وزلزلت الضفة زلزالها.. نهايات وبدايات

 وزلزلت الضفة زلزالها.. نهايات وبدايات صالح عوض انها الساحة الاكثر استراتيجية فهي عصب الكرة الأرضية وهي مستقر ضمير الانسان فهي بوابة انعتاقه من أوهاق الدنيا وكمدها الى ملكوت الرحمة والسعة..

فهنا يكون العزف على الوتر قادرا ان يحيي البشرية فتخرج تهتف باسم فلسطين.. وقوفا وقوفا إنها الضفة الفلسطينية تمزق قيودها المتنوعة..

صحيح ان سواعدها مدماة لكنها عفيّة وفتية.. قافلتهم تمر وراياتهم تعلو وتملأ الفضاء تصاحب الشمس في نهوضها وهم يسيرون فوجا بعد فوج بل فردا بعد فرد في وجهة لا يضل ولا يشقى من اتخذها قبلته.. هاديهم دمهم الوضيء وبصيرتهم المشرقة فيرسمون معالم الصبح للقادمين نحو الحق كله.. وقوفا وقوفا ها هي الأرض تنتفض وتزلزل زلزالها فلا يستقر فيها او عليها الا من كان من رحمها وامتص رحيق حياته من جبلتها.. اما كل طارئ غريب الطور والمزاج والروح فلن يستطيع أن يبقى فيها بعد الان.. انه على الأقل يفكر بالمغادرة فالأرض تقاتل مع بنيها. في جنين وقراها ومخيمها وفي الخليل وقراها والعروب وفي نابلس وقراها وفي النقب الاشم والمثلث المجد وحيفا وعكا والناصرة وكل حصوننا التي لم تخترق.. انطلقت روح الحياة ترتب عناصرها وتعصف بكيان الخديعة والكذب والجريمة موجة بعد موجة ولقد أصبحت حقيقة تلاشيه أكبر الحقائق. اللغة في حيادها لا تصلح مع فلسطين والكلام المجرد من الفعل لا وجود له مع فلسطين.. والدعوات الباكية تستدعي همة عالية، ولا أمنية للعاشقين الا اللقاء على متن طلقة او في ظل وردة فهنا اللغة روح والروح متحررة والكلام صدور مليئة بالثورة تصد الهجمة واللقاء حياة دونها لا حياة فهنيئا لكم أيها الذين ترفعون عنا الحرج وتشدون الشمس من مخبئها وتمنحون الإنسان فسحة روحه. تقييمات قادة الكيان الصهيوني: ليس صعبا على المتابع ان يكتشف حجم الرهاب الذي أصاب قادة الكيان وهم يعبرون عن تصورهم للمآلات التي تسير اليها انتفاضة الضفة الغربية المتحركة تحت وقع العمليات النوعية التي ادهشت الجميع لعدة أسباب.. واشترك الصحفيون الكبار والكتاب وأصحاب الرأي في الصحف الإسرائيلية في الراي نفسه بانهم إزاء اخطر مواجهة وجودية تطرح الأسئلة الأولى من جديد: هل نستطيع ان نحمي وجود دولة دينية مستقلة ام كيان موحد مع الفلسطينيين ام دولة بكيانين فلسطيني إسرائيلي وكل هذا التبعثر الفكري يعبر عما ذهبت اليه صحيفة هارتس اول امس من خلال مقال صحفيها الشهير "اري شبيت" بعنوان "إسرائيل تلفظ أنفاسها": انه لا طعم للعيش في هذه البلاد وليس هناك طعم للكتابة ويجب فعل ما اقترحه روغل الفر قبل عامين وهو مغادرة البلاد .. خلاصة القول اننا نواجه اصعب شعب عرفه التاريخ ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم. ليست فقط الازمات الداخلية في المكون السياسي والاجتماعي الصهيوني ما يجعل الحياة جحيما.. ان الازمات تتجمع في مرحلة تاريخية من كل اتجاه ويمكن بسهولة اكتشاف الرابط بينها فبالإضافة للعنصر الأساس في التحدي وهو التفسخ النفسي والاجتماعي داخل الكيان العاجز عن صياغة شخصية صهيونية متجانسة مع مشروع الدولة الذي لم يعد مقنعا لملايين اليهود والذي اثبت بعد عشرات السنين انه لم يستطع استدعاء يهود العالم ولم يجمع معهم رغم كل الاغراءات الا ما هو اقل من ربعهم.. فيما تبدأ رحلة الهجرة المضادة بمئات الاف اليهود الى كندا وسواها من دول العالم التي جاءوا منها.. وتزداد العزلة بمواقف متنامية من قبل يهود العالم ضد الكيان الصهيوني بمن فيهم يهود أمريكا الذين اداروا ظهورهم للمشروع الصهيوني ولم يعد فيهم الا لوبيات محدودة تناصر المشروع الصهيوني فيما تتولد مجموعات عديدة ومنتشرة ترى في استمرار الكيان الصهيوني ازمة ليست أخلاقية فقط بل أيضا سياسية ومصلحية.. ومن هنا يمكن تفسير عدم قبول يهود أوكرانيا -"2.5" مليون يهودي تقريبا- اللجوء الى الكيان الصهيوني رغم حجم الاغراءات التي قدمت لهم وهي اغراءات مجزية من بيت وراتب شهري وحرية وحياة مادية منعشة.. وهذا يعبر عن ازمة مفاهيمية عميقة لها علاقة بمصالح المشغلين الكبار للمشروع الصهيوني الذين اكتشفوا ان دولة في أوكرانيا يكون اليهود الاوكران عمادها هي القاعدة المهمة المستقبلية في سياق الصراع المحتدم مع روسيا والصين وهذا في حد ذاته كان مثار قلق وتوتر قادة الكيان الصهيوني الذين اوشكوا استشعار تخلي أمريكا عنهم ولو جزئيا لان المعركة غيرت مواقعها ومن تاريخ السياسة الامريكية يبرز المبدأ الأساس ان لا صديق ولا حليف انما هي مصالح الدولة العظمى.. ومع تبدل الأهداف الامريكية الاستراتيجية تتراجع اوربا خطوة خطوة عن الدعم الدائم للكيان الى محاولات من ربط الدعم بمواقف معينة لاسيما وان الدول الغربية قد اتخذت موقفا حاسما حتى اللحظة من مسالتين الأولى: دولة للشعب الفلسطيني في أراض الضفة وعدم التسليم بمسالة القدس حسب الرواية الإسرائيلية كما يتجلى الموقف الأوربي بثباته من عملية الاستيطان ورفضها تماما وإقامة مقاطعة لمنتوجات الاستعمار في المستوطنات.. ويرى الاوربيون الغربيون ان استمرار السلوك الصهيوني المتعجرف والذي لا يأخذ بالحسبان تطورات الأوضاع على كل المستويات المحلية والإقليمية والدولية انما هو مزيد من إحراج الدول الغربية والقاء ضغط سياسي اضافي عليها لاسيما والدول الاوربية تغص بالمسلمين المستائين من تصرفات دولهم من القضية الفلسطينية. واما العامل الفلسطيني فرغم كل ما يمكن قوله من جحيم الانقلاب والانقسام سيء السمعة والصيت ورغم من عبثية العمل السياسي وفوضى الرؤية في العمل السياسي واضطراب برنامج الفصائل الفلسطينية وعدم وجود برنامج متصاعد في المقاومة الا ان العامل الفلسطيني ظل هو الأخطر والاقوى في تهديد الوجود الصهيوني نتيجة حالة استثنائية يتميز بها الشعب الفلسطيني دون سواه من اهل الأرض انه يقاتل ويستبسل دونما قيادة.. انه شعب مبادر في رباطه ومقاومته لا ينتظر امرا فوقيا.. والحالة هذه ليست متقطعة او هامشية بل هي الحاضر القوي في حياة الشعب الفلسطيني.. وهذا ما وصل الى عقول الصهاينة القادة الذين ادركوا انهم إزاء اخطر تحد لوجودهم الاستعماري اكثر من نووي ايران ومن صواريخ حزب الله فانبعثت تصريحاتهم واقتراحاتهم للحلول واستدراك ما فات.. الا ان الفعل الفلسطيني لا ينحصر في عمليات فردية مذهلة في كل شيء انما يمتد الى الرباط العظيم بالأقصى والتحرك الباسل لحماة الأرض في شتى المواقع من الضفة الغربية للتصدي لقطعان المستوطنين وارتقاء حالة التصدي الى مستوى لم يعد بالإمكان إيقافها. هذه عناصر تجتمع كما لم تجتمع من قبل مشكلة بتكاملها حالة ضغط حقيقي تدفع بالكيان الصهيوني الى تصرفات رعناء ومحاولة التماسك في مواجهتها وكل خطوة يخطوها العدو انما هو يعجل من انهيار الواقع الصهيوني وميلاد المستقبل الفلسطيني.. هم يدركون ذلك حيث ان المواجهة العنيفة تزيد من وهج الثورة ولهيبها وان التصرف الخبيث بمحاولة تحسين شروط المعيشة لن يوقف التدفق الشعبي الفلسطيني فلقد اكتشف أصحاب الراي في اسرائيل وقيادة الكيان انه لن يصلح مع الشعب الفلسطيني تحسين معيشة ولا زيادة وتيرة العنف.. وهنا يهرب القادة الإسرائيليون من التقدم نحو الإجابة العملية حيث لا يتمتع هذا الكيان بقيادة متمكنة واثقة من نفسها وذلك لضعف شخصياتها من جهة وعدم قدرتها في ايجاد قوة سياسية تقود المشهد السياسي اذ ان عدم ثقة التجمعات الصهيونية في المكونات السياسية الصهيونية حرم كلا منها من الحضور في قيادة صنع القرار باقتدار فالحكومة مهزوزة والمصالح الحزبية لها النصيب الاوفر في المواقف السياسية مما يجعلها في خارج سياق المبادرة التاريخية التي تخرج الكيان من الورطة الأمنية والسياسية ومن غير المتوقع ان ينصلح حال الأحزاب الصهيونية. ومن هنا بالضبط يمكن رؤية مفاعيل العناصر الأخرى فلقد أصبحت السياسة الإسرائيلية عبء ثقيلا على المسئول الغربي والمنهمك في قضايا تزداد تعقيدا لاسيما في مرحلة صعود الطموح الروسي وتحديه للغرب. الحالة الفلسطينية الاستثناء الحاضر: لن نضيف جديدا اذا سقنا شواهد الواقع والوقائع عبر قرن معبرة عن تقدم الشعب الفلسطيني على قياداته كثيرا حيث تصبح قياداته تتحسس ضرباته العنيفة فتحتمي به وتصعد من مواقفها او تصحو من سباتها وتنتبه الى حالها بعد فقدانها رشدها وانخراطها في متاهة المفاوضات والتشتت والتنافس على حطام مكتسبات لا قيمة لها. المجتمع الفلسطيني مجتمع عريق تاريخي مصاب بعشق الأرض بشكل غير متكرر ويرفع قيمة الأرض الى مستوى العرض وله في تماسكه فلسفة متأصلة فيه فهو يجمع بين قيم العروبة وتوجيهات الديانة بطريقة مدهشة فهو متوحد بمحبة وتكامل بين مسلميه ومسيحييه متجاور متساكن بنفس الاحياء وفي كثير من مدن فلسطين تثمر شبكة العلاقات الاجتماعية هذه تنافسا للتعامل الحسن.. واحتكم المجتمع الفلسطيني لمنظومة قيم رتبت سلوكه نحو نفسه وعدوه.. ورغم انه فقد النظام السياسي والإداري منذ قرن من الزمن الا انه جعل لنفسه ضوابط سلوكية من عرف اجتمع فيه اصيل القيم واستطاع ان يفرز طرائق التقاضي والتحاكم بعيدا عن الحكومات والإدارات ونجح نجاحا بالغا في الاستمرار في الحضور رغم ما لحق به من تمزيق وتشتيت وعمليات منظمة منهجية لاختراق وعيه وتشكيل طابور خامس فيه الا انه لم يتوان في تصويب نفسه وتقويمها والانبعاث دوما نحو المهمات المقدسة وفي اكثر الظروف تعقيدا وصعوبة. ومن المهم تدبر قدرة الشعب الفلسطيني على استمرار الكفاح وجلده في المواجهات غير هياب ولا ملتفت لميزان القوى المختل لصالح العدو.. ولعل العدو أصيب بخيبة كبيرة اثرت في مجمل العوامل التي يتبناها لضد المقاومة ذلك انه اعتقد لوقت معين ان التطبيع مع الدول العربية من شأنه كسر روح الشعب الفلسطيني وارغامه على التنازل والضياع.. لكن التجربة اثبتت ان فلسطين حاصرت كل من حاول الاقتراب من العدو وجعلت كالبعير الاجرب.. وكان هذا امتحان قوي وحقيقي بان الشعب الفلسطيني هو الرقم الصعب وان لا تطبيع يمكن ان يتم بعيدا عنه ثم ان هذا الامتحان اكد قدرة الشعب الفلسطيني التجدد وعدم الاستسلام والانكسار. ولهذا فان النضال اصبح واجبا على كل فلسطيني لا ينتظر تعميما حزبيا ولا توجيها من قيادة معينة انما هو السلوك الذي يجلب الشرف لصاحبه بل للعائلة والعشيرة والمخيم والمدينة.. لقد اصبح الشعب الفلسطيني يتسابق الى المكرمات لاسيما في معركة ام القضايا القدس الشريف والاقصى المبارك الذي يلخص المعركة كلها الممتدة في ساحات المواجهة ضد قطعان المستوطنين.. ان معركة الرباط في الأقصى والمتواصلة من عشرات السنين والمتطورة لم تكن استجابة لقرار من أي فصيل ولم تغط من قبل أي تنظيم انما هو التحرك الشعبي الأصيل في اهل القدس واهل الضفة الغربية والعمق الفلسطيني..

ولقد اثبت وقوفه مع المقاومين في كل حالة اشتباك وتعرضت البيوت والابناء الى الكوارث ولم يفت هذا في عضد الشعب الذي واصل احتضانه لكل مقاوم ولكل شريف وحر في الشعب.. الحالة الفلسطينية مستعدة وجاهزة ان تواصل حضورها وفاعليتها بحيوية عقودا أخرى ولا يستطيع احد القول ان الشعب قد تعب.. فالشعب الفلسطيني من ارقى شعوب الأرض تمثلا للقيم السامية النبيلة.. وهنا معضلة الأساس للمشروع الصهيوني بل للكيان الصهيوني.

disqus comments here