الشهيد حمارشة.. ضياء ينير درب المقاومة ويرعب الاحتلال

ظُهر التاسع والعشرين من مارس/آذار 2022م، كان الشاب الوسيم ضياء حمارشة، منفذ عملية تل أبيب البطولية جالسًا بين أفراد أسرته الستة، متوسطاً إياهم على مائدة الغداء كعادته.

لكن المفاجئ لأهل ضياء (26 عاماً) أن المائدة الأخيرة التي جلس فيها ضياء لم تختلف عن أي مائدة أخرى؛ فسلوكه لم يتغير وكلامه مع أشقائه وشقيقته الوحيدة كان كما هو، وحديثه مع والدته كان نفسه كما كل جلسة، دون أن يلمح لأي شيء كان يريد فعله.

في أحياء بلدة يعبد، على الطريق الواصل بين محافظتي طولكرم وجنين القسام، كان مسقط رأس الشهيد حمارشة، إلّا أن روحه فاضت إلى ربه في مدينة تل أبيب المحتلة، التي يحلم بتحريرها من دنس المحتلين.

ونفذ الشهيد حمارشة عملية بطولية أمس الثلاثاء، قتل فيها خمسة مستوطنين وأصيب آخرون، في عملية إطلاق نار نفذها ببندقية آلية في بني براك ورمات غان شرق مدينة تل أبيب المحتلة.

شابٌّ يحبه الأطفال
الشاب الوسيم ضياء، أحب الأطفال فأحبوه وعشقوه، فكانت يده الحنونة عليهم كريمة معطاءة تجاههم، زارعاً فيهم حب فلسطين وحب بعضهم بعضاً، مربياً لجيل سينشأ على أن تكون فلسطين محررة. كما تصف ذلك أسرة الشهيد.

أحمد حمارشة، والد الشهيد ضياء، أكد لـ"المركز الفلسطيني للإعلام" أن نجله الشهيد اعتقل لدى الاحتلال في أعوام سابقة نحو 30 شهراً، في تهم باطلة لم يثبت صحتها، معبراً عن استنكاره لممارسة العقاب الجماعي تجاه أسرته وأبناء شعبه.

مفاجأة!
وأضاف: "تفاجأت جداً من تنفيذ ابني ضياء للعملية، وهذه نتيجة لسلوك الاستفزاز الذي يمارسه الاحتلال بحق الفلسطينيين".

وأردف بالقول: "ضياء شاب ترعرع في أحياء جنين، وترك بصمة في نفوس أسرته، وعمل في التجارة معي ولم يظهر على شخصيته أي إشارة لتنفيذه عملية تل أبيب".

وعبر عن اعتزازه بالعملية، مشيراً إلى أن ما يعيشه شباب فلسطين من انتهاكات "إسرائيلية" بحقهم تجبرهم على ملاحقة الاحتلال في كل بقعة.

وفي حديثه  : حاول والده تذكّر تفاصيل خروجه من بيته بعد تناوله طعام الغداء أو أي سلوك غريب ظهر على حياته.

وأوضح أن نجله "لم يترك أي سلوك يجعلنا نرتاب فيه أو نشكّ في ماذا سيفعل"، قائلاً: "حاولت أفكر في الموضوع كيف طلع وكيف شفته، وهل حاول إنه يودعنا دون أن نشعر".

وأردف بالقول: "طلعته أقل من العادية ولم يترك أي ريبة، وببساطة تغدى معنا وطلع"!!

محبوب!
من جهتها، وصفت ليلى حمارشة، ابنة خال الشهيد ضياء، أنه محبوب من عائلته وعلى صلة رحم كاملة بخالاته وعماته وأطفال العائلة وغيرهم من أهالي مدينته.

وأشارت حمارشة إلى حب الجميع لضياء، الكبار والصغار منهم، الأقارب ومن تعامل معه في عمله.

وذكرت أن الشهيد محب للحياة، وأنه لم يتوقع أحد تنفيذه هذه العملية.

وقالت: "ضياء بسلوكه مع الأطفال وترفيهه لهم، تعلقوا به كثيراً فأحبوه وأحبهم".

وختمت حديثها بالقول: "عملية ضياء جعلنا نرفع رأسنا للسماء، وهو الذي أنار الطريق وأنار آخر النفق بضيائه".

واعتقل الاحتلال الإسرائيلي حمارشة عام 2016، وقضى 30 شهرا في سجونه بتهمه "حيازة السلاح والتجارة به".

وبعد تحرره واظب ضياء في البحث عن لقمة عيشه والعمل مع والده في بيع الهواتف الخلوية والتبغ، وسجّل لإكمال دراسته الجامعية بعد أن استطاع النجاح في امتحان الثانوية العامة خلال اعتقاله، ولكنه لم يواصلها بسبب انغماسه بالعمل.

جسارة ومهارة وإنسانية
وخلال تنفيذه العملية، أظهر الفدائي ضياء، جسارة ومهارة استثنائية، أكملها بإنسانية عالية عندما تجنب قتل النساء والأطفال. ففي دقائق معدودة حمل بندقيته وأطلق النار بسرعة ومهارة صوب مستوطنين في منطقة "بني براك" قرب تل أبيب، بعد أن تخطى الحواجز والمحظورات التي وضعها الاحتلال الإسرائيلي بفعل العمليات الأخيرة في الخضيرة والنقب، ووصل إلى هدفه، وانتقل من نقطة إلى أخرى وأطلق 12 رصاصة قتلت 5 مستوطنين وجنود وأصابت 6 آخرين.

الانتماء لفلسطين

وعبر صفحته على "فيسبوك" التي أغلقت بعد قليل من استشهاده، كتب حمارشة عدة تعليقات عكست حسه الوطني وانتماءه لفلسطين ورفضه مسار التسوية.

فعلى جدار صفحته كتب "لا تصالح، لا تساوم"، ليعبّر فيها عن النهج الذي يؤمن به، وترجم ذلك على الأرض؛ بتنفيذه عملية فدائية، أسفرت عن مقتل خمسة مستوطنين.

وتشير جولة سريعة على صفحة الشاب العشريني، إلى إيمانه بنهج المقاومة ورفض الاستسلام، واشتياقه إلى الله؛ حيث تتزين صفحته في "فيسبوك" بعبارة "من أحب لقاء الله؛ أحب الله لقاءه".

والتقط حمارشة عشرات الصور خلال زياراته المتعددة إلى المسجد الأقصى المبارك، ما يدلل على مدى عشقه له، واستعداده للتضحية بروحه في سبيل نصرته.

وتعكس منشورات الشهيد، رفضه لنهج التسوية مع الاحتلال، إذ كتب في منشور: "اللي باع 48 و67، ما رح تفرق معه باقي الأرض"، في إشارة إلى تخلي السلطة الفلسطينية عن 79% من أرض فلسطين التاريخية.

وكتب منتقدا فساد بعض المسؤولين وتفريطهم بالوطن: "في ناس قدمت أولادها للوطن، وفي ناس قدمت الوطن لأولادها".

ووضع على صفحته عبر فيسبوك صورة لمهند الذي افتتح موجة العمليات في العام 2015-2016؛ في إشارة للشهيد مهند الحلبي الذي نفذ أولى العمليات الفردية ضد الاحتلال، كما تضمنت صفحته تعليقات تضامنية مع غزة خلال العدوان الأخير.

 

disqus comments here