"دفتر جدي"...شاهد على الحق

يخوض سكان 12 تجمعا سكنيا في مسافر يطا جنوب الخليل، صراعا شرسا لدى محاكم الاحتلال الإسرائيلي، منذ ما يزيد عن 22 عاما، ضد الاحتلال ومخططاته الاستيطانية الهادفة إلى تهجيرهم عن أرضيهم، تمهيدا للاستيلاء عليها لصالح التوسع الاستيطاني.

 مدعيا أن تلك التجمعات مستحدثة ولم تكن موجودة سابقا.

التجمعات هي: "جنبا، المركز، الحلاوة، الفخيت، التبان، المجاز، مغاير العبيد، صفى الفوقا والتحتا، الطوبا، خلة الضبع، والمفقرة"، ويصل عدد سكانها إلى 4 آلاف شخص.

في عام 1981 أصدرت سلطات الاحتلال أمرا عسكريا يقضي بإغلاق منطقة المسافر بشكل كامل، وإعلان ما يزيد عن 30 ألف دونم منطقة "إطلاق نار 918"، ضاربة بعرض الحائط كل الأنظمة والقوانين الدولية التي تحظر إعلان مناطق مأهولة بالسكان كمناطق إطلاق نار.

وفي محاولة منه لقلب الحقائق، يدعي الاحتلال أن هذه المناطق لم تكن في يوم من الأيام مأهولة بالسكان، وأن التجمعات التي يسعى إلى تهجير مواطنيها، ما هي إلا تجمعات مستحدثة وموسمية.

وقال رئيس مجلس قروي المسافر نضال يونس لـ"وفا": إن رواية الاحتلال وادعاءاته لا أساس لها من الصحة، ولدينا من الأدلة القانونية الموثقة ما يثبت بشكل قاطع زيف الرواية الإسرائيلية".

"دفاتر جدي"، أحد تلك الأدلة التي قدمت للمحكمة، عمرها يزيد عن 132 عاما، أي ما قبل قيام دولة الاحتلال بـ 48 عاما، وهو عبارة عن ثلاث كراسات مدون فيها معاملات تجارية، منذ العام 1890، لـ "دكان" في قرية "جنبا" إبان الحكم العثماني، يعود لجدي الأول الحاج محمود احمد سالم الذي توفي العام 1924".

تدون تلك الدفاتر لأربع أحقاب تاريخية "العثمانية، الانتداب البريطاني، الحكم الأردني، والاحتلال الإسرائيلي"، وبأربع عملات "المجيدية، الجنيه، الدينار، والشيقل"، ثلاثة منها رحلت، وسترحل الرابعة، وسيبقى هو شاهد على الحق.

"الدفتر الأول" مدون فيه معاملات تجارية وديون بالعملة "المجيدية"، خلال الحكم العثماني، يحتوي أسماء مواطنين لهم بضائع أو عليهم ديون من أهالي قرية "جنبا" وغيرها من القرى القريبة، ومن مناطق بئر السبع في إشارة إلى أن هذه المنطقة كانت مقصدا للتسوق.

بعد وفاة الحاج محمود عام 1924 انتقل "الدكان" لحفيده الحاج محمد يونس محمود احمد، العائد إلى "جنبا" بعد انتهاء فترة خدمته في الجيش العثماني، وبدأ "الدكان" بالتوسع بشكل كبير خلال الفترة الانتداب والحكم الأردني، ويظهر ذلك من حجم المعاملات التجارية المدونة على صفحات "الدفتر" التي لا تزال تحتفظ وبخط واضح بأسماء الزبائن وحجم ديونهم.

وكغيره من الأبنية والمساكن هدم الدكان العام 1966 على يد قوات الاحتلال، ورغم ذلك استمرت التجارة ولكن بوتيرة منخفضة، حتى انتهت العام 1985 بعد هدم تلك التجمعات للمرة الثانية.

يستعرض يونس تاريخ هذا الصراع قائلا: "قبل الصراع القانوني كان ولا يزال هناك صراع يجري على الأرض، بدأ منذ بداية الاحتلال عام 1948، عندما عزل الاحتلال جزءا كبيرا من قرى وخرب مسافر يطا داخل أراضي الـ48، واخذ أشكالا عدة، لم يترك الاحتلال وسيلة قمعية إلا واستخدمها لهدم تلك التجمعات وتهجير سكانها".

في العام 1966 هاجمت قوات الاحتلال جنوب الضفة الغربية، وبلدة السموع، وقرى مسافر يطا، ودارت معركة شرسة مع الجيش الأردني عرفت "بمعركة السموع"، هدم الاحتلال على إثرها جزءا كبيرا من تلك التجمعات ومنها قرية "جنبا"، ورغم ذلك صمد الأهالي وفضلوا السكن في الكهوف والخيام على ترك أراضيهم.

ولمواجهة هذا الصمود، أصدر الاحتلال في العام 1981 أمرا عسكريا بإغلاق تلك المناطق، وإعلانها منطقة إطلاق نار، وشرع في تنفيذ سلسلة من الاعتداءات على الأهالي لتهجيرهم منها، كان أعنفها في 17 رمضان 1985 عندما قام بهدم عدد كبير من منازل المواطنين في تلك التجمعات، وفي صبيحة عيد الفطر من ذات عام أعاد الاحتلال هجومه على (جنبا، بئر الغوانمة، المركز، الفخيت) وهدم ما تبقى منها للمرة الثانية.

بعد ذلك، بدأت أعداد كبيرة من المستوطنين بالوفود إلى تلك المنطقة، واستولت بقوة الاحتلال على مساحات شاسعة من الأراضي، أقامت عليها سلطات الاحتلال أربع مستوطنات كبيرة هي " كرمئيل، سوسيا، ماعون، ميسبي يئير"، إضافة إلى عشرات البؤر الاستيطانية الأخرى.

وفي المقابل، هجرت سلطات الاحتلال الأهالي قسرا، وهدمت قراهم ومساكنهم، ومنعتهم من البناء، بذريعة الأمر العسكري، مستثنية المستوطنين منه وتفرضه قسرا وبقوة السلاح على الفلسطينيين.

واستمر الاحتلال في محاصرة الأهالي والتضييق عليهم، وأطلقت يد المستوطنين لمهاجمتهم وتدمير حقولهم، ومطاردة الرعاة ومنعهم من الوصول إلى المراعي، ورغم ذلك لم تنجح تلك الاعتداءات والإجراءات القمعية في دفع الأهالي إلى الهجرة وترك ممتلكاتهم.

ضاعف الاحتلال من اعتداءاته وإجراءاته القمعية بشكل كبير في العام 1999، عندما شن حملة تهجير قسري لأهالي 12 تجمعا سكنيا، وأغلق المنطقة بالكامل وأحضر حافلات نقلت الأهالي وقطعانهم من الماشية، وتم ابعادهم عن قراهم، في منطقة نائية تقع بين قرية "الكرمل والتوانة"، وهدم تلك التجمعات للمرة الثالثة.

 بعد الحملة بدأ الصرع القانوني المنظم، وتوجه الأهالي إلى المحكمة الإسرائيلية لإصدار أمر بوقف عمليات التهجير، وإلغاء الأمر العسكري القاضي باعتبار تلك المناطق مناطق "إطلاق نار"، وقدمت كافة الوثائق التي تثبت أن تلك المناطق كانت ولا تزال مأهولة بالسكان، وعقدت أول جلسة في 29 آذار العام 2000، وحصل الأهالي على أمر احترازي يسمح لهم بالعودة بشكل مؤقت إلى قراهم لحين إصدار الحكم النهائي.

ومن المفترض أن تصدر المحكمة قرارا بإلغاء منطقة "إطلاق النار"، إلا أن المحكمة الإسرائيلية مستمرة ومنذ 22 عاما في المماطلة، لإجبار المواطنين على قبول حلول وسط يفرضها الاحتلال تلبي طموحاته الاستيطانية.

ويرفض الأهالي في المنطقة كافة الاغراءات والتسهيلات التي يريد الاحتلال اعطاءهم إياها، مؤكدين أنهم هم أصحاب الأرض الحقيقيون ولن يتركوها، مهما مارس الاحتلال بحقهم من ضغوطات، وإجراءات قمعية.

disqus comments here