نظمي الجعبة: القدس ليست قضية خاسرة وستظل تقضّ مضاجع الجميع

قال أستاذ التاريخ في جامعة بير زيت الفلسطينية، نظمي الجعبة، إن القدس لن تكون قضية خاسرة، وستظل تقضّ مضاجع الجميع، موضحاً أن ذلك "بفضل الحراك الشبابي الواعي، الذي يدرك أدوات الصراع ويقود يومياً معركة وجودية على الأرض، حتى بعد أن اعترفت بها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل، وحتى بعد أن بدأت نظم عربية تعزز قبول الأمر الواقع".

وجاء ذلك في محاضرة له بالدوحة نظمها "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" و"مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، مساء السبت في سياق "محاضرة النكبة السنوية"، بعنوان "القدس ومعركة البقاء"، التي أعقبها افتتاح الموقع الإلكتروني "القدس: القصة الكاملة"، المتخصص بتاريخ القدس المحتلة.

وفي إضاءة تأسيسية لتاريخ القدس الحديث بعد احتلالها على مرحلتين في عامي النكبة 1948 والنكسة 1967، قال الجعبة إن "المحتل لجأ إلى أمرين بغية السيطرة على القدس: السكان والأرض"، مردفاً بالقول: "فالسكان كانوا مشكلة، ولسوء حظ إسرائيل كانت مشكلة متنامية، رغم كل أدوات الطرد التي استخدمت للتخلص منهم أو تقليل عددهم".

وهنا أشار إلى أن عدد سكان القدس الشرقية من الفلسطينيين كان سبعين ألف نسمة في عام 1967، وهم الآن يقاربون الـ400 ألف ويشكلون مما يسمى "القدس الموحدة" نسبة تفوق الأربعين في المئة. وأوضح الجعبة أن الاحتلال الإسرائيلي "يصنفهم على أنهم أعداء، في ظاهرة غير موجودة في أي عاصمة في العالم، تصنف قرابة نصف سكانها على هذا النحو، وتضعهم تحت كل وسائل المراقبة".

وبالمجمل، ساق المحاضر تقديرات تفيد بأن عدد الفلسطينيين في فلسطين الانتدابية، أي من البحر إلى النهر، يزيدون على 50% من السكان، و"هذا ليس أمراً عابراً بالنسبة إلى إسرائيل"، على حد تعبيره.

 

أما السيطرة على الأرض، فقال الجعبة إن الاحتلال حقق نجاحات كبيرة فيها، فوسّع حدود الشطر الشرقي من القدس المحتلة إلى مساحة 72 كيلومتراً مربعاً على حساب مناطق من الضفة الغربية، فصارت البلدية على حدود رام الله شمالاً وحدود بيت لحم جنوباً.

كذلك نجح الاحتلال، وفق أستاذ التاريخ، في تحويل 35% من القدس الشرقية إلى مستوطنات أسكن فيها 250 ألف مستوطن، وحصر الفلسطينيين في 12% من مساحتها، بما يعادل عشرة كيلومترات مربعة، وتركت النسبة الباقية محميات طبيعة واحتياطياً استيطانياً.

لكن رغم كل ما يجتهد الاحتلال في ترسيمه على الأرض، قال الجعبة إن الفلسطينيين ما زالوا أغلبية، دون تجاهل أن غالبية أحياء القدس تحولت بسبب سياسات الاحتلال إلى عشوائيات صفيح، وأن 80% من الـ 400 ألف فلسطيني يعيشون تحت خط الفقر، بحسب إحصائيات إسرائيلية. ووفقه، كان هؤلاء حتى الثمانينيات طبقة وسطى جرى إفقارها تدريجياً، فانخرطت في الأعمال المتدنية بمجال التنظيف والبناء في ورش القدس الغربية لتأمين لقمة العيش.

وحذر الجعبة من أن هناك العديد من التحولات الاقتصادية والمجتمعية التي يعمل الاحتلال على مفاقمتها لجعل الحياة في القدس مستحيلة. لكن أبرز معالم الصمود، الذي وصفه بالمعجزة، هو ما يتجلى في البلدة القديمة بما فيها من الرمزية الدينية والسياسية، حيث يعيش فيها 37 ألف فلسطيني وأقل من 3 آلاف مستوطن، رغم كل أدوات التضييق، إذ ما زالت البلدة القديمة عربية الهوية، وباءت محاولات تهويدها بالفشل.

 

وعن المسجد الأقصى، قال الجعبة إن الاحتلال لا يخفي خططه تجاه هدم المسجد، مع وجود 30 جمعية مسجلة رسمياً في وزارة الداخلية الإسرائيلية تتبنى خطط هدمه وبناء الهيكل الثالث، مشيراً إلى استثمار إسرائيلي هائل للدفع بالرواية التي ترفع لواءها حركات دينية قومية متطرفة وعنصرية.

غير أن صورة الدولة النووية في آخر استعمار على وجه الأرض، تواجه كما يشرح الجعبة، ما لا تستطيع التعامل معه، حين يكون ذلك متمثلاً بحراك شعبي واسع، محمول على طاقات شابة، بلا رأس قيادي، حيث تلعب التنظيمات الفلسطينية دوراً هامشياً على الساحة المقدسية.

وضرب في ذلك مثلاً، ما وقع في عام 2017، يوم وضع الاحتلال بوابات إلكترونية عند باب الأسباط، فقوبل بعشرات الآلاف من الحشود التي ملأت الشوارع، في مشهد عارم قال إنه قطع مسافة أربعة كيلومترات، وهو بين الشباب الذين هبّوا وفاجأوا الجميع.

ووصف القوة الشبابية في القدس بأنها منظمة وديناميكية وإبداعية في ردود الفعل وفي المبادرة، وهم ذاتهم الشباب "الذين اعتبرناهم لفترة طويلة فاقدين لهويتهم، أمام هوية إسرائيلية مفبركة بشكل قوي"، على حد تعبيره.

 

ولاحظ المحاضر أن هذه الحراكات الشعبية لا تخبو، وهي ذات طابع يومي، وتتحول بين فترة وأخرى إلى انفجارات عارمة، متحدثاً عن آخر المظاهر التي تجسدت فيها "القدرة العظيمة على التحدي"، من خلال جنازة الشهيدة شيرين أبو عاقلة، التي قال إنها وحدت الناس في حشد شعبي قلّ نظيره في فلسطين.

وعن "مسيرة الأعلام" التي ختم بها محاضرته، وهي التي ينظمها المستوطنون بمناسبة احتلال الشطر الشرقي للقدس، قال الجعبة إنها هذا العام كانت تستدعي من الاحتلال المدجج أن يخطط لها لمدة ستة أشهر، خشية تخريبها على يد المقدسيين العزّل، مستخدماً قوات حماية فاقت تلك التي احتلت الضفة الغربية بأكملها عام 1967، معتبراً ذلك أحد معالم المأزق الاحتلالي في القدس.

disqus comments here