زيارة بايدن.. هل دشنت عهدًا جديدًا أعمق من التطبيع؟!

من نوتة واحدة تعزف إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" لحن مصالحهما وأمنهما القومي للهيمنة على المشهد السياسي في الشرق الأوسط وتشكيل حلف جديد يضمن تفوقهما في الإقليم.

هذا أوان دفع عجلة التطبيع بين أنظمة عربية و"إسرائيل" لتظل سيّدة آمنة وقوية والتصدي للاعبين كبار ومشاريع إقليمية مناوئة للولايات المتحدة على رأسها روسيا وإيران.

وكان "بايدن" رئيس الإدارة الأمريكية اختتم زيارة للشرق الأوسط استغرقت عدة أيام التقى فيها قادة ومسؤولين في الكيان الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية قبل التوجه للعربية السعودية لإتمام لقاءاته.

ولم تمس زيارة "بايدن" بالإيجاب أيًّا من الحقوق للقضية الفلسطينية؛ بل بالعكس جدد التزام الولايات المتحدة الأمريكية بالدعم والتحالف المطلق مع "إسرائيل"، متوّجاً توجه إدارته بـ"إعلان القدس"، وهو تعهد أمريكي بحماية أمن "إسرائيل" على المستوى الإستراتيجي مصلحةً عليا للأمن القومي الأمريكي.

مصلحة إسرائيلية

 تريد الولايات المتحدة الآن ومستقبلاً أن تظل "إسرائيل" الجوزة المنيعة أمام صعود لاعبين جدد في الإقليم ومياه المتوسط الدافئة أبرزهم إيران وتركيا وروسيا، وإن كانت الدبلوماسية والعلاقة الاقتصادية والسياسية مستمرة مع الأتراك والروس.

"إسرائيل" راغبة في دفع التطبيع أكثر خاصة مع العربية السعودية التي بدأت تستقيم فوق سكة قطار التطبيع، وقيادة حلف إقليمي لمواجهة إيران وتعزيز حركتها الملاحية قرب جزيرة تيران بالبحر الأحمر.

ويؤكد فايز أبو شمالة -المحلل السياسي- أن بدء تحليق طيران الاحتلال فوق السعودية معناه انطلاق مشوار التطبيع بينهما، في حين ملف التسوية وحلف الدولتين لم يتطرق له بايدن جديًّا سوى من خلال عبارات دبلوماسية منمّقة.

ويضيف : "القضية الفلسطينية لم يتطرق لها سوى بتصريحات جزئية غير جديّة، وإسرائيل حققت كل ما تطمح به وإعلان القدس أصله رؤية أمريكية-إسرائيلية لإصلاح العالم، وهي فكرة يهودية تدعو لتهويد سكان الأرض".

وفي حين كان الرئيس الأمريكي يتجاهل القضية الفلسطينية من أجندته تعهد بدعم "إسرائيل" بـ38 مليار دولار لميزانية ما يسمّى "الدفاع الإسرائيلي"، وهذا يذكرنا بآخر عهد "أوباما" حين قرر دفع مبلغ مشابه قبل مغادرته البيت الأبيض.

زيارة رمزية

ويقول محمد مصلح -الخبير في الشؤون الإسرائيلية-: إن معادلة التوجه الأمريكي نحو "إسرائيل" ليست كاملة ونحو السلطة الفلسطينية ليست صفرية؛ لأن توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تتجاوز الاثنين معاً.

ويتابع ": "للولايات المتحدة مصالح في المنطقة خاصة مع السعودية، وزيارة بايدن للسلطة الفلسطينية كانت رمزية؛ فهو لم يقدم حلًّا للصراع، ولم يتحلَّ بإرادة سياسية لأي حل".

وعلى نسق المثل السياسي القائم بين الدول "لا عداء دائم ولا سلام دائم، إنما هناك مصالح دائمة" تمضي السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، لكن بدا واضحاً أن علاقة "إسرائيل" والعرب لم تعد مرتبطة بحل الصراع.

ويشير الخبير مصلح أن "إسرائيل" معنية بتوازن العلاقة في المنطقة مع إيران، وإيران بحاجة لتثبيت أقدامها في الإقليم، والاجتماع الروسي-التركي-الإيراني رؤية مقابلة لرؤية أمريكا-"إسرائيل" ودول التطبيع.

المشهد السياسي الفلسطيني لم يتحرك بزيارة بايدن وإن حاول التطرق في حديثه لحل الدولتين ودفع التسوية التي وقعت "إسرائيل" شهادة وفاتها منذ عقد مضى.

تحالف جديد

 لقاء قادة من مؤسسات عسكرية وأمنية في دول التطبيع مع نظرائهم في الجيش الأوسط الأمريكي و"إسرائيل" يدلل على اهتمامهم مجتمعين بتعزيز العلاقة العسكرية لإنفاذ كلاسيكية الصراع في الإقليم القائمة على أدوات القوة.

ويقول المحلل أبو شمالة: إن تحالف أمريكا-"إسرائيل" يتجاوز الشرق الأوسط لمناطق أخرى في العالم، ويحاولون مجتمعين منع روسيا وتركيا وإيران من التمدد في الإقليم الذي يراد له البقاء تحت الوصاية الأمريكية

أما تشكيل "ناتو" جديد بنسخة عربية تقوده "إسرائيل" والولايات المتحدة فقد دفع مصر -حسب رؤية الخبير مصلح- لتقول إنها ليست مع أي تحالف ضد إيران في المنطقة.

ويتابع: "زيارة بايدن منحت إسرائيل دورا وظيفيا في الصراعات وملفات مثل القضية الفلسطينية وحرب روسيا مع أوكرانيا ومحاولة دمج إسرائيل في المنطقة التي تشهد تحالفات جديدة".

وفضلت السلطة الفلسطينية القبول بما أعلنه "بايدن" لها خلال الزيارة، والذي لم يتجاوز عددا من المبادرات المتعلقة بالرعاية الصحية، وطرح خدمات الاتصال الرقمي الجيل الرابع (4G) والوصول والحركة، ومساهمات تبلغ 316 مليون دولار.

وإذا كانت أهداف الولايات المتحدة و"إسرائيل" الآن صريحة المعالم، فإن القوى المقاومة الفلسطينية والعربية ومواقف دول مغايرة للإستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية لن تكون عاجزة عن التصدي والعمل.

 

disqus comments here