، مع بعض التعديلات.

disqus comments here