"الاستيطان الرعوي" سكة التهجير الجديدة للبدو في الأغوار

في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر على السطح ظاهرة جديدة من ظواهر الاستيطان، وهي الاستيطان الرعوي، كنوع جديد ومبتكر من الاستيطان يعتمد على الحيلة والخداع والتدليس، وتوظيف الثروة الحيوانية للسيطرة على مساحات شاسعة وواسعة من الأراضي الفلسطينية المصنفة (ج)، بحماية كاملة من جيش الاحتلال وحكومته، وضمن خطة مبرمجة وممنهجة كانت بدايتها مع بدء خطة الضم، والتي ما من ريب بأنها ما زالت في طور التطبيق الصامت، دونما ضجيج إعلامي.

وبالموازاة مع ذلك، قالت منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو في فلسطين إن وتيرة الهجمات الاستيطانية ضد التجمعات البدوية المنتشرة على طول امتداد السفوح الشرقية للضفة الغربية والذين يمثلون (حراس البيدر الفلسطيني)، باعتبارها مناطق مفتوحة وغير مأهولة بالسكان وتنعدم فيها خدمات البنية التحتية ارتفعت بشكل كبير، حيث هذا الشكل من الاستيطان يكون فيه المستوطن رأس حربة، ويقوم بالدور الذي لا تستطيع حكومة الاحتلال القيام به بشكل مباشر، فهو استيطان يبدأ من القاع ثم يتجه إلى أعلى رأس الهرم وليس العكس، وتتكامل فيه الأدوار في سبيل الأطباق على الأرض الفلسطينية.

ويهدف المستوطنون من الاستيطان الرعوي إلى إعادة هندسة الوجود الفلسطيني في المناطق (ج)، والسيطرة على ظروف التطور الديمغرافي، وذلك عبر التهجير القسري للبدو لخلق واقع ديمغرافي يتفوق فيه عدد اليهود على عدد الفلسطينيين، وتحويل الضفة الغربية إلى معازل وكونتونات تشبه معازل الهنود الأمريكيين، وعزل الضفة الغربية عن محيطها الخارجي، والسيطرة على الثروات الطبيعية، وصولًا إلى القضاء على أية فرصة لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وديمغرافيًا.

وتُبذر بذور شر المستوطنة الرعوية عادةً بعدد قليل من المستوطنين المسلحين، يقومون ببناء خيمة أو وضع (كرفان)، وإحضار قطيع من الأغنام أو الأبقار إلى تلك المنطقة، بالاضافة إلى جرار زراعي وصهريج للتزود بالماء، وذلك عبر (محاكاة حقيقة للنموذج البدوي الفلسطيني). وبعد ذلك يسعى المستوطنون لمحاولة معرفة السكان الفلسطينيين في تلك المنطقة وجمع المعلومات عنهم وعن تحركاتهم، من أجل التوصّل إلى طريقة للتأثير والسيطرة عليهم من خلال مضايقتهم بشتى الوسائل الممكنة، وتزداد معاناة السكان البدو الفلسطينيين في الأغوار جراء تصاعد وتيرة وحدة اعتداءات المستوطنين عليهم، والتي تتخذ أشكالا متعددة، بدءًا بالتهديد والسرقة، ومحاولة الحرق والتخريب، والإيذاء الجسدي البليغ، والاحتجاز بذرائع واهية، ومنع السكان البدو من الرعي بمواشيهم في المناطق الواسعة المحيطة بهم، وإغلاق مناطق بشكل تام في وجوههم، ومن ثم تتحول إلى بؤرة استيطانية تقوم على فكرة السيطرة على أكبر مساحات ممكنة من الأراضي تفوق التمدد الطبيعي لأية مستوطنة قائمة، ويرفع المستوطنون شعار (أينما تضع اغنامنا أقدامها فتلك لنا)! وقد بدأ تطبيق هذا الشعار في مناطق عديدة، ولكن بدرجة أكثر في منطقة الأغوار باعتبارها مناطق تقل فيها الكثافة السكانية، وتكثر فيها الثروات الطبيعية، وذات مساحات واسعة تمثل ما نسبته 30% من أراضي الضفة الغربية، هذا بالإضافة إلى الأهمية الاستراتيجية لتلك المناطق باعتبارها مناطق حدودية مع الخارج، وهو تجسيد واضح لمفهوم الاستيطان الرعوي، في ظل مخططات الاحتلال لمضاعفة عدد المستوطنين في الأغوار وشرعنة وجودها، وتزويدها بكافة خدمات البنية التحتية.

وقد قلّص هذا الأمر المساحات التي يمكن أن يصل إليها الرعاة الفلسطينيين، فلم يعد بإمكانهم الصعود إلى الجبال المحيطة، لأن اغنام وأبقار المستوطنين هي من تحاصر حدود سيطرتهم، علمًا بأنه قد ظهرت في السنوات الأخيرة سبع مستوطنات رعوية جديدة، تم تشييدها على أساس فكر الاستيطان الرعوي، وسيطرت تقريبا على ما نسبته 80% من الأراضي الصالحة للرعي في تلك منطقة الأغوار، وذلك في مسعى لدفع التجمعات البدوية إلى الرحيل القسري، والقضاء على حلم الوجود الفلسطيني فيها. حيث يعمد المستوطنون إلى تخريب وتدمير المزروعات كالقمح والشعير والمحاصيل، من خلال رعيها بأبقارهم وأغنامهم، بهدف تقصير أمد الوجود الفلسطيني فيها، لتتحول إلى مناطق نفوذ للمستوطنين، وكل ذلك يحدث بحماية جيش وشرطة الاحتلال الإسرائيلي، ويهدد هذا الاستيطان بالقضاء على نمط حياة البداوة الذي توارثه البدو الفلسطينيين عن آبائهم وأجدادهم، كجزء من التراث الجمعي للشعب الفلسطيني، بل هو يطردهم من أرضهم مما يخلق نكبة جديدة ومستمرة، ويحرمهم من الاستفادة من الأرض، مما يخلق مشاكل في مدخولاتهم المالية، ويهدد أمنهم الغذائي، وينعكس سلبًا على الاقتصاد الفلسطيني، والأهم أنه يُحجّم وينهي حلم إقامة دولة فلسطينية طبيعية.

ولمواجهة تلك السياسات الاحلالية (الكونويالية)، أكدت منظمة البيدر أنه لا بد من تكثيف الجهود الدبلوماسية الفلسطينية، وفضح وتعرية ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، حتى لا يتم خداع العالم حول مجريات الوقائع على الأرض، وذلك من خلال عرض وشرح تلك القضية الوطنية والسياسية في جميع المؤسسات الحقوقية الدولية، وتوضيحها للإعلام المحلي والعالمي، من أجل إبرازها بأبعادها الوطنية والسياسية وكقضية حقوق إنسان، وأرسال وفود مختصّة لشرح هذه القضية في برلمانات العالم، كونها قضية ذات صلة وثيقة الصلة بقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة لعام ١٩٤٩، ولائحة لاهاي لعام ١٩٠٧.
وكذلك ضرورة عقد المؤتمرات والندوات وورش العمل للتعريف بخطورة المستوطنات الرعوية، ودعوة سفراء وقناصل وممثلي الدول إليها، ليشاهدوا عن قرب حجم معاناة التجمعات البدوية، وإرسال التقارير اللازمة والدورية بانتهاكات دولة الإحتلال الإسرائيلي لقواعد القانون الدولي الإنساني في تلك التجمعات البدوية، ودعم المتضررين من السكان من خلال توفير كل متطلبات الصمود والبقاء لهم.

disqus comments here