تفاصيل النكبة .. تواتر عبر الأجيال

 

كما تفاصيل الحياة في المدن والقرى الفلسطينية المهجرة تراوح مكانها في ذاكرة من عاش فيها، فإنها حاضرة في أذهان الأبناء والأحفاد، كذكريات لم يطمسها النسيان.

قبل 74 عاما، هُجّر نحو 950 ألف فلسطيني قسرا من مدنهم وقراهم، تاركين خلفهم منازلهم التي أغلقوها بمفاتيحها، التي ما زالت بحوزتهم محتفظين بها إلى جانب بعض الأوراق القديمة التي تثبت ملكيتهم لأراضيهم وممتلكاتهم، في ذاكرتهم تمر رحلة تنقُّل وتشرّد محفوفة بالمخاطر بسبب المجازر التي كانت ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني، يروونها لأبنائهم وأحفادهم ولكل من يسألهم عن النكبة.

المواطن محمد عمر عمارة (60 عاما) من مخيم طولكرم، باحث وناشط سياسي، يتبع بأصله إلى قرية "مسكة" المهجّرة، بلد أجداده ووالده الذي تركها قسرا بعمر 14 عاما، يقول لمراسلة "وفا" وهو يشير إلى صورة مكبرة لخارطة فلسطين قبل النكبة: "هاي مسكة القرية الزراعية الصغيرة، تقع إلى الجنوب الغربي لطولكرم وتبعد عنها 15 كم".

ويملك عمارة كما يقول 150 دونما هي ملكية جده في "مسكة"، ويصفها بأنها قرية هُجّرت عن بكرة أبيها وطمس الاحتلال معالمها بالكامل، ولم يتبق منها أي شيئ سوى جدار مدرسة قديم.

يحتفظ عمارة بتفاصيل قريته "مسكة"، عن ظهر قلب، رغم أنه لم يعش فيها، بل تلقاها من والده، الذي كان يعي أحداث ما جرى العام 1948، وبقي يحدث بها أبناءه ومن بعدهم أحفاده قبل أن يفارقه الموت قبل عامين عن 88 عاما.

يقول عمارة: "غرس والدي فينا حب "مسكة"، التي كان يردد اسمها بـ"معشوقتي"، لم تغادر تفكيره للحظة، منحه الله ذاكرة قوية يستذكر من خلالها قريته بأدق تفاصيلها اليومية، وكأنها ماثلة أمامه، يريد أن يُعرّف الجميع بها، ودائما يحتفظ بقصاصات ورق في جيبه يكتب فيها كل ما يجول في خاطره عن قريته وينقلها لنا وهو يقول "أكتب خوفاً من النسيان، فالعمر يمر وأخاف أن أنسى فتنسى الأجيال".

ويوضح أن ما يقارب من ثلاثة أجيال مرت منذ العام 1948، الطفل الذي خرج بعمر 14 و 15 عاما كان يعي تماما ما جرى، ويستطيع أن يتخيل طفولته باستمرار أمام الواقع المدمر الذي حدث على حياته ومستقبله وارتباطه بأرضه وممتلكاته.

ويتابع: " كان أبي يحدثني دائما ووالدتي التي غادرت يافا بعمر (13 عاما)، وكل الأجيال التي واكبت هذه النكبة والكارثة، عن طفولتهم وذكرياتهم وارتباطهم بالأرض، والمدرسة، والشجر، والتين، والتوتة والكرم، والبطيخ والبرتقال المسكاوي، والسفر إلى يافا للتجارة ومرافقة الآباء للأجداد والأعراس والأفراح، كلها كانت محل مراجعة دائمة وكأنه يريد ذلك الجيل أن يربينا على مثل ما تربى".

ويقول عمارة: "عن نفسي وكل جيلي الذي عايش آباءه، استمع منهم إلى المآسي والكارثة التي حلت بفلسطين وشعبها من تهجير قسري، وبقينا كجيل ثانٍ نردد ذكريات الأهل ونبحث عن تفاصيلها من خلال زيارة الأماكن المهجرة والبحث في الكتب وكل وسيلة تحمل في عنوانها كلمات تخص النكبة".

ويشير إلى أن هذه المسائل واكبت ذاكرة كل فلسطيني، فآثار النكبة ومجرياتها تناوله الآباء والأجداد على نحو تدريسي وتوعوي، وبالتالي بناء شخصية معرفية بتاريخ أرض الأجداد، وملكية العائلات الأخرى، تعرفنا على أنساب مسكة ووحدة العائلة، مثلا أصل عائلة عمارة "الديخ"، وهناك عائلات من مسكة تنتمي إليها، وهذه معرفة إضافية تقرّب الأواصر والعلاقات وكان يعكس ذلك في المناسبات الدينية والأعياد.

ويقول:"أخبرني والدي أنه لم يكن هناك شيء اسمه أنا أملك وأنت لا تملك، يعني الذي يزرع البطيخ فإنه يوزعه على كل المحيطين به، والجميع يتعامل بنفس الوتيرة، مهما كان محصولهم في ذلك الوقت، فالكل كان يناله شيء منه، أي أن الأسر كانت تتبادل المحصول بطريقة تكافلية جميلة جدا، هذه القيم ، عززت الوطنية النظيفة ما بعد النكبة، وشربت للأبناء على نحو عميق".

ويتابع:"والدي كان حريصا على توعيتنا في الأسرة وبشكل منظم حول النكبة وتداعياتها، خاصة بعد أن رسخ في عقولنا محتوى النكبة الأصلي من فكرة الطرد والتهجير والقتل والملاحقة، كان ينظم جلسات التوعية والتعبئة الوطنية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، عايشتُ بكاء والدي كالأطفال على ما جرى عليه وعلى أهله والقضية الفلسطينية وحماسه في النضال ومقاومة الاحتلال".

ويشدد عمارة على أن القضية الفلسطينية مسؤولية فردية جماعية، حيث أن الأجيال الحالية لم تدرك ولم تتعايش مع النكبة ولم تتلق آثارها، كما أجدادهم، مشيرا إلى أن التواتر في الموضوع مهم، ويجب أن تبقى قضية النكبة متواترة وأن تُنقل إلى الأبناء، بحيث يعاد تكييف الفكر والمسؤولية الوطنية نحو النكبة، وتحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال.

ويبين أن التغلغل للأفكار في نفوس وعقلية وطريقة تفكير وسلوك الأفراد من هذا الجيل، هي مسؤولية حقيقية يجب أن تتولاها المؤسسة الرسمية التعليمية والتربوية في المدارس والجامعات، خاصة ونحن في عصر التكنولوجيا الحديثة حيث بات كل شيء يمكن الوصول له، وعلى سبيل المثال أن يتم طرح مساق الكتروني غير منهجي في تتبع مسار النكبة والقضية الفلسطينية، وتزويد الطلاب بالمراجع، واستغلال المخيمات الصيفية في العطلة الصيفية.

disqus comments here