"إسرائيل" تصعد نحو الهاوية

لا تمر ذكرى النكبة في كل سنة على الفلسطينيين، إلا وترشّ الملح فوق جروحهم وتزيدهم شوقاً لأرضهم المحتلة التي هُجّروا منها على يد العصابات الصهيونية قبل 74 عامًا. 

حلّت ذكرى النكبة الماضية عام 2021م في ظل معركة سيف القدس التي أوقظت الفلسطينيين فوق الأرض المحتلة مذكرةً بوحدة المصير والهوية من غزة إلى الضفة المحتلة وصولاً لأرض 48. 

ورغم نجاح المشروع الصهيوني في تخطي رؤية المجتمع الدولي التي دعت قبل 3 عقود لوضع تسوية للصراع وإبرامه اتفاقيات تطبيع مع دول عربية عديدة إلا أن كثيرًا من المفكرين يبشرون بقرب سقوطه. 

المراكمة الفلسطينية تزحف ببطء، لكنها تتقدم وسط صمود شعبي وانفتاح أوسع على الشعوب والمجتمعات في العالم التي أضحت أكثر فهماً للرواية الفلسطينية بعد سلسلة فضائح للاحتلال ارتكب فيها مخالفات قانونية وجرائم ضد الإنسانية. 

صعود نحو الهاوية

هذا الصعود الخدّاع لمشروع الكيان الصهيوني له ما بعده من سقوط يقرؤه كثير من المؤرخين والساسة داخل "إسرائيل" نفسها كان آخرهم "ايهود باراك" رئيس حكومة الاحتلال السابق. 

احتدام الصراع بين الفلسطينيين ومحتلهم وبلوغ "إسرائيل" مرحلة هيمنة سياسية وتقدم اقتصادي وعسكري وانفتاح على حلفاء كثيرين تعيد الصراع للمربع الأول؛ إيذاناً بانطلاق قطار التحرير.

ويؤكد طلال عوكل -المحلل السياسي- أن المشروع الصهيوني يتراجع رغم نجاحاته الظاهرة التي تتجسد في سياسات توسعية على المستوى العربي وفوق رقعة فلسطين التاريخية.

ويضيف : "محاولات المجتمع الدولي لإنجاح تسوية على حدود 67 أفشلتها إسرائيل، وبذلك هي تدفع الصراع للبدايات الأولى صراعَ وجود على فلسطين التاريخية والحقوق المؤجّلة".

تنمو يوماً بعد يوم نبتة الصمود الفلسطيني الذي دافع عن حقوقه الوطنية بلحمه الحي، ونجح مع أصدقائه من أحرار العالم ومقاومته المشروعة في كشف عورة "إسرائيل"، فنمت ضدها حركات مقاطعة، وقامت دعاوى قضائية. 

رحيل حل الدولتين بعد هيمنة الاستيطان وفشل التسوية يفتح باب نقاش حول حل الدولة الواحدة الذي ترفضه أيضاً "إسرائيل"؛ لأن الفلسطينيين سيتفوقون قريباً ديمغرافياً، لذا الأرجح عودة الصراع لأصله القديم. 

يقول أحمد رفيق عوض -المحلل السياسي-: إن الاحتلال بعد 74 عاما على النكبة نجح في تعزيز الاستيطان بالضفة خاصة في القدس، وهو لا يريد التراجع عن هيمنته هناك، لكنه يتمنى الخلاص من غزة.

ويتابع : "الاحتلال متعمق بالضفة، ويعزز علاقاته مع دول الطوق ودول عربية عديدة بالخليج، وهذا نجاح للاحتلال؛ لأنه لم يعد مرفوضاً عربياً بعد فشل التسوية مع الفلسطينيين".

لم يعد المشروع الصهيوني يعتمد على القوة العسكرية فقط؛ بل يستخدم أدوات دبلوماسية وعلاقات دولية على صعيد اقتصادي وسياسي -حسب رؤية المحلل عوض- يطمح من خلالها أن يقود الإقليم.

هيمنة اليمين وزيادة التطرف في "إسرائيل" جعل أحزابها المتدينة ومستوطنيها مصممي ائتلافها الحاكم منذ قرابة عقدين، وفي المقابل زاد الوعي الشعبي الفلسطيني بوحدة الهوية وحتمية المواجهة خاصة في ملف المقدسات والاستيطان. 

الصمود الفلسطيني

التطبيع بين العرب والاحتلال قفز عن عدالة القضية الفلسطينية كنافذة تاريخية لنظم العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والدول العربية وأقصى المبادرة العربية لعام 2002م. 

دول التطبيع أقامت علاقات كاملة مع "إسرائيل" دون حل للقضية الفلسطينية، لذا عاد الفلسطيني ليفكر في صياغة جديدة للصراع تنمو معها اليوم فكرة المقاومة الشعبية الشاملة. 

ويرى المحلل عوكل أن صبر المجتمع الدولي على عنصرية وتطرف الاحتلال وارتكابه جرائم صريحة لن يطول مثلما لم يحتمل ورفض قديماً عنصرية دولة جنوب أفريقيا.

ويشير أن الفلسطيني في هذه المرحلة بعد 74 عاما على النكبة متمسك أكثر بوحدته وحقوقه وهويته ورفع مستوى التحدي للاحتلال بغضّ النظر عن مشهد الانقسام السياسي. 

لم تعد المقاومة الفلسطينية مجسدةً فقط في العمل الفصائلي والسياسي الرسمي؛ بل زادت عمليات المقاومة الفردية، وزاد معها الصدام اليومي بين الفلسطيني ومحتله.

ويصف المحلل عوكل مشهد المقاومة الشعبية الحالي بأنه صدام متقدم يشبه حربا باردة مستمرة في مشهد توتر لن يزول مطلقاً ما دام الاحتلال ماضيًا في برامج تطرف وعنصرية. 

يقرأ كثير من المراقبين مشهد الصراع دون مبالغة في التفاؤل أنه الساعة الأخيرة الأشد حلكة قبل بزوغ الفجر، ولهذا التفسير ما يؤيده من أدلة وواقع يحذر منه مفكرون وساسة في الكيان نفسه. 

ويقول المحلل عوض: "الفلسطيني اليوم في حال أفضل؛ فقد جدد أدواته، وأصبح رقما صعبا، وصار الاشتباك معه مكلفا، وأسقط نظرية أمن الاحتلال، وكشف جبهته الداخلية، وصار جزءا من محور".

يبني الصمود الشعبي الفلسطيني آمالاً على تقدم فهم الشعوب والمجتمعات في العالم للقضية الفلسطينية التي نجح أصحابها في نقل معاناتهم الإنسانية وتوضيح حقوقهم القانونية بعد عقود من هيمنة الرواية الإسرائيلية.

ويؤكد المحلل عوض أن النخب في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ودول أخرى بات كثير منها مقتنعا أن "إسرائيل" ليست واحة ديمقراطية؛ بل تمارس تمييزا عنصريا، وقد زادت المقاطعة ضدها، واعترفت برلمانات عديدة بفلسطين. 

التعاطف البطيء مع عدالة قضية فلسطين وتراكم القرارات الدولية ضد الاحتلال سيصل في النهاية لشاطئ التحرير إذا زاد الفلسطيني من قوة مقاومته الشعبية الشاملة وعياً وإيماناً بوحدة مصيره. 

 

disqus comments here