جنين.. رحمٌ لا يعقر عن ولادة أبطال التحرير

لا تتوقف مدينة جنين ومخيمها وضواحيها عن إمداد حركات المقاومة بكل ما تطلبه من خلايا بشرية تناط بها مهمة طرد الغزاة وكنسهم عن أرض فلسطين على مر الزمان.

كان للحاضنة الشعبية الدور الأبرز في تخريج أجيال من المقاومين الذين رضعوا منذ نعومة أظفارهم حليب الكرامة، ونبتوا على فكرة نبذ المحتل وعدم القبول بفكرة التعايش معه إطلاقا، رغم المغريات والامتيازات المادية التي لا تبعد عنهم كثيرا.

تاريخ مشرّف

وتزخر جنين بتاريخ حافل من الثورات والانتفاضات وعمليات المقاومة التي أثخنت في العدو وأربكت جنود جيشه، منذ أن وقعت تحت الاحتلال البريطاني مثلها مثل بقية الأراضي الفلسطينية في أيلول/سبتمبر 1918.

وتُعَدُّ المدينة أكبر مدن المثلث الواقع بين جنين ونابلس وطولكرم، ويقدّر عدد سكانها في 2022 بنحو 34.730 ألف نسمة.

يقول الباحث في الشؤون الإسرائيلية، سعيد بشارات: إن جنين أكثر مدن فلسطين خصوبة في ولادة المقاومين، وتشكل هاجسا لقوات الاحتلال لصعوبة اختراق أهلها بشبكات التجسس الإسرائيلية.

ويضيف بشارات أن المدينة أصبحت "ماركة مسجلة" في ذهن العدو الإسرائيلي بتخريج المقاومين، لا تقل بأسا عن المقاومة بقطاع غزة.

وأشار إلى إقرار رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي "أفيف كوخافي" حديثا بمدى الخطورة التي باتت تشكلها جنين على كيان الاحتلال وأمنه.

ويلفت بشارات الانتباه إلى أن كلمة سر المقاومة في جنين تكمن في أنها تقف حائط صد منيع ضد محاولات الاحتلال اختراقها من الداخل.

ويضيف أن جنين عصية على الاختراق منذ أكثر من مئتي عام، حينما لم يتردد سكانها في عام 1799 في حرق بساتين الزيتون التي يقتاتون منها بُغية وقف زحف القوات الفرنسية على أراضيهم بقيادة نابليون بونابرت، فأتى الرد الفرنسي على مقاومة جنين بحرق المدينة ونهبها.

كما شهدت عام 1935 أول مقاومة مسلحة بقيادة عز الدين القسَّام، أحد كبار المقاومين للاحتلال البريطاني آنذاك، الذي وجد في جنين حاضنة شعبية من الفلاحين تؤمن بالثورة وتدعمها.

وأوضح بشارات أنه بعد استشهاد المجاهد القسام، انتقلت المقاومة من جيل لجيل إلى يومنا هذا، فصارت المدينة حاضنة لكل الأبطال.

شوكة في حلق الاحتلال

وقد شكلت جنين في بدايات انتفاضة الأقصى شوكة في حلق الاحتلال بعد أن دكت سلسلة عمليات استشهادية مدن الداخل المحتل نفذها أبطال المدينة ومخيمها، ما دفع بجيش الاحتلال في أبريل/نيسان 2002 إلى اقتحام المخيم بقوات كثيرة من الجيش والمشاة والدبابات بعد تطويقه بكامله.

العملية التي أطلقت عليها "تل أبيب" "السور الواقي"، استعدت لها المقاومة بتشكيل غرفة عمليات مشتركة من جميع التشكيلات العسكرية، وفي مقدمتها كتائب الشهيد عز الدين القسام، التي استطاعت تجهيز 200 مقاوم مسلحين بالبنادق والعبوات بدائية الصنع.

ومع بدء الاجتياح الذي أشرف عليه استثنائيًّا رئيس أركان جيش الاحتلال شاؤول موفاز، نصب المقاومون الكمائن المفخخة في أزقة المخيم التي تسببت بمقتل عدد من الجنود، فقتل أحدها 13 جنديا إسرائيليا وأصيب 15 آخرون، وهو ما جعل الاحتلال يغيّر خططه، ويقرر هدم جزء من المخيم وتسويته بالأرض، وهي المنطقة التي كان يتحصن بها المقاومون.

حاصرت قوات الاحتلال المخيم 10 أيام منعت فيها عن المخيم المياه والكهرباء والطعام والعلاج، كما قصف الاحتلال المخيم بطائرات (F-16) والمدفعية.

وقد دمر الاحتلال 455 منزلا تمامًا، و800 جزئيًّا، واستشهد 58 من أبناء المخيم معظمهم من غير المقاومين، حيث كان يستخدمهم دروعا بشرية خلال محاولته التوغل في المخيم، واعتقال المئات من أبنائه، في مجزرة طالت البشر والحجر، وهزت الرأي العام العالمي.
 
وفي المقابل، قتل خلال هذه المعركة 50 جنديا إسرائيليا وأصيب العشرات، ما جعلها من أكثر المعارك التي دفع فيها الاحتلال ثمنا. وحاولت قوات الاحتلال التقليل من هذا الثمن بالإعلان عن نجاحها في اجتثاث المقاومة بالمخيم، وأنها خطوة لا بد منها للقضاء على "عش الدبابير"، حسب وصفها المخيم، ووقف العمليات التي تخرج منه.

مقاومة مشتعلة

وبالعودة إلى بشارات، يشير إلى أن اغتيال جيش الاحتلال ثلاثة مقاومين على دوار عرابة جنوب جنين في أوائل أبريل/نيسان الماضي، يأتي ضمن محاولاته صهر الوعي، وخلق حالة من الرعب لدى الفلسطينيين لمنعهم عن تنفيذ أي عمليات مقاومة.

لكن عملية الشاب رعد حازم (29 عاما)، من سكان جنين، جاءت لتنسف مساعي الاحتلال، وتحطم آماله بإخماد جذوة المقاومة حينما نفذ عملية تمكن فيها من قتل مستوطنين وإصابة 14 آخرين بتاريخ 7 أبريل الماضي، كما يضيف بشارات.

ويقول أيضا: إنَّ عملية المقاوم رعد جاءت لتثبيت فشل الاحتلال مرة أخرى في كسر شوكة المقاومة في جنين.

ويخوض مقاومون مسلحون اشتباكات شديدة مع قوات الاحتلال التي تقتحم بين حين وآخر أكثر من منطقة في جنين شمال الضفة الغربية المحتلة لاعتقال من تصفهم بـ”المطلوبين”، حيث يترصد المقاومون آليات الاحتلال ويطلقون عليها النار بكثافة.

واستشهد المقاوم أمجد وليد الفايد في وقت مبكر من السبت الماضي، خلال اشتباكات مسلحة دارت بين مقاومين فلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي التي اقتحمت مدينة جنين.

وبارتقاء الشهيد الفايد، ارتفع عدد شهداء محافظة جنين بفلسطين المحتلة إلى 20 شهيدًا منذ بداية العام الجاري، نفذ عدد منهم عمليات فدائية أدت لمقتل جنود ومستوطنين.

وكان ضابط بجيش الاحتلال لقي مصرعه يوم 13 مايو الجاري متأثرا بجراحه الخطيرة التي أصيب بها في اليوم ذاته خلال اشتباكات مسلحة شديدة مع مقاومين فلسطينيين في مخيم جنين.


 

 

disqus comments here