جنين الرّقم الأصعب في حسابات الجيش الإسرائيلي... هل تندلع الانتفاضة الثالثة؟

 نشرت صحيفة "النهار العربي" اللبنانية تقريرًا حول "جنين" أشارت فيه الى أن ،كأن رائحة الموت تأبى أن تفارق مدينة جنين ومخيمها، بعد عشرين عاماً على المعركة الأسطورية التي حوّلت المخيم إلى أيقونة للمقاومة، وخلقت تضامناً شعبياً عربياً ودولياً، ودمّرت جزءاً منه.

وتابعت في تقريرها: "لا تزال بعض البيوت التي قصفتها الطائرات والدبابات الإسرائيلية على حالها، ولم تفارق صورة الضوء الأزرق الذي كان ينبعث في المكان بسبب الصواريخ الإسرائيلية ذاكرة سكانه ووجدانهم، وصدى أصوات الأشخاص الذين كانوا يطلبون النجدة والاستغاثة تملأ أزقته الصغيرة."

وأكدت النهار العربي: "وجوه متعبة وحزينة تجوب شوارعه اليوم، تنتظر مصيرها بترقب شديد وما ستحمله لها الأيام المقبلة."

وأوضحت الصحيفة: ""في جنين يعيد التاريخ نفسه ويسقط بين الشهيد شهيد أو اثنان أو ثلاثة معاً"، لسان حال السكان الذين يبحثون رغم ذلك عن لحظات فرح أو بريق أمل يلوح في الأفق. جميعهم اتفقوا على أن الأسباب والمؤشرات موجودة لاندلاع انتفاضة ثالثة: التصعيد الإسرائيلي خلال الأسبوع الماضي وحصار المدينة اقتصادياً، والإغلاق الشامل لكل المداخل والحواجز، فبدت الشوارع شبه خالية من المتسوقين، وتوقفت الحركة التجارية لتعيد إلى الأذهان عملية "السور الواقي" التي قام بها الجيش الإسرائيلي في نيسان (أبريل) عام 2002، بإشراف مباشر من وزير الدفاع الأسبق ورئيس هيئة الأركان آنذاك شاؤول موفاز."

وقالت النهار العربي أن المحللون والخبراء العسكريون أطلقوا على جنين "غزة الصغيرة"، أما الفلسطينيون فيحبذون استخدام اسم "جنين غراد".

واستدركت بالقول في تقريرها: "تحول المخيم والمدينة إلى رقم صعب في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، وباتا مختلفين تماماً عن باقي مدن الضفة الغربية، وخلقا حالة استثنائية استوجبت من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التعامل معهما بطريقة أخرى، وهو ما يدفع إسرائيل إلى تبرير مستوى العنف والطريقة التي تحاول من خلالها اقتحام المدينة والمخيم على حد سواء".

"النهار العربي" زار مدينة جنين التي تعاني من حصار مشدد للاطلاع عن كثب على مجريات الحوادث والتطورات المتسارعة على الأرض، والتقى عضو المجلس الثوري لحركة "فتح" أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية جمال حويل الذي قال: "لدينا تجربة كبيرة جداً مع الاحتلال الإسرائيلي خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، شروط اندلاع انتفاضة الآن موجودة على الأرض، العلامات نفسها، إحباط سياسي كبير، إضافة إلى عدم اعتراف القيادة الإسرائيلية بالقضية الفلسطينية، والتعاطي معها كملف سياسي، وبالتالي إيجاد حل عادل للجميع".

وأكمل: "من الملاحظ أنه كلما ساد الهدوء فهذا يعني مزيداً من تغيير المعالم في مدينة القدس، ومزيداً من بناء المستوطنات، ومزيداً من الاعتقالات والقتل اليومي، وبناء مزيد من الإضافات إلى جدار الفصل العنصري، وسرقة الثروات الفلسطينية المائية والزراعية".

وتابع حويل: "إضافة إلى كل ما سبق، نحن لا نزال لاجئين في المخيم ولم تحل قضيتنا بعد. أنا أصلاً من بلدة زرعين التي تم تدميرها عام 1948."

وأردف: "هذا على صعيد الوضع السياسي، أما بالنسبة إلى الوضع الاقتصادي القائم حالياً، فالبطالة مرتفعة جداً بين المتخرّجين الجامعيين والشباب عموماً، وإسرائيل تحاول تذكيرك في كل لحظة بأن هذا الاحتلال موجود من خلال تطويره البنية التحتية للمستوطنات التي يمكن مشاهدتها على طول الطريق الواصل بين مدينتي رام الله ونابلس على سبيل المثال، لتبدو كأنها دولة داخل دولة، وهذا رأس هرم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا... ما نعيشه هنا أكثر سوءاً".

ولفت حويل إلى أن "المشهد الفلسطيني برمّته وعدم إجراء الانتخابات ومنظومة الفساد من أسباب الإحباط، فهي جزء، لكنها ليست السبب الرئيسي، حتى بين فلسطينيي الداخل، هناك قوانين الفصل العنصري (القومية ولمّ الشمل) التي لا أعتقد أنها موجودة في مكان آخر في العالم، علماً أنه في القانون الدولي هناك نصوص وبنود تحفظ حقوق الأقليات. الوضع الفلسطيني العام مقلق ومحبط للغاية كل يوم هناك شهيد، في مخيم جنين هناك مجموعات مسلحة ولدى إسرائيل معلومات وافية عنها، لكن من يخرج لتنفيذ العمليات أشخاص مختلفون. أفراد غير منظمين يطلق الإسرائيليون عليهم مصطلح "الذئاب المنفردة"، ويعتبرونهم خطراً عليهم".

في أحد أزقة مخيم جنين يقع "مسرح الحرية" الذي تأسس عام 2004 لإحداث تغيير على الصعيد الاجتماعي، كما تحدي إمكان خلق واقع جديد، بخاصة لأطفال المخيم، ولتوفير حيز مناسب لهم يستطيعون من خلاله التعبير عن أنفسهم وتطوير مهاراتهم ومعرفة ذواتهم واكتساب الثقة بأنفسهم.

مدير المسرح مصطفى شتا قال لـ"النهار العربي" إن "الظرف الحالي يشبه إلى حد كبير ما حدث في جنين قبل 20 عاماً، أتمنى أن لا نصل إلى النقطة التي تقوم خلالها الطائرات الإسرائيلية والدبابات بمحاصرة المخيم وقصفه، كانت فترة صعبة للغاية، أصوات الانفجارات العالية والضوء الأزرق وأصوات الناس تستنجد، كان المشهد سريالياً ومتناقضاً للغاية، فاللون الأزرق لون جميل، لكن صوت الانفجار بشع، أما المؤلم حقاً فهو سماع أصوات الاستنجاد. كان منع التجول طويلاً وكان الناس يحاولون مساعدة بعضهم بعضاً بتوزيع المساعدات العينية، أعتقد أن ما يحدث اليوم هو إعادة لصوغ علاقة الإنسان بالأرض، ومن يحاول اجتثاثه من هذه الأرض، الفلسطيني يحاول الدفاع عن هويته، وهذا أصعب ما في الصراع، ويأخذ حيزاً كبيراً من تفكير الشبان والأطفال، من منا لا يحب أن يعيش باستقرار ويذهب إلى المكان الذي يريده ليرفّه عن نفسه، لكن ما يحدث هو أنهم يمنعوننا حتى من الحصول على هذه الفرصة البسيطة للاختيار".

واعتبر شتا أن "ما يختلف في جنين عن غيرها من الأماكن هو الإرث النضالي والبطولات التي حدثت على أرضها، الفخر والشعور العالي بالكرامة الوطنية، في الماضي كان الأجداد والآباء والأعمام الذين كانوا جزءاً من المعركة قبل 20 عاماً، اليوم يعيد الأبناء صوغ الحكاية ليكونوا جزءاً منها، ليشكلوا سوية ما يُطلق عليه "ذاكرة نفسية" ويكونوا من خلالها قوة دفاع وقوة هجوم، مع الفارق الزمني عن الماضي القريب، هناك ضعف واضح في إدارة الأزمة على الصعيد الداخلي، في المقابل إسرائيل تتوغل أكثر وتزيد من حدة العنف ووتيرة استهداف المواطنين، وهذا خلق حالة من الترقب والتوتر لدى الناس الذين باتوا يرفضون الصمت أكثر ويعتقدون أن الأوان قد حان للرد". 

ورأى شتا أن تأثير الفترة الحالية "سيمس نوعية الأعمال المنتجة، بخاصة التعليمية والترفيهية، وأن البرامج سترتكز في الفترة المقبلة على الدعم والعلاج النفسي للأطفال، لأنه أساسي في علاقتنا معهم، فنحن نؤمن بالمقاومة الثقافية قبل أي شيء آخر".

وختم بالقول إن "السؤال الكبير الآن هو: ما الذي دفع هؤلاء الشباب إلى القيام بهذه العمليات، شبان يافعون بإمكانهم خلق مستقبل جميل؟ ما الذي دفعهم لأن يكون شكل مستقبلهم بهذه الطريقة المختلفة؟ الشباب في هذا العمر يفكرون بالهجرة إلى أوروبا والبحث عن فرص جديدة وحياة بديلة في دول مثل السويد، النمسا، النروج وسويسرا، بكل بساطة لأن حياتهم بائسة هنا، لكن الفرق أنه من شدة البؤس والغضب وعدم القدرة على تحقيق أي شيء، قرروا أن يكونوا أبطالاً في معركة إنهاء حياتهم".

disqus comments here