المزارعون على تخوم غزة.. مقاومة وتحدٍّ من مسافة صفر

توغلٌ للجرافات وتجريفٌ للأراضي المزروعة بالخضار والنباتات الموسمية البسيطة، وإطلاقٌ للنار على المزارعين، وإلقاءٌ قنابل الغاز المسيل للدموع، هذه هي صورة الحياة التي يعيشها المزارعون شبه يوميٍّ في المناطق الحدودية لقطاع غزة.

كان آخر هذه التعديات عملية التوغل التي وقعت أمس الاثنين في منطقة الفراحين ببلدة عبسان الكبيرة شرقي محافظة خانيونس، عندما بدأت بعمليات توغل وتجريف للأراضي القريبة من السياج الفاصل.

إصرار على الحياة

ما إن بدأت عمليات التجريف حتى هبّ المزارعون للوقوف في وجه الجرافات والآليات في مشهد يعكس مدى الإصرار على الحياة، والوقوف في وجه الفقر والحصار المفروض على قطاع غزة منذ سنوات.

فمن على مسافة صفر من الحدود الشرقية لقطاع غزة، يبدأ المئات من المزارعين كخلية نحلٍ عملَهم وسط أجواء من التوتر والقلق والخطر إلى حدِّ الموت في بعض الأحيان.

إصرار كبير يبديه المزارعون على الحدود في سبيل مواصلة عملهم من أجل كسب قوت أبنائهم، فالزراعة تمثل مصدر الرزق الوحيد الذي يعتاشون منه مع أسرهم وعوائلهم.

وتعد الأراضي مصدر قوت عيش آلاف المواطنين البسطاء السلميين الذين ينتظرون حصاد محاصيلهم كي يسدّوا جوع أبنائهم وبعض حاجياتهم البسيطة والطبيعية من ملبس وطعام وتعليم.

ويصر المزارع أبو قصي أبو طعيمة على زارعة قطعة الأرض التي يستأجرها منذ عدة سنوات، والبالغ مساحتها حوالي 50 دونماً، والواقعة بالقرب من السياج الحدودي بمنطقة الفراحين.

فعلى بعد أمتار معدودة فقط من السياج الفاصل، يخرج أبو طعيمة من منزله القريب من الأرض، كما كل يوم برفقه عدد من العمال لرعاية محصول البقدونس والكوسا الذي يشارف على النضوج، ليتفاجأ مع ساعات الصباح بتوغل آليات الاحتلال خارج السياج والبدء بعمليات تجريف.

بعد عدة دقائق وصلت الآليات إلى أرضه للقيام بأعمال تجريف؛ ليقوم بدوره والعمال الموجودون بالوقوف في وجه الآليات، ومنعها من التقدم وتخريب المحصول.

ويصف أبو قصي المشهد  بالقول: "ما إن وصلت الجرافات أمس الاثنين للقيام بأعمال تجريف، حتى وقفنا برفقة المزارعين أمام الجرافات المتوغلة، وارتمينا تحتها لمنعها من التقدم".

وقوف في وجه الموت

ويضيف المزارع أبو طعيمة: "خاطرنا بأنفسنا وأرواحنا من أجل الحفاظ على مصدر رزقنا، ومنع الاحتلال من القيام بعملية التجريف".

وحول الجرأة التي دفعتهم لمثل هذه الخطوة قال: "حِرصنا على مالنا وتعبنا وشقائنا يجعلنا نقف في وجه الموت والتصدي لكل شيء في سبيل إرجاعه وعدم النيل منه".

ويقول: "لقمة العيش مغمسة بالدم؛ خاصة أننا نواجه الموت كل يوم في ظل إطلاق النار المتكرر من الآليات المتمركزة على الحدود، والاستهدافات المتكررة للمزارعين ورعاة الأغنام والصيادين في تلك المناطق".

ولفت إلى أن الزراعة تعد مصدر الدخل الوحيد له وللمزارعين على الحدود، مشيراً إلى أنه يعيل أسرة مكونة من 12 فرداً منهم ثلاثة جامعيون.

ورغم ما حصل أمس من خطر ووقوف في وجه الموت، يعود المزارع أبو قصي إلى أرضه ليواصل العمل ورش محصوله بالمبيدات من أجل تجهيزها للسوق بعد عدة أيام.

وطالب أبو طعيمة الجهات المختصة بالعمل على حل مشكلة المزارعين بالمناطق الحدودية عبر توفير حماية لهم لأنهم عزّل، قائلاً: "نحن مزارعون لسنا مقاتلين، ولا نعمل إلا في أرضنا لنعتاش منها ونؤمن قوت أولادنا".

وبين عمليات الكرّ والفرّ يطارد الاحتلال المزارعين في المناطق الحدودية على طول الحدود مع قطاع غزة، محاولاً قطع مصدر رزقهم عبر عمليات التجريف المتكرر لمزروعاتهم وإطلاق النار والغاز المسيل للدموع.

فصول المعاناة التي يواجهها المزارعون تصطدم بثباتهم في الأرض التي يعشقونها ويروونها بماء الصبر، مستمدين صمودهم من حبهم للأرض التي تمثل لهم المكان الأول قبل المنزل.

 

disqus comments here