غريب العسقلاني.. رحيل رمز ثقافي فلسطيني

توفي صباح يوم الثلاثاء (21-6) في مدينة غزة القاصّ والروائي الفلسطيني إبراهيم الزنط الشهير بلقب "غريب عسقلاني"، عن عمر 74 عامًا، بعد حياة علمية وعملية مليئة بالرويات والقصص التي تتحدث عن المعاناة الفلسطينية.

مولده ونشأته

ولد القاصّ والروائي إبراهيم عبد الجبار الزنط، في الرابع من نيسان/ أبريل 1948م في مدينة المجدل، وكان سادس إخوته العشرة لوالد يعمل تاجرًا للحبوب والمواد التموينية، وفي عام نكبة فلسطين (1948) لجأت عائلته إلى مخيم الشاطئ بمدينة غزة، وكان عمره آنذاك أقل من سنة.

وفي إطار هذه الظروف المعيشية الصعبة نشأ الأديب غريب عسقلاني، وتلقى دراسته الابتدائية في مدرسة هاشم بن عبد مناف (الهاشمية)، ودرس الإعدادية في مدرسة غزة الجديدة للاجئين بمخيم الشاطئ، وأنهى دراسته الثانوية في مدرسة فلسطين عام 1965م، وكان محبًّا للغة العربية وآدابها وثقافتها العريقة العظيمة.

وآثر الأديب غريب عسقلاني أن يسلك سبيل التخصص العلمي، فغادر غزة يدفعه العزم والأمل، متوجهًا إلى مصر، والتحق بكلية الزراعة في جامعة أسيوط، ثم انتقل إلى جامعة الاسكندرية، واستطاع بعد تصميم وعزم، وإرادة قوية أن يحوزَ على شهادة البكالوريوس في (الاقتصاد الزراعي) عام 1969م.

معاناة النزوح

أثناء دراسة عسقلاني الجامعية، وقعت حرب حزيران عام 1967، واحتلت "إسرائيل" قطاع غزة، وعدّت كل مَن كان خارج القطاع بعد احتلالها يوم 5 حزيران 1967م في عِداد النازحين، ورفضت قوات الاحتلال السماح لهم بالعودة إلى القطاع، وبهذا أصبح غريب عسقلاني نازحًا، ليعيش حياة اللجوء مرة أخرى، وتتقطع به السُبل.

وبعد تخرجه في الجامعة، تأزمت الأمور في وجه عسقلاني؛ حيث لم يجد مفرًّا إلا السفر إلى الأردن، أسوة بأخته الكبيرة التي هاجرت إلى مخيم الوحدات، ولعلَّ الرجل يجرب حظه مع المهاجرين الذين كانوا في ذلك العهد يرحلون عن البلاد، بسبب الظروف القاسية أو هروبًا من مطاردة الاحتلال، ولكن المناخ العام بالأردن كان ملبداً بالغيوم والعواصف في تلك المدّة الدقيقة؛ إذ صادف انتقال عسقلاني إلى حياة المخيم هناك بداية الغليان الذي تطور دراماتيكيًّا، وقُدر له أن يعيش أحداث أيلول المؤلمة، التي قلبت الموازين رأساً على عقب، فكان ينفعل ويتألم لما يجرى، فانخرط في العمل الوطني في صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) كادرا سياسيا.

لم يجد الأديب غريب عسقلاني سبيلاً سوى مغادرة الأردن، فسافر إلى سوريا، والتحق بتنظيم حركة فتح في شمال سوريا، ما أتاح له زيارة معظم مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان، والتعرف إلى أوضاعهم البائسة، فكان دائم التأهب للمساعدة والخدمة، وسجل الرجل إسهاماً ملموساً في تطوير التنظيم هناك، وبالتوازي عمل مهندساً زراعياً في مؤسسة (استثمار حوض الفرات) في مدينة الرقة بسوريا، لتوفير العيش الكريم، إلا أن شوقه وحنينه إلى مدينته غزة ما برح فؤاده، وتزوج من ابنة خاله القادمة من غزة بتصريح زيارة عام 1972، واغتنم عسقلاني مناسبة ميلاد ابنه الأول (سامر) الذي ولد في غزة، فكان من حسن طالع الابن على أبيه أن يكون هذا الابن سبباً في عودة أبيه إلى الوطن المحتل.

عودة للوطن

عاد عسقلاني إلى الوطن بعد اغتراب قسري، بواسطة طلب (جمع شمل العائلات)، تقدمت به زوجته نيابة عن الابن الرضيع (القاصر)، لقوات الاحتلال "الإسرائيلي" في قطاع غزة، والتي كانت تفرض قيوداً ثقيلة على عودة النازحين الفلسطينيين إلى وطنهم المحتل، ولم تسمح بالعودة إلا في حدود ضيقة جداً، ومنها أنه "يحق للابن أن يطلب عودة أبيه".

وفور عودته إلى القطاع كان متلهفًا للعمل في مجال تخصصه النادر، وهو (الاقتصاد الزراعي)، لخدمة بني وطنه، غير أن الاحتلال رفض هذا الطلب؛ إذ كانت معظم أعمال هذا التخصص توكل للموظفين الإسرائيليين فقط، ضمن سياسة الحرمان الممنهجة التي كانت تمارسها سلطة الاحتلال منذ عام 1967م.

عسقلاني الروائي

أدرك الأديب غريب عسقلاني بفطرته العارفة أن المطالعة والقراءة هما سبيل المعرفة والثقافة، حيث كانت تستهوي عسقلاني كتب الأدب والفكر والتاريخ، فانضم مع نخبة من أبناء جيله منذ عام 1976م إلى اللجنة الثقافية في جمعية الهلال الأحمر بقطاع غزة، يجمعهم الهم الثقافي، ويؤرقهم مصير أمتهم المشردة، وكان السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ماذا نكتب في جو الاحتلال الخانق الضاغط للتعبير عن الشقاء والبؤس في إطار الظروف الصعبة التي خلّفها الاحتلال؟!

وما من شك، أن اللجنة الثقافية بجمعية الهلال الأحمر بقطاع غزة بقيادة الدكتور حيدر عبد الشافي منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين اجتذبت ضروبًا متعددة من أبناء قطاع غزة من طلاب العلم والكتّاب والمثقفين، فكانت الحاضنة للمشهد الوطني والفكري، والمنارة التي تسهم في نشر الثقافة، وتخدم الأدب والأدباء، والجسر المتواصل مع الكتّاب الفلسطينيين في القدس، ورام الله، وحيفا، وعكا، والناصرة.

ومن خلال هذه الجمعية الرائدة، تهيأ لغريب عسقلاني أن يلتقي برجال بارزين في الأدب والشعر، فتفتحت مواهبه الإبداعية القصصية، ومن هنا بدأ مشوار غريب عسقلاني الأدبي، واستلهم الطريق الذي اختطه لنفسه نحو الصعود إلى القمة، وصوّر بقلمه أروع اللوحات الأدبية، والمقالات النقدية التي تدور في فلك الوطن، وتنبض بآلامه، وتنزف لأوجاعه، ولاقت كتاباته رواجاً في العديد من الجرائد والمجلات الفلسطينية، ومنها (القدس، والفجر، والشعب، والبيادر السياسي، والاتحاد، والغد، والجديد في حيفا)، وقد استقبل القراء نصوصه بالحفاوة والترحاب؛ لتفرده بأسلوب مميز وممتع، ومعبّر في الوقت ذاته، وعمق المقاصد الثقافية والوطنية في فكره المستنير.

أبرز الروايات

ويسّر الله له أن ينشر أعماله الأدبية المتعددة، ليتسنى للقارئ والدارس الاطلاع عليها والرجوع إليها كان أبرزها (رواية الطوق)، وكان الغرض من إصدارها إلقاء الضوء على الطوق الذي فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلي على جزء من مخيم الشاطئ في عام 1970، لمطاردة مجموعة فدائيين حوصروا في المخيم، إذ كان أسلوب فرض سياج من الأسلاك الشائكة حول جزء من المخيم، وعزله عن الحياة حدثاً مهماً وتحولاً لافتاً في الانتهاكات الإسرائيلية أثناء مطاردتها للفدائيين، وقد لاقت هذه الرواية ترحيباً كبيراً في فلسطين وخارجها، ما شجعه على المضي في الكتابة.

كما أثرى غريب المكتبة العربية والعالمية بالعديد من رواياته القيمة والمفيدة، وهي: (نجمة النواتي 1999، وجفاف الحلق 1999، وزمن دحموس الأغبر 2001، وليالي الأشهر القمرية 2001، وعودة منصور اللداوي 2002، وأزمنة بيضاء 2005، وضفاف البوح 2006، والأميرة البيضاء 2007، وأولاد مزيونة 2009، وهل رأيت ظل موتي 2011، والمنسي 2016).

وقدم عسقلاني للخزانة العربية العديد من المجموعات القصصية الهادفة التي تتابع القضية الفلسطينية في جميع مراحلها، وتعبر عن رأيه وأحلامه، وهي: (الخروج عن الصمت 1979، ومجموعة حكايات عن براعم الورد 1991، والنورس يتجه شمالاً 1996، وغزالة الموج 2003، وعزف على وتر قديم 2005، ومذاق النوم 2010).

وحظيت قصص وروايات غريب عسقلاني بشهرة وشعبية واسعتين في فلسطين والعالم العربي، وترجم كثير منها إلى لغات دول مختلفة، وحاز على العديد من الجوائز؛ جائزة القصة القصيرة من جامعة بيت لحم في عام 1977م، وجائزة اتحاد كتّاب فلسطين عام 1991م، وجائزة اتحاد الكتّاب العرب عام 2016م.

"الثقافة" تنعاه

ونعت وزارة الثقافة في بيان لها، القاصّ والروائي المناضل غريب عسقلاني (إبراهيم الزنط) الذي وافته المنية صباح يوم الثلاثاء عن عمر ناهز أربعة وسبعين عامًا، بعد معاناة مع المرض.

ونعت الهيئة العامة للشباب والثقافة بغزة، عسقلاني، وقالت في بيان له  نسخة عنه: "نتقدم بخالص العزاء والمواساة من عائلة الزنط، وجموع الأدباء والشعراء والروائيين والمثقفين الفلسطينيين والعرب بوفاة شيخ الروائيين الفلسطينيين إبراهيم الزنط".

وأضافت أنه "برحيل الروائي الكبير إبراهيم الزنط تفقد الحركة الثقافية الفلسطينية أحد رموزها وروادها الذين كان لهم دور كبير في نقل الثقافة الفلسطينية ونشرها في المحافل العربية والدولية، وتسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ونضاله المشروع من خلال الأعمال الأدبية المتنوعة".

 

disqus comments here