المجلس المركزي الـ31 مقدمات ونتائج وتداعيات ...

(1)

فشل الدعوات المتكررة لإجراء الانتخابات

 

■ في نظرة فاحصة للمشهد الفلسطيني، يتبين لنا بوضوح أنه حافل بالنضال والتضحيات، لكنه في الوقت نفسه مشهد متناقض المعالم يجمع الشيء (التقدم) ونقيضه (النكوص) تحت سقف واحد. أما السبب الرئيسي في كل هذا، فيعود إلى إنقسام مؤسسي يستقوي بالجغرافيا، ويتغطى بالسياسة، وهو خلاف لم تشهد الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة مثيلاً له، وبهذا العمق، في أي من محطاتها الخلافية السابقة، سياسية كانت أو تنظيمية، التي لم تكن قليلة على أية حال.

من هنا يتوجب التأكيد أن تحتل مسألة إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الموقع المتقدم في أجندة العمل الوطني الفلسطيني. ولا شك أن هذه المسألة أخذت حيِّزاً مهماً من إنشغالات القوى الفاعلة في الحالة الفلسطينية، كما أخذت حيِّزاً ملموساً في إهتمامات بعض الدول العربية، مصر خاصة، والآن، تقدمت الجزائر لمدِّ يد العون، إلى جانب القاهرة، في سبيل هدف واحد، وهو إستعادة الوحدة الداخلية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، الذي تكاثرت أمراضه، وبات في حالة وهن، تفقده القدرة على الاستجابة لمتطلبات المشروع الوطني بالمستوى المطلوب، وعلى تحمل أعباء القضية الوطنية، وهي من أصعب قضايا التحرر الوطني التي شهدها العالم.

 ■ومن بين أهم الآليات التي طرحت لتجاوز هذا الوضع إحتلت موقعاً متقدماً موضوعة تنظيم الانتخابات العامة، باعتبارها تقدم الحل الديمقراطي لمسألة الانقسام، بحيث تحدد خطوات حلها مُخرجات صندوق الاقتراع. غير أن التجربة التي عشناها حتى الآن تُبيّن أن الإجماع على الانتخابات كمخرج للمشكلة المطروحة، لا يعني أنها الحل الأكيد الذي يضعنا على الطريق السالك، لاعتبارات عدة وأهمها أن الانتخابات، في حال وقوعها، وإن كانت تقود إلى إعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية، إلا أنها تطرح في الوقت نفسه على بساط البحث مسألة السلطة، التي سيتعلق مصيرها، ومصير من ستؤول إليه، على مُخرجات صندوق الاقتراع. وهو الأمر الذي لا يُضمن أن يلتزم الطرف المتنفذ باستحقاقاتها، عندما لا يَضمن نتائجها لصالحه.

■ منذ العام 2010، ولست مرات متتالية دُعي للانتخابات، ومنها الدعوة الأخيرة التي صدر في 15/1/2021 المرسوم بتنظيمها بمحطاتها الثلاث: التشريعي، الرئاسي والمجلس الوطني بالتتالي والترابط، بعد حوار مُضنٍ بين الفصائل الفلسطينية وضعت اللمسات الأخيرة عليه جولتي الحوار الوطني الشامل بالقاهرة في شهري 2 و3/2021. غير أن مركز القرار في القيادة الرسمية قرر في 29/4/2021، وبشكل منفرد، ودون أي تشاور مع أي من الأطراف الفلسطينية المعنية، تأجيل (إلغاء) الانتخابات حتى إشعار آخر، معلقاً إجراء الإنتخابات على الموافقة الإسرائيلية على تنظيمها في القدس المحتلة عام67، علماً أن الحكومة الإسرائيلية أحجمت عن إعطاء رد رسمي على إجراء الإنتخابات في القدس الشرقية (أي أنها لم تعترض، ولم توافق في الوقت نفسه)، باعتبارها في وضع «تصريف الأعمال». 

■ لقد كان واضحاً للجميع أن قرار تأجيل الإنتخابات ليس أكثر من ذريعة لإلغائها، وقد كان باليد أكثر من وسيلة لخوض معركة تنظيم الانتخابات في القدس، باعتبارها أحد فصول خوض المعركة ضد الإحتلال، مستفيدين من الموقف الإيجابي لعدد من الدول الأوروبية حيال هذا الخيار.

وهكذا، فإن الانتخابات، مع أنها كانت موضع إجماع – تبيّن أنه كان لفظياً لدى الطرف المتنفذ - لم تعد حلاً مضموناً لإنهاء الانقسام لأنها باتت محكومة بأولوية الإستمرار في مواقع السلطة، الذي يعني أن تنظيمها سيبقى خاضعاً لحسابات كل من الطرفين، واستعداده فقط لخوضها، إذا ما رأى، لا بل تَيقَّنَ في نتائجها المفترضة ما يخدم مصالحه■

 

(2)

مبادرة الجبهة الديمقراطية

 

■ هذا ما سجلته الجبهة الديمقراطية، وهي، من موقعها، في خضم السعي لإنهاء الإنقسام واستعادة الوحدة الداخلية، حيث أدركت أن عنصر «مسألة السلطة»، في الخلافات الفلسطينية الداخلية هو عنصر جديد ووازن في تجارب الخلاف الوطني على مدى عمر الحركة الوطنية المعاصرة، وأن المسألة لا تقف عند حدود الرؤى والمشاريع السياسية والتنظيمية وتباين المواقف إزاءها، وبالتالي فإن الحل لا يقتصر على الوصول إلى قواسم مشتركة، ولا يقف عند حدود إجتراح برنامج الحد الأدنى الذي من شأنه أن يعيد التوافق الوطني.

■ منذ 14/6/2007، بات الصراع بين طرفي الانقسام، إلى جانب كونه صراعاً سياسياً وبرنامجياً، صراعاً على السلطة، وأن أي حل لا يأخذ بعين الاعتبار مصالح الطرفين، لا يمكن له أن يشق طريقه، بما فيه الانتخابات كما أسلفنا، ما لم يقترن بتقديم ضمانات تكفل الحد المنطقي والمقبول من مصالح الطرفين، الأمر الذي لا نستثنيه وحتى لا نرفضه من حيث المبدأ، إنما ضمن الحدود التي لا تلحق الضرر بمصلحة العمل الوطني، وبالتالي فالانتخابات لا تشكل حلاً لمشكلة الإنقسام، خاصة إذا ما قرأ فيها أحد الطرفين مساساً، أو إنتقاصاً فعلياً من موقعه في السلطة.

■ لذلك أطلقت الجبهة الديمقراطية في 16/1/2022 مبادرة للحل من أجل تجاوز الإنقسام واستعادة الوحدة، وإنهاء الهيمنة والتفرد، حاولت من خلالها أن تجسر الخلاف القائم بين «السلطتين»، باعتماد آلية تقوم على التزامن بين إنعقاد المجلس المركزي، يضم الكل الفلسطيني، تنبثق عنه لجنة تنفيذية جامعة، وبين تشكيل حكومة وحدة وطنية تنجز توحيد وزارات وإدارات السلطة في كل من الضفة والقطاع. وفي هذا تجاوز لشروط الطرفين لحل أزمة الانقسام: شروط حركة فتح التي تعطي الأولوية لحكومة وحدة وطنية تلتزم قرارات الشرعية الدولية، والاتفاقات الموقعة، وبعدها أي بعد أن تستعيد حكومة الوحدة الوطنية سلطتها على القطاع إلى جانب تلك التي تمارسها في الضفة، تفتح أبواب م.ت.ف أمام الطرف الآخر، أي حركة حماس التي، وبالمقابل، تشترط البدء بإعادة بناء المنظمة، مع بقاء سلطتها في غزة باليد، وبعدها يُفتح ملف تشكيل الحكومة.

■ من الواضح أن هذين التصورين المتعاكسين بشروطهما لحل أزمة الإنقسام، إنما يدلان على غياب عنصر الثقة بين الطرفين، لذلك تقدمت الجبهة الديمقراطية من خلال مبادرتها للحل القائم على التوازي والتزامن، الذي من شأنه أن يأخذ بعين الاعتبار مصالح الطرفين ومخاوفهما، ويقدم – في الوقت نفسه - حلاً عملياً لمسألة فقدان الثقة. إن المقاربة الواقعية المتوازنة التي تقوم عليها المبادرة تحفظ لكل الأطراف حقوقها ومصالحها على قاعدة صون المصلحة الوطنية العليا التي يجب أن تسمو على أي مصلحة أخرى.

■غير أن هذه المبادرة التي لقيت ترحيباً من أوساط واسعة لم تشق طريقها بعد، لافتقارها لقوى منظمة حاملة لها، تتمتع بالقدر المطلوب من الزخم اللازم، لاختراق خطوط الانقسام، واقعاً وثقافة.

ومع ذلك فإن الجبهة الديمقراطية ما زالت تعتبر أن هذه المبادرة مازالت تشكل قاعدة صالحة لإطلاق آليات لاستعادة وبناء الوحدة الداخلية لأنها تشكل – وحتى إشعار آخر- الطريق الأقصر لإدراك التوافق على استحقاق الانتخابات العامة، شرط أن تتوفر الإرادة السياسية لذلك.

■ وأخيراً نؤكد على مايلي: لا بديل عن إستعادة الوحدة الوطنية/الداخلية في إطار منظمة التحرير، ولن تقود الدعوة إلى ما يسمى بـ «الفرز»، أو ما يشاكلها، سوى إلى مزيد من التشرذم في الحالة الوطنية، مستذكرين أن جميع المحاولات التي بُذلت فيما مضى لصناعة بدائل لـ م.ت.ف باءت بالفشل الذريع، والشعب الفلسطيني رغم إدراكه للنواقص البنيوية التي تعتور أوضاع المؤسسة – الأم، أي م.ت.ف، مازال شديد التمسك بها طالما بوابات إصلاح أوضاعها مازالت قائمة، وهي ممكنة ما أن تتوفر الإرادة الصادقة المرتكزة إلى نسبة القوى التي تخدمها■

 

(3)

المركز القيادي الموحد للمقاومة الشاملة

 

■ إذا كان إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية هو الاستحقاق الأول الذي يواجه الحركة الوطنية الفلسطينية، فإن الاستحقاق الثاني يتمثل في العمل على توحيد المقاومة الشعبية الموزعة بؤراً ملتهبة في كافة أنحاء المناطق المحتلة عام 67 تحت قيادة وطنية موحدة، تستنهض كل عناصر القوة لصالح مقاومة شاملة على طريق التحول إلى عصيان وطني عام لدحر الاحتلال وطرد المستوطنين، الأمر الذي يتطلب تطوير هذه المقاومة إلى مقاومة متواصلة على مثال المقاومة التي عشناها بمختلف فصولها إبّان «معركة القدس» من 13/4 إلى 21/5/2021، والتي غطّت بفعالياتها الوطن بجناحيه (48 + 67)، فضلاً عن الشتات، واعتمدت أشكالاً متعددة من المواجهة والإشتباك، راعت خصوصية الظرف السياسي والجغرافي في كل مكان، فتكاملت بأشكالها وفيما بينها في مجرى النضال الموحد.

وغني عن القول أن الاستجابة لاستحقاق توحيد المقاومة الشعبية الشاملة في ظل قيادة مركزية، إنما يستعيد ما تم التوافق عليه في اجتماع الأمناء العامين بين رام الله وبيروت، في 3/9/2020، الذي قرر إقامة قيادة وطنية موحدة تؤطر ببرنامجها ومحطاتها القيادية الوسيطة المقاومة الشعبية على طريق توفير شروط العصيان الوطني المنشود■

 

(4)

أهمية صون مكانة وموقعية منظمة التحرير

 

■ بات علينا أن نلاحظ ما تؤكده التجربة والوقائع الصلبة من أن السلطة الفلسطينية ورغم مرور ثلاثة عقود على إنشائها، لم تشكل محطة إنتقالية على طريق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس. بل إن التطورات تؤكد أن الأمور عكس الأوهام والرهانات الفاشلة التي روَّج لها كثيراً أصحاب اتفاق أوسلو، فالاستيطان في حالة توسع دائم، يبتلع الأرض، ومشاريع تهويد القدس وطمس معالمها الوطنية والدينية تتوالد بشكل دائم، في ظل تدفق للمستوطنين على الضفة، وتصاعد في أعمالهم العدوانية ضد شعبنا، تتلاقى مع عمليات القمع والبطش اليومي لقوات الاحتلال، التي تحمي إستعماراً منهجياً زاحفاً لأراضي الضفة الغربية.

■ في الوقت نفسه، تتراجع صلاحيات السلطة الفلسطينية، التي تجمد وضعها عند مكانة الحكم الإداري الذاتي، لصالح توسع صلاحيات الإدارة المدنية لسلطات الاحتلال، ما يقود إلى إنكماش نفوذ السلطة، وانحسار هيبتها، وهي غارقة في أزمات مالية واقتصادية آخذة بناصية بعضها البعض، في ظل حالة عجز عن توفير حلول لها في ظل قيود إتفاق أوسلو، وأحكام بروتوكول باريس الاقتصادي، وسطوة الاقتصاد الإسرائيلي على الاقتصاد الفلسطيني المستتبع بالمعنى الكولونيالي للكلمة؛ ما يؤكد بطلان الحديث عن مشاريع تنموية في مناطق السلطة الفلسطينية، وبطلان الحديث عن التقدم نحو بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، خاصة وأن السلطة نفسها تفتقر إلى ركائزها المؤسساتية، ومن بينها المجلس التشريعي الذي تم حله عام 2018، وما زالت الدعوات لانتخابات بديلة تصعد وتموت، ما يجعل الأمور والأوضاع تزداد سوءاً، والحالة المؤسسية تزداد إهتراء، وإدعاءات السلطة عن النمو والتقدم، تزداد إنكشافاً وتهافتاً أمام الوقائع الدامغة.

 ■إن الخروج من هذه الدائرة المفرغة، لا يكون إلا باتباع مسار بديل يقوم على مغادرة طريق أوسلو بكل تبعاته واستحقاقاته، بما هو تأبيد لحالة الاستعمار الاستيطاني لأرضنا، مسار بديل يقوم على استعادة الوحدة الداخلية وإنهاء الانقسام، وإطلاق أوسع مقاومة شعبية شاملة، واستعادة دور م.ت.ف، باعتبارها الكيان الوطني الجامع، والممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، والتي إن جُرِدَت من صفتها التمثيلية الشاملة ومكانتها السياسية والقانونية سوف يترتب على ذلك إطلاق مسار تفكيكي شديد الخطورة على واقع الحركة الوطنية يقودها إلى مهوار ينطوي على مخاطر تبديد الاعتراف بحق تقرير المصير لشعبنا المسلم به، دولياً وأممياً، والذي منه تشتق سائر الحقوق الوطنية لشعبنا في العودة إلى الديار والممتلكات والدولة المستقلة السيدة الحرّة بعاصمتها القدس وعلى حدود حزيران (يونيو) 67. أي بتعبير آخر، وأكثر وضوحاً، إن المس بموقع م.ت.ف ومكانتها من شأنه أن يبدد تضحيات ونضالات ومكاسب شعبنا الفلسطيني على مدار أكثر من نصف قرن من النضال المتواصل، وأن ينتقص – بالحد الأدنى – من المكاسب السياسية التي حققتها■

 

(5)

الأجواء التي أحاطت بدورة المجلس المركزي

 

■ هذه القضايا، كما ملفات أخرى، كانت على جدول أعمال الدورة 31 للمجلس المركزي الفلسطيني، ووفقاً لمبادرتها لإنهاء الانقسام، دعت الجبهة، لتكون هذه الدورة متميزة، بحيث تشارك فيها كافة أطراف الحالة الوطنية الفلسطينية، من موقع الإنتماء الحقيقي إلى م.ت.ف، الإطار الوطني الجامع، الذي يشكل الجبهة الوطنية المتحدة للشعب الفلسطيني، دون أن يشترط ذلك إسقاط التباينات والخلافات في وجهات النظر، مادام البرنامج الوطني المشترك هو الجامع لكل القوى.

بدلاً من ذلك تحولت الدعوة إلى عقد دورة المجلس إلى محطة خلافية عميقة، لم تشهدها الدورات السابقة، بما فيه الدعوة للدورة 23 للمجلس الوطني الفلسطيني، التي لم تتعرض لمثل هذه الحملات التشكيكية، التي واجهت الدعوة للمجلس المركزي. ولا شك أن عدداً من الاعتبارات السياسية المؤثرة لعبت دوراً في صناعة هذا التباين الواسع بين ردات الفعل على كل من الدعوتين.

 ■الدعوة للمجلس الوطني الـ 23 جاءت في سياق وضع فلسطيني توحد ضد «صفقة القرن»، التي ابتدأت- 12/2017 تطل برأسها إعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها. كذلك جاءت بعد شهور قليلة على عقد الدورة الـ 28 للمجلس المركزي التي طوَّرت قرارات الدورة  27 التي سبقتها في آذار (مارس) 2015 نحو الخروج من إستحقاقات إتفاق أوسلو من خلال وقف العمل بالمرحلة الانتقالية. وحتى الأطراف التي قاطعت دورة المجلس الوطني وجدت نفسها أمام نتائج لهذه الدورة لم تستطع تجاهل إيجابياتها، وما تحمله من نقلة سياسية إلى الأمام، يمكن أن تشكل أساساً سياسياً لاستعادة الوحدة الداخلية.

■ لذلك، توحد الخطاب السياسي الفلسطيني، بعد دورة المجلس الوطني الـ 23، والتقى على التمسك بقرارات هذه الدورة، وفي التأكيد على ضرورة العمل على تطبيقها. وبالمقابل، تمت الدعوة إلى الدورة الـ 31 للمجلس المركزي الفلسطيني في سياق مختلف. فقد انقضى على الدورة 23 للمجلس الوطني ودورتي «المركزي» (29+30) حوالي 4 سنوات، ومازالت قراراتها معطلة بفعل سياسة القيادة الرسمية في الرهان على الوعود الأميركية وعلى «الرباعية الدولية» في إحياء المفاوضات، باعتبارها الخيار الوحيد لقيادة السلطة على حساب الخيارات الأخرى. وهو ما يُحَمِّل قيادة السلطة جانباً مهماً من المسؤولية في إضعاف المؤسسة الوطنية بعيون المواطنين وفي حسابات القوى السياسية، ويبرر دعوتها إلى إصلاح المؤسسة وإعادة بنائها على أسس إئتلافية، بعيداً عن سياسة الهيمنة والتفرد.

■ أكثر من هذا، فقد ذهبت القيادة الرسمية حين انقلبت في 17/11/2020 على كافة التوافقات الوطنية التي توصلت لها أطراف الحالة الوطنية، بما في ذلك القرار القيادي في 19/5/2020 بالتحلل من الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومخرجات إجتماع الأمناء العامين في رام الله – بيروت في 3/9/2020.

كذلك إنقلبت القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية على التوافقات الوطنية لتنظيم الانتخابات العامة، على طريق إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته والتأسيس لإنهاء الانقسام بالأساليب الديمقراطية عبر اللجوء إلى صندوق الاقتراع. فأعلنت – كما سبقت الإشارة - تأجيل (إلغاء) الانتخابات بحجج واهية.

■ وزاد من تعقيد الأجواء السياسية وزيادتها إضطراباً فشل طرفي الإنقسام في التوصل إلى ما يمكن تثمير الصمود البطولي لشعبنا وانتصاراته في معركة القدس، ما زاد التباعد بينهما، فازداد كل منهما تصلباً وراء شروطه لإنهاء الانقسام يرمي كل منهما من خلالها صون موقعه السلطوي ودون تقديم أي تنازلات ذات مغزى، قد تسهل الوصول إلى توافقات تفتح الباب لاستعادة الوحدة الداخلية... وضمن هذه الأجواء إنعقدت الدورة الـ 31 للمجلس المركزي.

■ إن تضافر هذه العوامل وغيرها هي التي تفسر نزوع أوساط واسعة من الرأي العام الفلسطيني لاستقبال قرارات المجلس المركزي بفتور شديد، إن لم نقل بلامبالاة، إنطلاقاً من فقدانها الثقة بجدية مركز القرار الرسمي واستعداده للالتزام بما يتم التوافق عليه وإقراره وطنياً. لذلك لم يتعرض مضمون القرارات للنقد، باعتبارها تستعيد ما سبق إعتماده بالإتجاه العام منذ الدورة 27 للمجلس المركزي-2015، بل تعرضت للطعن من زاوية مدى جدية الإلتزام بتنفيذها. ومن الطبيعي التأكيد أن مثل هذا الجو يعكس ضعف ثقة الشارع السياسي بمركز القرار الرسمي، وصولاً إلى الطعن بأهليته■

 

(6)

مخاطر عبور الحلول التصفوية من بوابة الإنقسام

 

■ يظل الانقسام هو الثغرة الكبرى في جدار الصمود الفلسطيني، التي تعترض القضية الوطنية وتُشَرِّرع أبوابها أمام كل أشكال التدخل والعبث الداخلي والإقليمي، ويعمل على تخفيض السقف السياسي الفلسطيني، خاصة وأن الانقسام بات يأخذ أشكالاً أكثر خطورة تُنبيء بالانتقال إلى مزيد من الافتراق، قد تشجع تبنى أفكار سلبية على غرار التفكير بفبركة مؤسسات تمثيلية موازية، أو في الحد الأدنى التشكيك بشرعية المؤسسة الوطنية القائمة، ما يعزز سياسة الاحتلال في إسقاطه للحقوق الوطنية، وفي رفع منسوب أعماله العدوانية، ويفتح الباب أمام تقدم مشاريع «السلام الإقتصادي» بتنويعاته: «إجراءات بناء الثقة»، «تقليص الصراع»، «التهدئة مقابل الغذاء»، الخ.. وأياً كانت أساليب إنكار التعاطي مع هذه المشاريع، فإن الوقائع الدامغة، توفر دلائل على أنها مشاريع وجدت طريقها إلى التنفيذ كأمر واقع، فشلت السلطتان في الضفة وفي غزة في التفلت منها، أو طرح بدائل لها.

إن إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الداخلية واستعادة التوافق على البرنامج الوطني، هو الذي يعالج كافة هذه الظواهر ويلجم هذه التطورات ويطرح بدائلها الوطنية. وفي هذا السياق مازالت مبادرة الجبهة الديمقراطية- 16/1 مطروحة على جدول أعمال الحالة الوطنية باعتبارها السبيل الواقعي والعملي لإنهاء الانقسام.

■ لقد أثبتت التجربة أن النظام السياسي الفلسطيني بات متخلفاً عن تحمل مسؤولياته الوطنية وترجمة واجباته نحو القضية الوطنية في المجالات المختلفة، ما يتطلب إصلاحه وتطويره، إن لم يكن إعادة بنائه على أسس ديمقراطية، وإن كانت الإنتخابات العامة في المدى المباشر هي الشكل الأفضل لمقاربة هذا الطرح، فإن مبادرة الجبهة الديمقراطية تقدم المخارج العملية التي تقود إلى هذه المحطة (الإنتخابات) وما يتلوها (إستعادة الوحدة)، من خلال إعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ائتلافية وفق مفاهيم وقيم حركات التحرر الوطني، وإعادة تقديم قضية شعبنا قضية تحرر وطني لشعب تحت احتلال إستعماري إستيطاني عنصري، ومن أجل حقوقنا الوطنية المشروعة، كما تؤكدها وتكفلها قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، في العودة وتقرير المصير والاستقلال والسيادة■

 

(7)

أهمية قرارات المجلس المركزي تكمن بتنفيذها

 

■ تبقى أهمية قرارات المجلس المركزي رهناً بالتنفيذ. وهو ما يضع القوى الوطنية والديمقراطية أمام معركة جديدة تستهدف الضغط على اللجنة التنفيذية، أو القيادة السياسية للسلطة، وحكومتها لترجمة قرارات المجلس المركزي لسياسات وإجراءات وخطوات فاعلة، بعيداً عن رهانات أثبتت الوقائع فشلها. إن صدقية القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية فضلاً عن صدقية المؤسسات الوطنية طرحت على المجلس مرة أخرى. ما يتوجب على القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية الحريصة على صون المؤسسة وصون برنامجها الوطني وصون حقوق شعبنا أن تعمل على تعزيز دور الحركة الجماهيرية، بمؤسساتها وأطرها وآلياتها المختلفة للضغط في سبيل تنفيذ قرارات المجلس، فضلاً عن الدور الواجب أن يقوم بأعبائه ممثلو هذه القوى في هيئات م.ت.ف، كهيئة رئاسة المجلس الوطني، واللجنة التنفيذية، واللجان البرلمانية للمجلس الوطني، الخ...

■ لم يعد خافياً أنه بدأت تطل برأسها دعوات تتراوح بين العمل على التشويش على م.ت.ف، ممثلاً شرعياً ووحيداً، التشكيك بموقعها السياسي والقانوني والتمثيلي، أو حتى التفكير ببناء بدائل للمنظمة، تحت عناوين مختلفة، من شأنها أن تسهم في شق الحركة الجماهيرية، وإضعاف دورها، وجر شرائح منها إلى مواقع تساهم في تعزيز لغة الانقسام ولغة الافتراق عن التيار المركزي للحالة الوطنية.

وإذا كانت – كما أشرنا - التجارب السابقة قد أثبتت، والوقائع تثبت فشل إمكانية بناء بدائل لمنظمة التحرير الفلسطينية، فإن هذا لا يلغي إمكانية التشويش عليها وإمكانية التشكيك بها، هنا أو هناك.

■ إن الرد على هذه السياسات يكون بالتمسك بالدعوة إلى إنهاء الإنقسام، واستئناف الحوار الوطني الشامل، وتعزيز دور مبادرة الجبهة، عبر تعزيز التأييد والدعم الجماهيري لها، في إطار العمل لتعزيز الفعل الجماهيري بشكل عام، وعلى قاعدة التمسك بالبرنامج الوطني، والحقوق المشروعة لشعبنا، وخيار المقاومة الشعبية الشاملة، واستعادة الدروس الذهبية لمعركة القدس، وتجاربها الغنية.

ويبقى العمل الضاغط، بشكل يومي لترجمة قرارات المجلس المركزي بما في ذلك وقف العمل بالمرحلة الانتقالية وإعادة النظر بالعلاقات مع دولة الاحتلال، هو السلاح الأمضى والأكثر فعالية لصون الموقع التمثيلي لمنظمة التحرير، ومحاصرة الدعوات التشكيكية والنزعات الانقسامية.

■ وأخيراً، وليس آخراً لا بد من الإشارة إلى قضيتين من شأنهما أن تعززا الدعوة إلى الالتزام بتطبيق ما تقرر في المجلس المركزي:

• الأولى، إن تطورات العلاقات الدولية، في ظل أحداث أوكرانيا، أدخلت تعديلات على العديد من المعادلات السياسية، من بينها أنها أطاحت اللجنة الرباعية الدولية، التي صارت جزءاً من المرحلة السابقة، ولم تعد إطاراً دولياً متوافقاً عليه، كغطاء أو مرجعية لاستئناف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. الأمر الذي أغلق أمام القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية أحد منافذ الرهان – بالإدعاء طبعاً - على استئناف المفاوضات في ظل الحالة الراهنة.

• أما النقطة الثانية، فهي المصير البائس الذي انتهت إليه مبادرة السلام العربية على يد أطراف تحالف أبراهام، إذ نجح في دفن المبادرة العربية وأهالت عليها التراب. ولا يمكن لأي عقل سياسي أن يعتقد أن ما تبقى من النظام العربي الهجين مؤهل في ظل ظروفه الراهنة، ليعيد التوازن للعلاقات الإقليمية بما يخدم الحل المتوازن للقضية الفلسطينية .

disqus comments here