صالون هدي ضربة في خاصرة الشعب الفلسطيني

كنت أستغربُ عندما كنت اقرأ عبارة: (أخشى ما اخشاه أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه الخيانة وجهة نظر)، لكني وصلت إلى اليقين بمدى صدقها في هذه المرحلة التي نُعاني فيها من التطبيع وتغيير الحقائق وقلب الموازين لصالح الاحتلال الإسرائيلي.
‏من جديدٍ يعود المخرج الفلسطيني (هاني أبو أسعد) لضرب النَّسيج الاجتماعي والأخلاقي بشكل متعمد من خلال إخراجه لفيلم (صالون هدى) التي تجسدُ فيه دور البطولة المزيفة (منال عوض) حيث تدور أحداثه حول شخص (هدى) التي تمتلك محل لتصفيف الشَّعر في مدينة بيت لحم، والتي تستخدمه كغطاء لإسقاط الفتيات في وحل العمالة .
الفيلم مدته حوالي ساعة ونصف في المشهد الأول سلط المخرج الضوءَ على حياة الشَّعب الفلسطيني داخل المدن الفلسطينية التي تحاط بجدار الفصل العنصري، بينما الطَّيران الإسرائيلي يمر فوق المدينة. للوهلة الأولى ترى صوراً منوعةً لنساء سائرات في الشَّارع أو جالسات بالسُّوق بصورة المرأة الفلسطينية النمطية التي نراها كل يوم في كافة الأحياء بشكلها الملتزم وهي تجلس تبيع بعض الأشياء البسيطة لتسدَّ رمق عائلتها أو ابنائها أو أن تُساهم في توفير بعض المستلزمات التي تحتاجها، وكأنَّه يدس السُّمَّ بالعسل للفت انتباه المُشاهد ثم ينتقل المخرج لزاوية مختلفة تمامًا، ومن خلال أحداث الفيلم تتردَّد أم شابة تقوم بدورها (ميساء عبد الهادي) تسعى على المحل بصورة دورية لتغيير قَصة شعرها فتحاول هدى ابتزازها بعد تصويرها في مواضع مخلة، وكيف أنَّها استغلت سذاجة الأخيرة من خلال الاستعانة بالمعلومات التي حصلت عليها للإيقاع بها؛ ليأتي مشهد الإسقاط الإباحي بصورته الكاملة الصريحة، ويركز السِّياق الدرامي؛ ليصور بطلة هذا الفيلم والتي تمارس مهماتها الأساسية بخراب البيوت من خلال إسقاط فتاة كل ثلاثة أشهر لمساعدة مخابرات الاحتلال الإسرائيلي في الحصول على معلومات تتعلق بالمقاومين وأماكنهم والأسلحة وغير ذلك من معلومات ممكن أن تساهم في قتل واغتيال العديد من الشَّخصيات الوطنية الفلسطينية، والجدير بالذِّكر هنا حتى نقفَ عند هذه النُّقطة أنَّه حتى وقتنا هذا مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي على فلسطين بالكاد استطاع الاحتلال الصِّهيوني من خلال مخابراته إسقاط مجموعة من الشبان والفتيات للعمل معهم ولكن هذه الفئة أو النِّسبة تعتبر قليلة جداً بالمقارنة مع بقيه الشَّعب الصَّأمد والمناضل والرافض لوجود هذا الاحتلال على أرضنا الفلسطينية، وجميعنا يعلم الطريقة التي يقوم بها الاحتلال للإيقاع بضحاياه، ولكن المستغرب أو المستهجن والغريب أن أخلاقيات الشَّعب الفلسطيني وحتى الوطن العربي كافة ترفض أن تقوم فتاة فلسطينية بتمثيل مقطع تظهر فيه وهي عاريةً تمامًا لتبين للمشاهد كيفية حدوث الإسقاط لدى الفتيات هذه النقطة تحديدًا والتي هي محور الفيلم كان ممكن علي (هاني أبو أسعد) أن يقوم بحبكها في سياق السِّيناريو دون أن تكون المشاهد صريحةً بهذه الطريقة الوقحة، وكأنَّه كان يريد للفيلم ذو السيناريو الضَّعيف والغير محبوك بشكل درامي صحيح أن ينجحَ من خلال هذه اللقطة الرديئة؛ لأنَّه يعلم تمامًا أن مثل هذه الأمور سيكون لها ردة فعلٍ داخل المجتمع الفلسطيني والعربي، وهذا ماذا يؤدي إلى عمل بلبلة إعلامية ستصب في مصلحة الفيلم من خلال كثرة المشاهدات العديدة ولولا هذه اللقطة لما كنا علمنا عن أحداث هذا الفيلم الذي شارك في بعض المهرجانات العربية وكان ضمن الأفلام الأولى للمشاركة بعيون نت فليكس.
طبعا هذا الفيلم أساء للمرأة الفلسطينية ولم يسلط الضُّوء على قضيه حيوية يتعرض لها الإنسان الفلسطيني كل يوم من خلال الانتهاكات الإسرائيلية داخل المدن وعلى الحواجز والأماكن العامة والأماكن المقدسة وسياسات الابتزاز التي يتبعها الاحتلال والفصل العنصري وتقطيع أواصر المدن والحصار على غزة، وغير ذلك من المواضيع كالاغتيال بالدم البارد للشَّباب والشَّيوخ والنِّساء والاطفال على مسمع من العالم كل هذه الانتهاكات لم يراها المخرج بعينه ليوصلها بحقيقتها للعالم ولكنه جاء للحديث على نقطة بعيدة كل البعد عن حقيقة الشَّعب الفلسطيني وأراد من خلالها أن يصعد ويصرح ويتفاخر بنجاحه عبر وسائل الإعلام الهابطة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف استطاع هذا المخرج وهؤلاء الممثلين أن يحصلوا على ترخيص العمل؟ وكيف استطاع أن يشارك بمثل هذا الفيلم بالمهرجانات العربية؟ أين وزارة الثقافة الفلسطينية مما يحدث؟ أين النَّقابات والهيئات والمؤسسات التي أصدرت وتصدر تقاريرها باستمرار حول الانتهاكات الإسرائيلية ضدَّ الشَّعب الفلسطيني من هذا الفيلم؟ ثُمَّ ما هي الاستراتيجيات التي يمكن أن توضع من أجل منع مثل هذه المراهقات الإخراجية مستقبلاً؛ لأنَّ من يريد أن يبحث عن الشُّهرة يستخدم القضايا الحساسة والتي تمس الأخلاق من أجل الوصول لما يبحث عنه من خلال المحتوى الهابط للحصول على الجوائز خصوصًا في ظلِّ انتشار وسائل التَّواصل الاجتماعي التي تساعد على ذلك.
ولكن أن عدنا إلى الوراء نجد أنَّنا جيل تربي على المحتوى الدراما بكافة أشكالها وهي تعالج قضايا وطنية وسياسية واجتماعية من خلال تسليط الضوء على المشكلة، ومن ثمَّ معالجاتها وتوعية المجتمع بهذه القضايا الاجتماعية، لكنَّ هذا الفيلم لم يعالج قضية ولم يضع حلول بل صور الاحتلال وكأنَّه يقدم خدمات إنسانية للمتعاونين معه وصور المقاومين المدافعين عن الوطن وكأنهم مرضي نفسيين ولديهم عقدة ذنب كما رأينا من خلال شخصية المقاوم الذي حقق مع هدى أثناء اعتقالها وأظهر هدى وكأنها ضحية المجتمع وليست عار عليه لنجد مع اختتام الفيلم (صالون هدى) أنَّه قرر تجاهل كافة الشَّخصيات النّسوية والوطنية الفلسطينية وبطولاتها المغمورة، ولم يُسلط الضوء على انجازاتها النِّضالية والوطنية.
أخشي أن يكون فيلم هدى ما هو إلا تمهيداً لصياغة كلّ شيء فلسطيني مقدس بأقذر طريقة ممكنة وبموافقة كاملة من كلِّ المؤسسات الفلسطينية.
شتان ما بين صالون هدى ومسلسل ‏التَّغريبة الفلسطينية الذي ما زال يسكن الذاكرة وكان له دور هام في تشكيل الوعي الفلسطيني لأنَّه جَسد القضية الفلسطينية بكل تفاصيلها ورسم صورها وصورة معاناة الشَّعب الفلسطيني بطريقة حقيقية وصادقة.

disqus comments here