المواطن عُمر

قبل أيام، نشر الإعلام الإسرائيلي صورة للشهيد المُسن عمر أسعد ملقى على الأرض في موقع الجريمة التي ارتكبها بحقه جنود الاحتلال الإسرائيلي.

ويظهر الشهيد في الصورة مكبّل اليدين، ومعصوب العينين بكوفيته الحمراء، فيما يُحتجز بالقرب منه أربعة مواطنين آخرين.

رحل أبو هاني (80 عاماً) فجر الثاني عشر من كانون الثاني/ يناير الماضي، بعد أن سُحل وعُذب على أيدي جنود الاحتلال الإسرائيلي في قرية جلجليا شمال رام الله.

المسافة بين مكان الصورة والموقع الذي أوقفه فيه جنود الاحتلال لا تقل عن مئتي متر، ووفق التشخيص النظري لجثمان الشهيد، فإن ملابسه كانت مليئة بالأتربة، ما يعني أن جنود الاحتلال جرّوه هذه المسافة الطويلة، وهي عبارة عن طريق ترابية تفضي إلى منزل قيد الإنشاء ترك الشهيد في ساحته لعدة ساعات وفي ذروة البرد القارس، حتى فارق الحياة.

تقول نظمية أسعد (82 عاماً)، إن زوجها الشهيد كان يتمتع بصحة جيدة وببنية جسدية قوية، ويمكنه تحمل الظروف القاسية، ولذلك ما زالت تبحث عن إجابة حول ظروف ارتقائه.

ممدوح عبد الرحمن عبود، أحد الشهود على الجريمة، كان لا يبعد عن جثمان الشهيد أسعد سوى متر ونصف المتر، كما تظهر الصورة التي نشرت يوم الأربعاء الماضي من خلال الإعلام الإسرائيلي، لكنه لم ينتبه للجثمان إلا بعد عدة دقائق من احتجازه مع ثلاثة آخرين من أبناء القرية.

ويقول: اقتادونا إلى ذلك المنزل، ورأيت سيارة المرحوم أبو هاني مركونة على مدخله، وأجبرونا على الجلوس في باحة المنزل المبلطة، وكان الجو شديد البرودة، والظلام دامساً، الأمر الذي حال دون أن ألاحظ في بادئ الأمر وجود جثمان الشهيد.

وجود السيارة مركونة بجانب المنزل، حسب ما يعتقد عبود، يشير إلى أن أحد جنود الاحتلال هو من قادها من موقع اعتراض سيارة الشهيد على بعد مائتي متر، وكان واضحاً أنه تم جر أبو هاني طيلة هذه المسافة حسب التقديرات، وعند سحله من المركبة سقطت فردة حذائه في السيارة، وبقيت فيها، ووجدتها العائلة لاحقاً، فيما الفردة الثانية بقيت في قدم الشهيد.

ويضيف عبود: "غلبني النعاس، وحتى ينبهني أحد جنود الاحتلال قام بركلي بقدمه، فزعت والتفت يميناً يساراً، وتفاجأت بوجود رجل ملقى على يميني، أخبرت صديقي الذي بجواري بما رأيت، إلا أنه ظن أني أهلوس حيث قال إنها أكياس رمل فقط".

توجه جندي إلى الشهيد بعد عدة دقائق، ووضع يديه على رقبته، وبعد أن لاحظ غياب النبض، فك القيود عن يديه، ثم توجه إلى الجنود وتهامس معهم، قبل أن ينسحبوا من المكان.

أخضع الشاهد للتحقيق لدى مخابرات الاحتلال الاسرائيلي بعد أسابيع على استشهاد المسن عمر أسعد، ووفق عبود فإن الاحتلال حاول تأكيد أن أسعد لم يكن قد فارق الحياة عند انسحاب الاحتلال من القرية. "رغم أنه كان واضحاً أنه متوفٍ منذ اقتيادنا إلى موقع الاحتجاز، حيث لم تكن تبدو عليه معالم للحياة"، يضيف.

وحسب صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، فإن القوة التي قتلت الشهيد عمر أسعد، تسمى كتيبة "نيتساح يهودا"، التي تضم مستوطنين متطرفين يسكن قسم منهم في البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، وينفذ جنودها اعتداءات ضد الفلسطينيين.

وذكرت الصحيفة أن أبرز مهام تلك الفرقة في جيش الاحتلال، تتمثل في إيقاف مركبات فلسطينية وإنزال ركابها منها والتنكيل بهم، والاعتداء عليهم جسديا، وهذا ما حصل بالضبط مع الشهيد، ما يعد دليلاً آخر على أن "نيتساح يهودا" هي المسؤولة عن قتل الشهيد.

أجهضت هذه الجريمة أمنية الشهيد أسعد، بامتلاك الهوية الفلسطينية، والتي انتظرها منذ تقدم بطلب الحصول على "لم الشمل" في شهر تشرين أول/ أكتوبر 2010 عقب شهور قليلة من عودته إلى جلجليا، بعد رحلة طويلة إلى الولايات المتحدة الأميركية امتدت لنحو 40 عاماً.

كان أسعد قد قطع عهداً على نفسه بأن يوزع "ذبيحة" على الفقراء عند صدور هويته، وكان يخبر أبناءه المحروم من زيارتهم منذ عودته إلى قريته، بأن زيارتهم باتت قريبة. "رمشة عين وبكون بينكم"، قال لهم ذلك قبل استشهاده بأسابيع قليلة، كما قالت زوجته.

أنجب أسعد ونظمية اللذان تزوجا عام 1969 تسعة أبناء، خمس بنات، وأربعة أولاد، وجميعهم متزوجون ويعيشون في الولايات المتحدة، لكنهم لم يزوروا والديهم منذ تفشي جائحة كورونا مطلع العام 2020.

بعد استشهاده باثني عشر يوماً صدرت له ولزوجته موافقة الحصول على الهوية الفلسطينية، لكن ذلك لم يعد يعني شيئاً بالنسبة لنظمية، التي قالت بينما كانت تغوص في نوبة بكاء: "كان ينتظر هذه اللحظة بشدة، كنا مشتاقين إلى أبنائنا، كنا نريد أن نذهب للحج، لكن كل شيء انتهى، لن أغادر القرية بعد الآن، فأنا بحاجة إلى من يساعدني، فالذي كان يساعدني قد رحل".

ستبقى ورقة الموافقة على "لم الشمل" حبيسة الأدراج، كما أن هذه الورقة لم تطبع إلا بطلب من "وفا"، فصدور هذه الورقة يخوّل صاحبها بإصدار بطاقة الهوية من قبل وزارة الداخلية، لكن مع استشهاد أسعد، لم يعد لها معنى، خاصة أن الشخص الذي يتوفى تسلم عائلته هويته إلى مكاتب الداخلية حتى يتم إصدار شهادة وفاة له.

تعاني أم هاني من ضيق مستمر في التنفس، وصعوبة بالغة في المشي، فتضطر عند النوم لأن تبقى موصولة بجهاز توليد أوكسجين، كما أنها أجرت عدة عمليات قسطرة، في حين كان زوجها هو السند الذي تتكئ عليه.

لا يغيب عن بال نظمية تلك الليلة المشؤومة، حيث كانا في زيارة لأقاربهما في القرية، وتركها في المنزل الذي يقع فوق تلة عند العاشرة مساءً، من أجل السهر عند ابن عمه الذي يقع منزله وسط القرية.

يرن هاتف نظمية عند الرابعة فجراً، بصعوبة تنهض من سريرها وترفع قناع الأكسجين الذي يبقى موصولاً معها طيلة الليل، ابنتها المفجوعة من أميركا: يمّا وين أبوي، بدي أحكي معه. كان شقيق زوجها الذي يقع منزله قرب المنزل الذي ارتقى فيه والدها قد أخبرها، بأن الجنود اعتدوا عليه ويبدو أنه تعرض لحالة إغماء.

حاولت نظمية الاتصال بأقاربها وأصدقاء زوجها، لم يكن أحد يجيب، فازداد قلقها، وبعد دقائق طُرق باب المنزل، وظنت أن أسعد قد عاد، ارتاح قلبها، لكنها تفاجأت بقريبين لزوجها جاءا لإخبارها باستشهاد زوجها.

"حياتي تغيرت كثيراً، الآن أنا وحدي بين جدران البيت، أولادي لا يمكنهم أن يأتوا، وأنا لا أستطيع السفر لوحدي، ولن أسافر، سأبقى هنا، أنتظر عودة أبنائي يوماً ما".

disqus comments here