74 عاماً من التجذُّر في مواجهة فلسفة التهجير

قام كيان الاحتلال الصهيوني منذ نشأته عام 1948 على فلسفةٍ أساسيّة، فلسفة التهجير والإقصاء والإحلال، وتتواصل منذ عام النكبة إلى يومنا هذا محاولات تهجير الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين، لا سيما في النقب والمدن المحتلة عام 48، لكنّ المتفحّص للأمر بعناية يجد أنّ الأمر أبعد من مسألة ترحيلٍ للسكّان لإقامة حديقةٍ هنا أو مقبرة لليهود هناك، بل كل هذه المساعي المحمومة تأتي في صلب فلسفة المشروع الصهيوني المُصاب بكابوس الديمغرافيا.

واستكمالاً لمشروعه التهجير المستمر منذ عام النكبة، يواصل الاحتلال محاولات اقتلاع الفلسطينيين من النقب، والأغوار، والداخل المُحتل عام 48، وبقية مناطق الضفة بشتّى الوسائل والطرق.

الناشط المقدسي صالح دياب أحد سكّان حي الشيخ جراح في مدينة القدس المحتلة يقول لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إنّ حكومة الاحتلال الصهيوني ومنذ قرابة 75 عاماً ترتكب نكبةً جديدة بحق الشعب الفلسطيني، لكنّنا على قناعة بأنّ الشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينيّة ليست للبيع، والشهادة ستكون خيارنا بديلاً عن التششرّد والهجرة واللجوء من جديد.

لن نسمح بنكبةٍ جديدة.. ولا نكسة

ويُشدّد دياب على أنّ شعار الفلسطينيين الآن هو: لا نكبة جديدة، ولا نكسة جديدة"، وهذا الشعار نابع من قناعتنا بأنّنا أصحاب الأرض وأنّ النصرَ قادمٌ لا محالة، وذلك بالرغم من أنّ الاحتلال يبذل كل جهوده لسرقة الأرض وترحيلنا مدعوماً من كل العالم، ويرتكب يومياً جرائم "أبارتهايد" بحق السكّان المقدسيين والفلسطينيين، وهذا نابع من القناعة الصهيونيّة، إلّا أنّنا نقول أنّ النصر لنا وعمّا قريب.

  كان استهداف حي الشيخ جرّاح شرارة اندلاع معركة سيف القدس في مثل هذه الأيّام من العام الماضي، إذ ذكَّرت المقاومة الفلسطينيّة على امتداد جغرافيا فلسطين بأنّه يوجد شعب إلى هذه اللحظة تحت الاحتلال ولن يسمح بنكبةٍ أخرى.

 ومن أبرز المناطق الجغرافيّة التي يسعى الاحتلال لسرقتها وتحويلها إلى مشاريعٍ استيطانيّة هي مناطق: قرية العراقيب والنقب المحتل، الأغوار، مسافر يطا، حي الشيخ جرّاح، سلوان.

بدأت الأطماع بشأن الشيخ جراح منذ عام النكسة في العام 1967، ويؤكد دياب أنها منذ زمن أبعد عن العام الماضي 2021 عندما هجم جنود الاحتلال ومستوطنوه على منزله ومنزل عائلة حنون واندلعت الهبة الكبرى.

هذا الرجل المقدسي يتظاهر منذ 14 عاماً يتظاهر وينظم المظاهرات بشكلٍ أسبوعي وقال للصحافة في ذلك الوقت: "الاحتلال ينوي تنفيذ مخطط لتهجير جميع أهالي الحي".

يضيف بأن أحداً لم يصدقه إلى "أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه من حالة التهجير الممنهج للفلسطيني المقدسي واستبداله بالمستوطنين".

يرى دياب جلياً أن تبِعات هذا التهجير، هو طرد المقدسي من القدس، إذ لن يجد أحد بيوتاً خالية للإيجار، والجميع يعلم أنّ المعيشة غالية وليست بسيطة بفعل تضييق بلدية الاحتلال على المقدسيين، حيث تمنعهم من ممارسة الأعمال والمهن وتفرض عليهم تكاليف باهظة لرخص العمل، وكل هذه المحاولات تسعى لتهجير الفلسطينيين إلى خلف جدار الفصل العنصري، أي تهجير داخلي، وكي لا يخسر المقدسي ما يُسمى "التأمين الوطني" فعليه الذهاب إلى العيش في مُخيّم شعفاط للاجئين الفلسطينيين أو في منطقة كُفرْ عقب، وهذه وجهة نظر الاحتلال.

 

الناشط صالح دياب

ومن خلال متابعته للمجريات كناشطٍ مقدسي، يؤكد دياب أنّ سلطات الاحتلال تُسابق الزمن لتأمين المستقبل للمستوطنين وعائلاتهم عبر سرقة منازل الفلسطينيين في حي الشيخ جراح أو من خلال هدمها  في سلوان أو في راس العامود وجبل المكبّر وبيت صفافا حيث ينوون تنفيذ مخططٍ استيطاني ضخم جداً فيها، إضافة إلى سرقة آلاف الدونمات من قرية الولجة لصالح المشاريع الاستيطانيّة من أجل تحقيق ما يُسمى مشروع "القدس الكبرى" من منطقة "غوش عتصيون" وحتى رام الله، وهذه كله يقضى على ما يُسمى بـ"حل الدولتين" الذي هو عبارة عن كذبة كبيرة.

يمزّقون الجغرافيا

اصطحب دياب قبل أيّام وفداً أوروبياً إلى منطقة سكناه هو وفاطمة سالم، يقول: اصطحبتهم إلى أين نسكن بالضبط على الحدود ما بين الأراضي المحتلة عام 1967 و1948 وشاهدوا معاناتنا بالصوت والصورة وأخبرناهم أنّ الاحتلال ينوي في هذه المنطقة إقامة حي استيطاني مكوّن من 450 وحدة للمستوطنين ويسابقون الزمن من أجل تهجيرنا وتنفيذ هذا المُخطّط.

يؤكد أنّ عدد الفلسطينيين في القدس وغزّة والضفة والداخل المحتل يفوق عدد المستوطنين، إذ أنّ هناك 7.5 مليون فلسطيني مقابل 7 مليون مستوطن، "أي نحن أكثر منهم في حسبة الديمغرافيا، ولكنّ الأخطر هو أنّهم يحاولون السيطرة على منطقة ما يسمونها "يهودا والسامرة" أي الضفة، أو منطقة الغور، وبمعنى آخر يريدون تمزيع الجغرافيا إلى قطعٍ متناثرة كل لا تقوم في يومٍ من الأيّام دولة فلسطينيّة مستقلة". 

يقول دياب: إن مبدأ الصهاينة هو أنّه لا يوجد شيء لنا عندهم، بل الأرض والسماء والبحر لهم، ولكن كما دائماً نبلغ الوفود الأجنبيّة بأنّ تخبرهم وتوصل لهم رسالة بأنّ يجهّزوا جوازات سفر أخرى كي يهاجروا من خلالها، لأنّه لا يوجد مكان لهم على هذه الأرض، واليوم لديهم قناعة بأنّ هذا الشعب يختلف عن بقيّة الشعوب وصاحب إرادة فولاذيّة ولن يرفع الراية البيضاء مهما مرّت السنين، حتى أنّ عدداً كبيراً من المستوطنين والمهاجرين صرّحوا علناً لحكومتهم: "ضحِكتم علينا، أهذه هي العسل والمنّ والسلوى!!، أنتم تقومون على أرض شعبٍ آخر بقوّة السلاح وتكذبون على كل العالم"، وأنا أؤكّد لكم أنّ الهجرة العكسيّة من الكيان أصبحت بمعدلاتٍ كبيرة ولكنّهم يتكتمون على هذا الأمر، لكن هذا نراه بأعيننا.

تقصير كبير

 وبحسب دياب فإنّ التقصير مع أهالي القدس والمناطق المستهدفة كبير جداً، والتطبيع الذي أقدمت عليه بعض الدول العربيّة مؤلم جداً، مضيفاً بأنه في ذات الوقت وفّرت دول العالم لدولة أوكرانيا خلال شهرين فقط كل الدعم والأموال والأسلحة، فيما الشعب الفلسطيني منذ 100 عام تحت الاحتلال إلى يومنا هذا ولم يرى منهم شيئاً رغم أنّ هذا العدو الصهيوني جاء لتهجيرنا وخلع هويتنا وسرقة أرضنا ويزوّر التاريخ ويدّعي أنّ الأرض والأكل والثوب له، وليس كبقية الاحتلالات التي كانت تأتي لسرقة ثروات الشعوب وتمضي.

مضايقات وضغوط لا تحتمل يعيشها الفلسطينيون في حي الشيخ جراح، وهم بالأصل لاجئون فلسطينيون من الاراضي المحتلة عام 1948، ولكن بحسب دياب فإن الفلسطيني سيبقى صامداً في أرضه لأنّنا "قد التحدي"، وهذه حرب "نكون أو لا نكون"، والمقاومة والأعمال الفدائية دائماً ما تعطي الدافع للصمود.

أساليب التهجير

يستخدم الاحتلال أساليب عدة تهجير في تهجير الفلسطينيين من قراهم ومدنهم وأحيائهم مثل: استخدام قوّة السلاح كما حدث إبان حروب 1948 و1956 و1967، أو إعادة هندسة الوضعية القانونيّة الشخصيّة في الأراضي المحتلة ما يُساهم في حرمان الفلسطينيين من الحق في العيش داخل الأرض التي هي ديارهم بالأساس، أوّ ما يُسمى "التخطيط الحضري" القائم على التمييز والذي يبدو جلياً من خلال تشجيع التوسّع اليهودي وتكبيل التوسّع الفلسطيني في القدس والأغوار والنقب.

ومع اقتراب ذكرى النكبة الـ74 يواصل الاحتلال التخطيط الحضري وهو عبارة عن حجّةٍ سامّة تُهدَم من خلالها مئات المنازل بشكلٍ كامل بذريعة أنّ البناء غير مشروع، أو تم من دون ترخيص، وفي المقابل من المُحال أن يحصل الفلسطيني على إذنٍ أو ترخيصٍ يسمح له بالبناء، في إطار سياسة تشديد الخناق على السكّان، ومنهم اللاجئون، وذلك لتشتيتهم وتشريدهم هنا وهناك.

ومن ضمن الأساليب أيضاً التي يتّبعها الاحتلال هو تجريد الفلسطيني من ممتلكاته بموجب قوانينٍ تمييزية تؤدّي في نهاية المطاف إلى إخلاء الفلسطيني لمنزله قسراً، أو الترحيل بموجب ذرائع أمنيّة ويعتبر هذا الأسلوب في الترحيل ذائع الصيت في كامل الأراضي الفلسطينيّة المحتلة ومنذ بداية الاحتلال.

الصندوق القومي اليهودي.. خطر كامن

لكنّ الخطير وسط كل هذه الأساليب، هو أنّ هناك حرباً صامتة يخوضها ما يُسمى "الصندوق القومي اليهودي" الذي ينشط لتسجيل أراضي الفلسطينيين في الضفة بما فيها القدس، باسمه، لتكون ملكيّتها لليهود فقط، وهو ما يُعدّ مرحلةً جديدةً من شرعنة الاستيطان اللاقانوني بموجب القوانين الدوليّة.

في هذا الإطار، يعتبر مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربيّة في القدس، خليل تفكجي، أنّ المقصود من تسجيل الأراضي باسم الصندوق القومي اليهودي هو تسجيلها لليهود فقط، بعيداً عن ضمّها لأملاك "الدولة" التي هي من المفترض لجميع السُكّان، وهذا ما حدث في قضية العفولة والناصرة في وقتٍ سابق.

 ويحذر تفكجي من التداعيات السياسيّة لمثل هذا القرار، وأنّ هذا ما سيحدُث مع الكثير من المنازل والأراضي الفلسطينيّة، أي أنّ البناء الاستيطاني الذي سيتم على هذه الأراضي سيكون مملوكاً لليهود، حتى لو صدرت قرارات بشأنه من حكومة الاحتلال أو من المحكمة العليا التابعة له، أي عبارة عن أملاك وقف لا يمكن إرجاعها لأصحابها.

وتأسّس "الصندوق القومي اليهودي" في عام 1901، على يد ثيودور هرتزل، مؤسّس "الصهيونية السياسية" المعاصرة "كحلمٍ ورؤية لإعادة تأسيس وطن في إسرائيل للشعب اليهودي في كل مكان".

disqus comments here