محطة التنقية تنقذ منطقة "وادي المطوي" بعد أن لوّثها الاستيطان

تتدفق في محمية وادي المطوي الينابيع التي كانت ملمحًا أساسيًا في طبيعة المنطقة الآسرة، ما جعلها في وقت ما، تحديداً قبل التسعينيات، مقصدًا للزوار القادمين من سلفيت وكفر الديك وبروقين وفرخة وسائر المناطق المحيطة.

أهم ما ميزَّها غطاؤها النباتي المتنوع من لوزيات وأشجار زيتون وحمضيات، لكن الاحتلال كعادته لم يتوانَ عن إفساد الجمال فاستمر منذ سنوات طوال في إغراق المحمية بالمياه العادمة ومخلفات الاستيطان الصلبة والسائلة حتى بات المكان موحشًا كئيبًا؛ تعمّه رائحة نتنة تنبعث من مياه دمرّت الغطاء النباتي بدلًا من إنعاشه، وكانت النتيجة خسران المنطقة لمكانتها السياحية وهويتها الزراعية بسبب ممارسات الاحتلال.

محمية وادي المطوي واحدة من 48 محمية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تقع في محافظة يزيد عدد مستوطناتها على عدد قراها ومدنها، وهي أصدق شاهد على شراهة الاحتلال في منطقة تُعد الأغنى مائيًا، حيث تقع محافظة سلفيت على واحد من أهم ثلاثة أحواض رئيسة في فلسطين، في حين يسيطر الاحتلال على 90% من مياهها، والبقية يعيث فيها فسادًا بملوثات مستوطناته ومياهه العادمة.

وتكمن الكارثة أيضًا في أن 24 مستوطنة تسيطر على 43% من محافظة سلفيت، لوّثت بيئتها بمياه عادمة ودمرت كل ما يقع في طريقها تمامًا كما في وادي المطوي، إلا أن إنشاء محطة التنقية أخيرًا كان المسعف، بل يمكن القول "المنقذ" من تلوثٍ لطالما أعيا المنطقة واستنزفها، لا سيما من مستوطنة أرئيل التي كانت الأشد إيذاء لها كونها الأقرب منها.

الصحة العامة في مرمى الخطر
"لا يوجد جهة ذات مضمون قانوني إلا اتَجهنا لها لحماية المنطقة وبيئتها من ممارسات الاحتلال".. بهذا يستهلّ أشرف زهد مدير دائرة الصحة والبيئة في بلدية سلفيت حديثه لمراسلة "آفاق البيئة والتنمية"، ليحكي لها عن رحلة كفاح مريرة في هذا الصدد، مستعرضًا جهود البلدية في سبيل إنقاذ محمية وادي المطوي وإخراجها من مستنقع ملوثات المستوطنات، والنتيجة أنه "قد تحقق تقدم جيد في هذا المجال" حسب رأيه.

ويصف الواقع الذي يعيشه وادي المطوي بقوله: "الصامدون مع أشجار الزيتون هنا أصبحوا معدودين على أصابع اليد الواحدة، وما زالت ينابيع وادي المطوي تنطلق من أعالي الجبال وتصب في الأودية في قنوات مائية وسط أحضان طبيعة كانت فيما مضى "خلابة" تملؤها الحياة والنقاء، وعامرة بالزرع لا سيما المشمش والعنب والتين والتفاح،
هذه الينابيع تزوّد المنطقة بنحو ربع حاجتها من المياه في الشتاء، وكانت الحيوانات في السابق تروي عطشها من مياه المحمية آمنِة من أي ضرر".

وعن وجه الخطر الذي يجدر التحذير منه كما يقول زهد: "الأمر برّمته له أثر سلبي على الصحة العامة وقد دفع ثمنه السكان غاليًا بتناولهم لحوم الحيوانات التي تأكل الأعشاب المروية بالمياه العادمة ومخلفات المستوطنات، وتشرب المياه من ينابيعها التي تُعد موطنًا للحشرات وتهبّ منها روائح كريهة نفّرت حتى المزارعين منها".

موضحًا ما سلف بقوله "إن الأمراض في المحافظة باتت تنتشر بسبب المظاهر غير الصحية، إذ سجلّت بلدة بروقين قرب وادي المطوي أعلى نسبة وفيات من السرطان في محافظة سلفيت، إضافة إلى تسجيل إصابات عالية بالأمراض الجلدية، والمؤسف أن 90% من هذه الأمراض سببها مياه وادي المطوي العادمة".

ونبع المطوي أحد نبعين يغذيان المدينة، نبع "المطوي" ونبع "وادي سكة" اللذان يزودان المنطقة بـ 25% من احتياجها من المياه في فصل الشتاء، في حال كان الموسم جيداً، أما في الصيف تتراجع النسبة وجراء ذلك تعاني المنطقة نقصًا في المياه، إذ يقل التدفق المائي فتزوّد الينابيع المنطقة بنحو ( 10-15% ) من حاجة سلفيت، وهناك ينابيع أخرى في المنطقة تساهم في تغذيتها بالمياه، أما النسبة المتبقية تُشترى من شركة "مكروت" الإسرائيلية.

وتبعًا لحديث مدير دائرة الصحة والبيئة في البلدية، فإن مختصين في وزارة الصحة يجرون كل ستة شهور فحوصات دورية للمياه الجوفية القريبة من وادي المطوي، كما تُكلّور مياه الينابيع التي تزود سلفيت بالمياه.

رقابة وحماية
بعد حدوث فيضان كبَّد المنطقة خسائر كبيرة عام 2006، كان لا بد من تشييد جدارٍ بعمق ملائم وبتكاليف عالية، وبذلك أصبح وادي المطوي "محمية مائية" تحيطها الأسوار وجدار استنادي بُنيّ بإتقان.

يعقّب زهد قائلًا: "منذ تلك الحادثة أولت بلدية سلفيت اهتمامًا أكبر للجانب الرقابي وخاصة ما يتصل بصيانة المكان، وأخذت تمارس رقابة يومية على المنطقة والمياه، فضلاً عن تأسيس أنظمة كلورة وإجراء فحوصات دورية لمياه الينابيع، وفي كل الأحوال تُضخ للمنطقة مياه صالحة للشرب بعد أن تمر بمراحل الكلورة والتعقيم والفحص".

ومن جهة أخرى، ساهم انتشار الخنازير البرية في تدمير المزروعات، ما دفع البلدية إلى القيام بدورها في حماية المكان للإبقاء على بعض الدعم المائي للمزارعين بعد أن شهد الغطاء النباتي تراجعاً في مزروعاته النادرة إضافة إلى بعض المزروعات الموسمية كالملفوف والبقدونس والجرجير، ولم يبق من المكانة السياحية لهذه المنطقة سوى بعضٍ من أشجار الزيتون الصامدة التي تحفظ تاريخًا لمرحلة ناصعة كانت.

محطة التنقية حل جزئي
فرض الواقع الصعب على بلدية سلفيت إيجاد حل وإن بدا جزئيًا لمشكلة الصرف الصحي التي قتلت روح المنطقة ولامست المياه السطحية لينابيع وادي المطوي، ورمت صحة السكان في مرمى الخطر.
وفي السياق نفسه يخبرنا زهد: "بعد 40 عامًا من الاحتلال وما خلّفه من تلوث وتشويه للمنطقة تقدّمت البلدية عام 1998 بطلب تمويل إنشاء محطة تنقية مياه للحكومة الألمانية، وما كان من "إسرائيل" إلى أن تماطل طويلًا، وبعد 20 عامًا تمكنت المحافظة من بدء العمل في المشروع وشُيّدت المحطة، وبموجبها أُعيد تأهيل المحمية وأجريت بعض الإصلاحات التي تصب في مصلحة المزارعين والمنطقة ككل".

في المرحلة الأولى، يحل المشروع مشكلة الصرف الصحي على أن يخدم 12 ألف مواطن، ويتلخص دوره في منع التلوث الحاصل من تدفق مياه الصرف الصحي العادمة في وادي المطوي ووادي العين، وبالتالي يحمي الينابيع والعيون، كما كان من المقرر أن تُستخدم المياه المعالجة من المحطة في أعمال الري للمزروعات، بهدف تحقيق مردود اقتصادي وزراعي كبير.
ويضيف زهد: "أصرَّ الاحتلال على نقل محطة التنقية إلى مكان أبعد؛ مما حدَّ نوعًا ما من شمولية استخدام مياهها".
جدير بالذكر أن الهولنديين موّلوا مشروع المحطة بقيمة مليون دولار، وبلغت التكلفة الإجمالية حوالي 9 مليون يورو، واستغرقت عملية البناء عامين.

مُرادنا تحقق ولكن..
"تُرى هل حُلّت المشكلة الأساسية بعد هذا الإنجاز" يجيب أشرف زهد عن سؤالنا: "كنا نسعى إلى إعطاء المزارعين مياه مجانية للزراعة عن طريق تنقية المياه في المحطة، وما حدث أنه بعد تشغيلها أصبحت مياه سلفيت مُنّقاة وصالحة للاستخدام وآمنة ويمكن استخدامها للزراعة، لكن مياه مستوطنة أرئيل ما زالت تصب في المكان ويصل أثرها إلى المناطق المحيطة، ما يعني أن المشكلة حُلّت من طرف واحد، لكن بقيت مشكلة المياه العادمة القادمة من المستوطنات قائمة".

وما يفاقم المشكلة، تبعاً لقوله، أن "إسرائيل" تفرض شروطًا بيئية مشددة لترخيص المصانع فيها، ما يدفع الشركات الضخمة لتنفيذ مشاريعها في المستوطنات التي تكون فيها الرقابة والضرائب أقل بكثير من داخل "إسرائيل".
ويجد زهد عزاءه بأن "المراد أخيرًا تحقق، وبدأت محطة التنقية في إنتاج مياه آمنة للبيئة، بخلاف ما تنتجه المستوطنات من مياه تدمر البيئة".

ويتنفس الصعداء أمام الميزة التي يقدمها المشروع: "كنا في السابق نضطر للتخلص من المياه العادمة في المدينة بنضحها في الوديان ما يؤثر سلبًا على بيئتنا، لكن حاليًا صار بالإمكان تنقية هذه المياه وإعادة ضخها في الوديان".

وأكد أنه خلال أشهر قليلة ستُنقى 85% من المياه العادمة لمدينة سلفيت، وما تبّقى يشمل مناطق لا يمكن الوصول لها حيث تتمركز المناطق الصناعية والنائية، وتُجمع فيها المياه العادمة عن طريق حفر امتصاصية، مشيرًا إلى أن المحطة تستوعب عددًا محدودًا من الأكواب من المنطقة الصناعية.

disqus comments here