عائلة الشهداء

35 شخصاً فقط، هم أفراد عائلة الزبيدي في مخيم جنين! لكن الأكثر دهشة من ذلك، أن العائلة لم تدفن أي حالة وفاة طبيعية منذ العام 1993، يوم رحل محمد الزبيدي (والد زكريا وداوود)، فيما دفنت 6 من أفرادها، شهداء.

بيت الشقيقين محمد وجمال الزبيدي، العائلة اللاجئة من "وادي الحوارث - قيساريا" ضحت بأكثر من 80 عاماً من حياة أبنائها في سجون الاحتلال.

وبحسب جمال الزبيدي (66 عاماً)، فإن اعتقال أفراد العائلة بدأ منذ منتصف الخمسينات، حين اعتقل "محمد جهجاه"، جد زكريا، لما يقارب الـ 4 سنوات، قبل أن يحرر نفسه بالتمرد الذي قام به الأسرى في سجن شطة الإسرائيلي في 30 تموز 1958، رفقة 68 أسيراً، فيما استشهد 11 أسيراً وأصيب 13 آخرون. وبعد تحرره انتقل في العام 1963 ليقود الكفاح المسلح في مخيم "الحصن" في إربد، قبل أن ينتقل مع الفدائيين بعد أحداث أيلول الأسود إلى سوريا ومنها إلى ألمانيا في بدايات السبعينات.

وأضاف في حديثه : اعتقل "محمد الزبيدي" والد زكريا، العام 1969 لمدة عام واحد، واعتقل لاحقا في الانتفاضة الأولى لمدة 8 أشهر إداريا، فيما اعتقلت أنا وشقيقي "إبراهيم" العام 1979 لمدة عام ونصف، وأفرج عنا في نهايات العام 1980. وتابع جمال الزبيدي: "بعد الإفراج نُفي شقيقي إبراهيم إلى الأردن مدة خمس سنوات، لكن الاحتلال لم يسمح له بالعودة إلى الوطن بعد انتهاء المدة، وتوفي هناك العام 2012، فيما تجدد اعتقالي لـ 6 مرات معظمها اعتقال إداري، وكان آخرها العام 2011 و2014، بلغت في مجملها 4 سنوات".

وقال: اعتقل "زكريا" مرتين خلال الانتفاضة الأولى، في الأولى حكم 6 أشهر والثانية 5 سنوات، قبل أن يفرج عنه بعد توقيع "أوسلو"، قبل أن يتم اعتقاله مؤخرا في شباط 2019، ليبلغ مجمل ما أمضاه في سجون الاحتلال حتى اليوم 8 سنوات. فيما حكم شقيقه "العبد" في الانتفاضة الأولى لـ 6 أشهر، ثم لـ 6 سنوات.

وأضاف: جميع أبناء شقيقي محمد اعتقلوا ومعظمهم أعيد اعتقاله لعدة مرات، حيث أمضى "جبريل" أكثر من 13 عاما، في الأولى 12 عاما، والثانية 10 أشهر والثالثة 6 أشهر. فيما أمضى "يحيى" 17 عاما في السجون، وأمضى الشهيد "طه" عامين خلال 4 مرات اعتقال إداري في الانتفاضة الأولى، فيما أمضى الشهيد "داوود" 16 عاماً في سجون الاحتلال، كما أمضى أبنائي "محمد" 3 سنوات و9 شهور، و "يوسف" 3 سنوات ونصف، و"نعيم" 5 سنوات في سجون الاحتلال.

يرفض بشكلٍ متكرر، أبو أنطوان، هذه الهالة الكبيرة التي تشكلت حول عائلته، معتبراً أن كل ما يقومون به هو الواجب الطبيعي. فيما يعدد أسماء عائلات في المخيم لا تقل تضحية عن عائلته.

في محيط بيته، ألصقت على الأبواب والجدران صور الشهيد داوود الزبيدي الذي استشهد (15-5-2022)، آخر شهداء العائلة والمقرب لأبو أنطوان، داوود بضحكته وجسده الضخم، هو زوج ابنة أبو أنطوان. 

وأضاف أبو أنطوان: شهداء عائلتي وأقربائي هم: زوجة أخي محمد، سميرة الزبيدي (4-3-2002)، وابن الشهيدة سميرة الشهيد طه الزبيدي الذي استشهد خلال معركة نيسان 2002، وابن شقيقتي، زياد العامر (3-4-2002) وهو من قادة كتائب شهداء الأقصى وأذرع فتح العسكرية في مخيم جنين وتم نسف بيته عام 1988 واعتقل في تلك الفترة وأفرج عنه عام 1994 وكان محكوما بالمؤبد، وابن شقيقتي الأخرى، نضال أبو شادوف (من برقين وجثته محتجزة لدى الاحتلال منذ تموز 2001)، وآخرهم الشهيد داوود الزبيدي (15-5-2022).

وتابع: "بيدي نقلت معظم جثث شهداء المخيم في نيسان 2002، أكثر مشهد مؤلم، عندما مررت بجثة طه، ولم اعرفه، كانت جثته محروقة بفعل القصف، ولم يتبقَ منه إلا جبينه تعلوه قطعة قماش للمقاومة".

وأضاف، "سيرة نضال العائلة ضد الاحتلال الإسرائيلي: توفي والدنا عام 1980 أثناء وجودي وشقيقي إبراهيم في السجن، فيما كان شقيقنا الثالث محمد "أبو العبد" في الأردن، وهكذا دفن الوالد دون أن يشارك في جنازته أو يودعه أيٌ منا.

وأوضح جمال الزبيدي، "لم يكتف الاحتلال باستهداف العائلة، بل منعنا من وداع أقاربنا، حيث في العام 1985 مرض شقيقي محمد "أبو العبد" الذي اعتقل مرتين خلال الانتفاضة الأولى. ورفض الاحتلال إدخاله إلى مستشفيات الداخل، إلى أن توفي في 26-5-1993. وحين توفي كان العبد وزكريا في السجن فلم يحضروا جنازته، وهدم بيت شقيقي أبو العبد أول مرة في حزيران 1988، أثناء نسف منزل ابن شقيقتنا زياد العامر، وتضرر 35 منزلا بفعل التفجير".

وتابع: "في أحد أيام معركة المخيم، كنا 14 نفرا احتمينا داخل حمام صغير، وسقطت على بيتنا 3 صواريخ نسفت البيت. لكن نجونا، فانتقلنا إلى منزل لأحد الجيران، ليتم قصفه، ونجونا مرة أخرى. كان قدرنا أن ننجو، برغم شدة القصف.

حين تلتقي بجمال الزبيدي "أبو أنطوان" فأنت تلتقي بمخيم جنين بأكمله. هذا الرجل الذي يأخذ شكل المخيم، سناً وتفاصيلاً وملامح، هو المخيم، بقوته وعجزه، بألمه وفخره.

لهذا الرجل، كما حال المخيم، حكاية مع الموت، مع الشهداء، مع الأسر والسجون، مع النفي والمطاردة والمداهمة. تضحيات لا بد أن تُروى، أن تُحفظ للأجيال القادمة، كي لا نضيع.

disqus comments here