صدور العدد 42 من سلسلة كراسات ملف

  صدر مؤخراً ، المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات،«ملف»،العدد الجديد من سلسلة «كراسات ملف»، ويحمل الرقم 42، وجاء بعنوان«العمل الشعبي التحرري في حقول الإجتماع»، ويتضمن 4 مقالات كتبها جهاد سليمان، عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وتبحث في عناوين إجتماعية مختلفة: 1 ــ التعليم الشعبي(التحرري). 2 ــ الإعلام البديل. 3 ــ التسويق السياسي. 4 ــ الديبلوماسية الشعبية. تسلط هذه المقالات الضوء على المهام المطروحة أمام الأحزاب والمنظمات اليسارية والتقدمية، في ظل التطورات الواسعة في ميدان علم الإجتماع ، والتي وظفتها قوى الرأسمالية العالمية، في خدمة مصالحها، والترويج للإيديولوجية البرجوازية، التي تسعى لإدامة هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي. وتبرز المقالات الأربع ضرورة تعميق فهم الحقول الإجتماعية، من قبل الأحزاب والمنظمات اليسارية والتقدمية، وإعتمادها في سياق التثقيف الحزبي والجماهيري، أساساً في القراءة الموضوعية لتاريخ تطور الصراع الطبقي وأدواته، كما حددتها ووقفت على أرضيتها «الإشتراكية العلمية»

 

التعليم الشعبي (التحرري)

 

تمهيد

■ الفلسفة كلمة يونانية قديمة مركبة وتعني «الحكمة». وقد تبلورت مذاهبها ومدارسها، في سياق سعي الإنسان إلى تفسير نشأة ما يحيط به من ظواهر، وفهم العلاقة السببية التي تحكم تغيراتها، ومحاولته التعرف على العالم ودراسة قوانينه وماهية تطوره ، وموقع الإنسان نفسه في هذا العالم.

عرف التاريخ منظومات فلسفية مختلفة تبلورت في ظروف تاريخية متفاوتة ومجتمعات مختلفة، وقام بوضعها ممثلو طبقات وفئات إجتماعية متعددة، ولكي نتعرف على هذه الأنواع المتعددة للمنظومات الفلسفية، ونحدد مكانة كل منها في تاريخ الفكر الفلسفي، يتطلب الأمر تظهير السؤال الأساسي في الفلسفة: أيهما أسبق في الوجود المادة .. أم الوعي؟

• إن الفلاسفة الذين يعتبرون المادة هي الأولى في الوجود والوعي ناتج لاحق لوجودها، يقفون في صف المادية، وهم يرون أن المادة  أزلية لم يخلقها أحد، ولا توجد في هذا العالم أية قوى غيبية لا تخضع للقوانين الطبيعية، وأن الوعي نتاج التطور التاريخي للمادة، وخاصية جسم مادي معقد غير عادي هو دماغ الإنسان. ويؤكد هؤلاء أن المعرفة ممكنة من خلال تطور وعي الإنسان، وقدرته على توظيف معرفته بالقوانين العلمية من أجل تفسير العلائق في الطبيعة والمجتمع البشري. على ذلك، يمكن القول إن الفلسفة المادية تقوم في  تفسيرها للظواهر الطبيعية والإجتماعية، على أعم وأشمل القوانين، التي تفعل فعلها في الطبيعة والمجتمع.

• أما الفلاسفة الذين يقولون بأسبقية الوعي عن المادة، فيقفون في صف المثالية، وهم يرون أن الوعي وجد قبل المادة، التي هي برأيهم ناتج ثانوي عن الوعي، الذي يشكل أساس ماهو موجود في العالم. وينقسم أصحاب هذا الإتجاه إلى فريقين:

ـــ «المثاليون الذاتيون»، ويرون أن العالم خُلق من قبل وعي إنسان منفرد هو«الذات».

ـــ «المثاليون الموضوعيون»، ويقولون إن العالم خلق من قبل وعي موضوعي (خارج إرادة الإنسان)، وينكر المثاليون ــ بقسميهما ــ إمكانية معرفة العالم، رغم أن بعضهم يقول بإمكانية ذلك، لكنه يشوه جوهر هذه المعرفة عندما يؤكد أن الإنسان لا يعرف العالم الموضوعي، إلا من خلال أفكاره المطبوعة عنه■

 

 

(1)

 

 

المناهج الفلسفية على ضفتي المصالح الطبقية

 

■ تعتبر «المادية»، مذهباً فلسفياً تقدمياً، يعتمد التفسير العلمي  للظواهر الطبيعية والإجتماعية، بعيدأ عن أية مقولات غيبية (ميتافيزياقية)، في تفسير العالم، ومسار تطوره. وتعبر الفلسفة المادية عن وجهة نظر الطبقات التقدمية في المجتمع، بينما تخدم «المثالية» دوما القوى الرجعية، وهذا ما يقربها من الأفكار الغيبية،التي تهدف إلى تكريس إستغلال الطبقات المسيطرة للطبقات المسحوقة،التي تم إقصاؤها عن ملكية وسائل الإنتاج، وتسخير قوة عملها لصالح مراكمة الثروة في أيدي الطبقات القائمة بالإستغلال. وقد اعتمدت المدارس الفلسفية بمنهجيها ،المادي والمثالي،أسلوباً (منهجاً)،لكل منها، بهدف التوصل إلى إجابات شافية لما هو مطروح من تساؤلات، وهي المهمة الأساسية للفلسفة.

• تعتمد الفلسفة المادية الـ«ديالكتيك» كأسلوب للتوصل إلى المعرفة، وهو يشكل مفتاح فهم جميع الميادين الطبيعية والإجتماعية، ومسار تطور الوعي. يعني الـ«ديالكتيك» بالأساس الوصول إلى الحقيقة عن طريق كشف التناقضات في أقوال الخصم والتغلب عليه،  ثم بات أسلوباً لمعرفة الواقع.ويرى الديالكتيك أن العالم في حركة دائمة، يتكرر فيه موت القديم وإنبثاق الجديد. وهذا يخدم القوى التقدمية داخل المجتمع في نضالها ضد القوى الطبقية الرجعية، وهو ما جعل الديالكتيك وسيلة نضال فعالة، بيد الطبقة العاملة وعموم الكادحين وأحزابهم لمعرفة العالم وتغييره ثورياً.

• أما الأسلوب الذي يعارض الديالكتيك المادي فهو«الميتافيزيق»،(الماورائي/الغيبي)، الذي ظهر لأول مرة كمنهج لدراسة الظواهر في العلوم الطبيعية، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وإنتشر بين الفلاسفة، كأحد ركائز الجدل والإقناع. وكان منهج الميتافيزيق يومذاك ينكر التطور ويفهم إنبثاق الجديد والحركة كانتقال بسيط في المكان، أما اليوم وبعد الإكتشافات العلمية والتحولات الإجتماعية ، لم يعد إنكار هذا التطور ممكنا، ولهذا توجه الميتافيزيق المعاصر إلى تشويه جوهر التطور، فيعتبر أن التطور مجرد زيادة أو نقصان في الكمية، وتكرار بسيط لما هو موجود دون ظهور جديد، وينكر التناقضات كمصدر للتطور، أي أنه ينكر الطابع التقدمي للتطور ونضال الجديد ضد القديم وحتمية إنتصار الجديد. وبهذا، يتجاوب مع مصالح القوى الرجعية، التي تستخدمه في الوقوف ضد كل ما هو تقدمي ■

 

(2)

 

 

وظيفة التعليم الشعبي بين فكرين طبقيين

 

■ وُضعت الفلسفة الماركسية على يد القائدين العظيمين للطبقة العاملة، كارل ماركس (1818-1883) وفريدريك انجلز (1820-1895)، بعد أت  قطع الفيلسوفان الكبيران طريقاً معقداً في تطورهما الفلسفي والسياسي. فهما لم يتبنيا منذ البدء مواقف المادية الديالكتيكية، اذ كانا في شبابهما من أنصار الفلسفة «الهيجلية» ، نسبة إلى الفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831)، الذي أعتبر فيلسوفا مثالياً موضوعياً، فكان يعتقد بأن العالم هو نتيجة فعلية أو خلق وعي خارج الإنسان. ورغم هذا فإن «هيجل» ساهم جديا في تطوير الفكر الفلسفي، وأعد نظاما متناسقا للديالكتيك المثالي كمجموعة من القوانين والمفاهيم المنطقية الإنسانية, فقد صاغ «هيجل» القوانين الأساسية للديالكتيك التي تتطور على أساسها الأفكار والآراء، وأشار إلى أن الأفكار لا تتطور في دائرة مغلقة وانما بشكل تقدمي، من الأدنى إلى الأعلى، وفي مجرى هذا التطور تتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية (كيفية)،  وأن التناقض هو دافع التطور، كما أعطى تحديداً للمفاهيم الأساسية للديالكتيك، وكشف علاقتها المتبادلة ،وقدرتها على التحول من واحدة إلى أخرى. إن الديالكتيك كان الشيء الإيجابي الذي أخذه ماركس وانجلز من فلسفة هيجل، ونزعا عنه قشرته المثالية واستفادا منه في وضع الديالكتيك المادي، والمادية التاريخية.

وكان لمادية فيورباخ (1804-1872)، أثرا كبيرا في تطور وبلورة نظرية  ماركس وإنجلز، بحيث  كان فورباخ ماديًا ، رفض المثالية واعتبر أن الفلسفة يجب أن لا تظل رهينة الفكر المجرد، وان مهمتها هي دراسة الطبيعة والانسان. وقد ساعدت الأفكار  المادية التي تضمنتها فلسفة فيورباخ كلاً من ماركس وإنجلز على التخلص من المثالية الهيغيلية، وإستفادا منها في صياغة المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية. إلا أن ماركس وإنجلز لم تعجبهما سلبية فيورباخ في الانعزال عن نضال الشعوب التحررية،، كما أكد ماركس ولينين أن أهم القضايا الفلسفية والاجتماعية ينبغي أن تحل ليس في المكاتب الهادئة، وإنما في التطبيق وفي النضال السياسي الثوري، أي «ممارسة النظرية الثورية في الميدان».

وبهذا يكون ماركس وإنجلز في صياغتهما للماركسية، إستفادا من ديالكتيك هيغل ومادية فيورباخ، بعد أن أعادا صياغتهما بشكل انتقادي وبذلك حرراها من رواسبها اللاعلمية وأغتنتا بالتجربة الهائلة لنضال الطبقة العاملة الثورية وبأحدث المنجزات العلمية، وعليه يكون ماركس وانجلز بوضعهما المادية الدياليكتية والمادية التاريخية قاما بثورة هائلة حققت انقلابا في الفلسفة، وهذا ما سيؤثر بشكل مباشر على المدارس الفلسفية  ويغني مدرسة التعليم التحرري التي تشكل أحد أبرز النماذج التعليمية المناهضة لنظام التعليم البرجوازي، السلاح الفكري الأبرز  الذي تستخدمه البرجوازية لاستمرار سيطرتها  كطبقة على الطبقات الأخرى من خلال جهاز الدولة في إطار تطور أنماط الإنتاج داخل المجتمعات وفقا للمادية التاريخية.

■ بالعودة إلى المادية التاريخية،ـ فقد شهد التاريخ حتى الآن أربعة نماذج من أنماط الإنتاج التي تتألف من اتحاد القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج وهي المشاعي البدائي، العبودي، الإقطاعي، الرأسمالي، أذ يعتبر التغيير الذي حصل على مر التاريخ البشري هو نتاج تطور القوى المنتجة وتخلف علاقات الإنتاج عن مواكبتها، مما يولد وعيا ثوريا بإتجاه التقدم نحو أسلوب الإنتاج الأرقى، باعتبار كل نموذج من أساليب الإنتاج التي ذكر أرقى من الذي قبله، وفي إطار هذا التطور التاريخي في الإنتاج المادي نشأ جهاز الدولة الذي يعتبر جزء من البناء الفوقي للمجتمع إلى جانب الأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية وغيرها أي أن البناء الفوقي(الذي يضم الدولة) هو عبارة عن منظومة الأفكار السياسية والحقوقية والفلسفية والدينية والسلوكية والجمالية والعلاقات الأيديولوجية، والمؤسسات الحالة المقابلة لها.

أما البناء التحتي (الأساس أو القاعدة)، فهو مجموع علاقات الإنتاج، أي البنية الاقتصادية للمجتمع، إذا يعتبر البناء التحتي تحتي بالنسبة للبناء الفوقي والعكس صحيح، بحيث يتفاعل البناءان ويؤثران ببعضهما البعض، انطلاقا من هذه العلاقة الملزمة وإن لم تساوي بينهما، فالبناء التحتي هو الأساس بالنسبة للبناء الفوقي الذي بدوره يلعب دورا حاسما في دينامية وتطور البناء التحتي، كما حو حال الدولة، من زاوية تأثيرها في دينامية وتطور علاقات الإنتاج والتبادل.

فالعلاقة بين البنائين (التحتي والفوقي)، تكون في عديد من الأحيان قائمة على علاقة الأساسي بالحاسم، فمحرك التطور في المجتمع ليس البناء الفوقي بل البناء التحتي، لكن الأخير لا يفرض نفسه ولا يكتمل شرطه إلا بتطور مواز أو لاحق للبناء الفوقي، فالثورة الفرنسية ــ 1789 (التي أحدثت تغييرا جذريا على بنية الدولة ومنظومتها القانونية، الفكرية، الخ) توجت انتصار البرجوازية (نمط الإنتاج الرأسمالي)، على طبقة النبلاء (نمط الإنتاج الاقطاعي)، وثبتت صيغة الدولة التي تعكس السلطة السياسية للطبقة المسيطرة إقتصاديا (البرجوازية) أي الطبقة الأساسية في المجتمع بحكم أسلوب الإنتاج السائد. وكانت الثورة الفرنسية ضرورية لحسم المضمون الطبقي للسلطة الحاكمة وشكلها (من خلال الدولة) المنسجم مع أسلوب الإنتاج الصاعد، أي أسلوب الإنتاج الرأسمالي، وقد حرص علماء الاجتماع البرجوازيين وعلى الدوام إلى تصوير الدولة على انها أداة نزيهة للنظام،  تضطلع بدور حل  الخلافات التي تقع بين الناس دون النظر إلى أي طبقة ينتمون، بحيث اعتبر لينين أن مثل هذه النظرية عن الدولة، تبرر إمتيازات البورجوازية ووجود الاستغلال والرأسمالة.

وقد حرصت الماركسية على إثبات أن الدولة ليست قوة مفروضة على المجتمع من الخارج وانما هي نتاج التطور الداخلي للمجتمع، وأوضحت أن الدولة وُجدت جراء التغييرات في الإنتاج المادي، وأن استبدال أسلوب الإنتاج بأسلوب آخر يسبب تبديل بناء الدولة.

فالدولة لم تكن موجودة دائما، ففي المجتمع البدائي حيث لم توجد ملكية خاصة ولا طبقات لم توجد الدولة أيضاً، لقد وجدت حينذاك وظائف اجتماعية معينة غير أنها كانت تنفذ من قبل أناس انتخبوا من قبل المجتمع كله، وكان المجتمع يملك حق تبديلهم وإنتخاب غيرهم، لقد كانت علاقات الناس في ذلك الزمن البعيد مؤسسة على قوة الرأي العام.

■ وعليه فإن التطورات اللاحقة التي طرأت على القوى المنتجة أدت إلى تفكك المجتمع البدائي، فلقد ظهرت الملكية الخاصة وظهرت معها الطبقات، وظهرت ضرورة حماية الملكية الخاصة وسلطة وأمن مالكيها، بجميع الوسائل التي ابتكرتها البرجوازية كطبقة تسعى للسيطرة وإبقاء سيطرتها على الطبقات الأخرى خاصة الطبقة العاملة، ومن أحد ابرز وأهم هذه الوسائل تكريس نظام تعليمي (برجوازي) كمؤسسة تخدم هذا الهدف وتسعى لإستدامة عملية السيطرة والاستغلال من قبل طبقة بعينها (البرجوازية) على الطبقات الأخرى، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى كالجيش والدرك وجهاز الحكم البيروقراطي بمختلف تشكيلاته (موظفين، وأجهزة تجسس، محاكم، السجون، المعتقلات) اذ يشكل هذا كله بمجموعه السلطة السياسية العامة للدولة الاستغلالية.

وفي هذا السياق ظهر الفكر الليبرالي البرجوازي الذي يروج وعلى الدوام لديمقراطية الدولة البرجوازية، التي يعتبرها الكثير من إيديولوجي وساسة الفكر إياه بأنها أرقى أنواع الديمقراطية بإعتبارها فوق الطبقات، وأنها لم تعد جهازاً لطبقة واحدة فقط (الرأسمالية)، بل تحولت إلى خدمة جميع الطبقات الاجتماعية، غير أن هذه المزاعم لا أساس لها من الصحة، فالدولة البرجوازية ليست دولة ديمقراطية للجميع، انما ديمقراطية لطبقة معينة، هي الطبقة البرجوازية ،التي تشكل الأقلية القليلة (الأغنياء)، ورأى  لينين أن الدولة البورجوازية بجميع اشكالها هي ديكتاتورية البورجوازية، وأداة لقمع الطبقة العاملة وعموم الكادحين.

فعلى الرغم من قيام الفكر الليبرالي البرجوازي على قيمتي الحرية والمساواة، فهذه القيم لا تمتد إلى الحقل الاقتصادي، اذ اقتصرت ملكية وسائل الإنتاج على طبقة معينة وأقلية من الأغنياء وحجبت عن عموم الشعب، وهذا أيضا ينطبق على أسلوب التعليم الليبرالي البرجوازي الذي حجب عملية امتلاك المعرفة وتبادلها وانتاجها عن عموم الشعب، وحصرها بيد نخب من المثقفين والعاملين في الحقول العلمية والطبية والفلسفية وغيرها من الحقول،  داخل المباني والمكتبات والجدران المغلقة، والتي يتم بداخلها صناعة قوى إنتاج تخدم مراكمة رأسمال الطبقة البرجوازية الحاكمة المسيطرة على جهاز الدولة، وهذا يجعل من نظام التعليم البورجوازي المتبع، مسلكاً إجبارياً لضمان عملية إبقاء السيطرة والاستغلال والاضطهاد، الذي يمارس في ظل هكذا مجتمعات طبقية، والذي يعتبر امتدادا لتطور وتغيير وظيفي حصل على عملية انتاج المعرفة وتناقلها والتي نذكرها في السياق التالي:

■  في العودة إلى تاريخ الحضارة الإنسانية، كانت الابداعات المعرفية مرتبطة بالممارسة، أي في عملية الربط بين ممارسات الانسان اليومية (المادية) والفهم، كما كانت عملية نقل المعارف تتم بطريقة مشتركة بحيث أخذت المدارس الأولية الشكل المفتوح في الساحات والأسواق (سوق عكاظ)، وذلك بسبب كثرة التنقل والسفر التي كانت تشكل صلب استمرارية المجتمعات وتلبية حاجاتها وتطورها من خلال تبادل السلع وبالتالي تبادل المعارف.

وكانت عملية التبادل هذه تجري بشكل فصلي أو موسمي من قبل الشعوب التي اشتهرت في التجارة كالفينيقيين والآشوريين واليونانيين وغيرهم، اذ لم يكن هناك أي إحتكار للمعرفة ، بل كانت المعرفة نتاج ممارسات لجميع الناس وتنقلها في إطار التشاركية والتنقل المعرفي، وقد أدى هذا التنقل في التبادل المعرفي إلى تطور بعض الدول خاصة تلك التي شهدت حركة ترجمة لهذه المعارف وتطويرها من خلال الممارسة. اذ كانت عملية التعليم تتم من خلال الروايات على لسان (الروائيين) أو الشعر في الساحات المفتوحة مما جعل المعرفة ملكاً لعموم الشعب.

■ مع ظهور المجتمع اليوناني في أثينا (دولة المدينة)، تم تغيير قوانين التعليم من خلال التقسيم الطبقي الذي حصل على المجتمع، بالإضافة للإقدام على الفصل بين العمل الذهني والعمل الجسدي، وشكل ذلك تغييرات سياسية بسبب حسم مسألة السلطة في أثينا بيد جماعة معينة والتي عرفت بمجالس أثينا، الأمر الذي أدى إلى فرض قيود جديدة على العملية التعليمية، وحصرها في إطار بعض الساحات، التي عرفت بساحات «أغورا» المخصوصة لطبقة الحكماء ومنعها عن عموم الشعب العام، مما أحدث تغييرا جوهريا على عملية التعليم وتغييراً جوهرياً على وظيفة المعلم، إذ انتقلت عملية إنتاج المعرفة المشتركة من الساحات المفتوحة ومن الممارسة اليومية للإنسان ومحاولة فهمها إلى داخل الساحات والأماكن المغلقة، بحيث إنحصرت بيد الحكماء والنخب داخل المجتمع الذين يجهدون في عملية تأمل بالمعرفة المطلقة في محاولة لإكتشافها ونقلها للمجتمع، مما أدى إلى ولادة المدارس المعزولة المقتصرة على النخب التي احتكرت المعرفة بهدف إعادة انتاج الوضع السياسي والفلسفي، بما يخدم التقسيم الطبقي الجديد والذي تسيطر فيه أقلية حاكمة على مفاصل الدولة وملكية وسائل الإنتاج، في حين كانت المدارس مفتوحة ومرتبطة بالممارسات اليومية وإنتاج المعرفة الهادفة والتطويرية .

■ انتقد ماركس المدرسة البورجوازية وخاصة مفهوم الإستلاب (الأسر الكلي لفكرة ما)، الذي انتجته المدرسة البورجوازية خاصة على مستوى الاستلاب الفكري والثقافي، الأمر الذي سعت اليه البورجوازية من خلال نظام التعليم إياه للدفع بالطبقة العاملة والكادحين للتفكير في القيم الإنسانية خارج إطار طبقتهم. كما اعتبر ماركس أن تغيير النظام الإجتماعي وعلاقات الإنتاج داخل المجتمع، والقضاء على جميع أشكال استغلال الطبقة العاملة يكون من خلال القضاء على الاستلاب والاضطهاد الاجتماعي، وهذا ما دفعه لكتابة العديد من المقالات حول التعليم (التحرري) والتكوين الثقافي للعمال. وأكد ماركس  أن تحرر العمال يتم من خلال إخضاعهم لعملية توعية وتثقيف تؤدي إلى امتلاكم أدوات الثورة والتحرر، وهو ما يحقق الشرط الأساسي لتحقيق المعرفة.

بدوره، كتب لينين حول التعليم الشعبي (التحرري)، اذ إعتبر أن الدولة البورجوازية لم تكن أكثر ثقافة بل أكثر كذباً، وأن المدرسة البرجوازية ذات النظام التعليمي البرجوازي هدفها إعادة انتاج برجوازيين، وأقنان خنوعين وخادمين لعملية تراكم رأس المال للطبقة المسيطرة، الأمر الذي يتم من خلال عملية التعليم التلقينية التي ترى في المعارف كماً من المعطيات، يجب استيعابها إذ تكون عملية التقييم من خلال مدى استيعاب هذه المعارف، وكمية المعلومات التي تستخدم في الإجابة عن كمية الأسئلة التي تطرح بالامتحانات، والتي تستخدم لنشر ثقافة الخوف والخنوع والصمت، بتصوير الأستاذ كمصدر للمعرفة المطلقة، كما انتقد لينين ما أسماه الغطرسة الشيوعية لدى بعض المكونين (المحاضرين) الذين يعتقدوا بأنهم يمتلكون مستوى معرفياً أعلى من الآخرين، في حين تبقى تلك المعارف حبيسة القاعات والمكتبات وداخل الكتب والكراريس والمؤلفات، مما ينزع عنها قيمتها المعرفية، واعتبر لينين أنه لا قيمة معرفية خارج الممارسة الميدانية والعمل، وأن القطيعة بين النظرية والممارسة هي سمات المجتمع البرجوازي القديم.

وعليه، كان النقد الماركسي يفضح خدمة المدرسة للمصالح البرجوازية، بإعتبار أن المعرفة لا تستقى من الكتب فحسب، بل من خلال الممارسة الميدانية، وأن دور المكون (المحاضر) ليس فقط القراءة وإعادة النقاش، بل الربط الجدلي بين النظرية والممارسة الميدانية. فبرزت العديد من الإسهامات، التي تحدثت عن العلاقة والترابط في عملية التعليم التحرري بين النظرية والممارسة الميدانية خاصة في دول أميركا اللاتينية (نيكاراجوا- كوبا- أرجنتين- بارغواي- فنزويلا)، والتي جاءت نتيجة لنضالات شعوب تلك البلدان والقوى اليسارية ضد الديكتاتوريات خاصة في فترة الستينيات والسبعينتات، ق20، اذ ظهرت بشكل ضروري الحاجة إلى مشروع سياسي يمكن الشعوب من إحداث ثورات تحررية وانتصارها على تلك الديكتاتوريات، وهو الذي عرف بمشروع بناء مراكز القوة الشعبية داخل الدول خارج جهاز الدولة البورجوازية، تحاول القضاء على مركزية الدولة البورجوازية من  خلال بناء مراكز القوى الشعبية التي تنسق فيما بينها  لبناء فهم مشترك للقوى الاقتصادية، والتحريض الثوري بين الفئات الشعبية، الأمر الذي دفع بالكثير من الأساتذة والفلاسفة والمفكرين في أميركا اللاتينية  للوقوف بشكل وواضح وحازم في مواجهة نظام التعليم البورجوازي المتبع وتأثيره على ثورية المجتمعات وتحررها من نير الاستغلال والقهر والظلم والاضطهاد الطبقي لصالح بناء المجتمعات التي تتجسد فيها جميع القيم الإنسانية بالتساوي، وتختفي فيها الفروقات الطبقية وتتجسد القيم الإنسانية بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. ومن أبرز المفكرين، الذين انبروا لنقد نظام التعليم البورجوازي هو الأستاذ والمفكر البرازيلي ،باولو فريري، (1921 ــ 1997)، الذي سخر جميع أعماله وكتاباته وتجربته الأكاديمية، في خدمة إرساء وتطوير نظام تعليمي مناهض للتعليم البرجوازي، كما جاء في كتابه «بيداغوجيا المقهورين».

رأى باولو فريري أن عملية التعليم لا يمكن أن تكون عملية محايدة، فيقول«التعليم إما أن يتحول إلى أداة تصهر الأجيال الصغيرة في النظام الحالي وتؤدي إلى الانصياع له، أو يصبح أداة لـممارسة الحرية، إنها الوسيلة التي من خلالها يتمكن الرجال والنساء من التعامل بشكل انتقادي وخلاق مع الواقع، ويكتشفون كيف يمكنهم المساهمة في تحرير مجتمعهم».

وقد أطلق فريري على عملية التعليم البورجوازي (التلقيني) بالتعليم البنكي (السلطوي)، الذي يمثل عملية «إيداع»، المعلومات في دماغ الطالب، على يد المودع أي المعلم، وبدلا من أن يقوم المعلم بالتواصل مع الطلاب يلجأ إلى تلقينهم المعلومات غيبا ويرددونها، اذ لا يبقى في نهاية عملية الإيداع وبعد الامتحانات إلا قليل من المعلومات التي ترسخ في ذهن الطالب، دون أي فهم لحاجتها وإمكانية تطويرها، فالمفهوم البنكي للتعليم يعتبر المعرفة هبة يتم منحها للطالب من قبل من يدعون المعرفة المطلقة مقابل مجموعة من الجاهلين المتلقين للمعلومات، وهذا ما يعتبر شكلا من أشكال «الاضطهاد»، إذ يحول الانسان إلى كائن قابل للتكيف مع ما يلقن به ومجرد من أي قدرة على الإنتقاد والتطوير والمشاركة في انتاج عملية التعليم والمعرفة، وهذا ما يدفعه إلى التكيف ما واقعه السلبي وتقبله.

كتب باولو فريري حول التعليم الشعبي (التحرري)، الذي يقوم على المشاركة والمناقشة، مما يجعل من العملية التعليمية نشاطاً حياً يشارك فيه الطرفان المعلم والمتعلم في الوصول إلى الأحكام والحقائق والنتائج، ويفجر الطاقات ويطلقها، ويُحفِّز على التفكير الإيجابي الفعال والإبداع والإبتكار للوصول إلى الأهداف المشتركة.

ويؤكد فريري أن الأساس في التعليم الشعبي (التحرري)،  يبدأ بحل التناقض بين المعلم والتلميذ، وصولا إلى ما أطلق عليه «المعلم الطالب» و «الطلاب المعلمون»، مما يعني أن عملية التعليم تصبح عملية مشتركة يتعلم الطرفين من خلال انتاج هذه المعرفة المشتركة في نقاشهم وتفاعلهم، وفي كتابه «بيداغوجيا المقهورين»، يوضح بصورة جلية العلاقة الوطيدة بين «الديكتاتورية» وبين الأساليب التعليمية المنتشرة في مجتمعاتنا.

إذا يشكل التعليم الشعبي (التحرري)، أساس البناء الصحيح نحو ثورية المجتمع وتحطيم جميع اشكال الاضطهاد والاستغلال والفوارق الطبقية، باعتبار أن من لا يمتلك الحرية لا يمكن أن ينجز عملية تحرر، تؤدي في نهاية الصراع إلى تكريس مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية وتنسف الفوارق الطبقية وتنهي سيطرة أقلية من الأغنياء على السلطة من خلال امتلاكم لوسائل الإنتاج.

شهد العالم العديد من التجارب الناجحة لإتباع نظام التعليم الشعبي (التحرري) المفتوح والموجه إلى عموم الشعب، خاصة في أميركا اللاتينية، وقد انتجت كوبا نموذجا ناجحا في محاربة الأمية ونشر التعليم والمعرفة بين عموم الشعب، ففي عام (1959)،  قرر الزعيم الكوبي فيدل كاسترو(1926-2016)، إغلاق مدارس وجامعات كوبا لعام واحد وتكليف الطلبة والمدرسين بتدريس الأميين ، بحيث انطلقا الحملة في 22 يناير وانتهت في آخر العام نفسه، مما أدى إلى انخفاض نسبة الأمية في عام واحده فقط من 50% إلى 0.4% اذ أطلق الزعيم كاسترو على المنتظمين في الحملة إسم «كتائب محو الامية»، الأمر الذي رفع مكانة دولة كوبا التعليمية وجعلها في الترتيبات الأولى بعدد الأطباء على صعيد العالم.

كما تشهد البرازيل اليوم نموذجاً رائداً في مجال التعليم الشعبي (التحرري)، الذي يحاكي أسلوب التربية التحررية، والتعليم من خلال الديالكتيك المادي والتشارك في انتاج المعرفة المشتركة من خلال ممارسة النظرية في الميدان والمزج بين التعليم النظري والميداني، والتي تجسده حركة «فلاحون بلا أرض» في البرازيل MST، والتي تعتبر واحدةٌ من أبرز الحركات الإجتماعية في العالم، يعود تأسيسها إلى عام  1984، ويزيد عدد أعضائها عن مليون ونصف المليون، هدفها حل مسألة الارض والاصلاح الزراعي، إلا انها تذهب إلى أبعد من ذلك بالتزامها دوراً فاعلا في التأسيس لمجتمع أكثر عدالة وتقدّمية، عبر تعهّدها بالحفاظ على البيئة، والتمكين الجندري، وتأمين السكن اللائق ومحو الأمية وديمقراطية التعليم وتعميم التأمين الصحي، والأهم دورها في نشر الأمل والتفاؤل بعالم أفضل.

 تملك حركة «فلاحون بلا أرض» جامعة خاصة بها في ولاية ساو باولو مسماة على اسم المفكر الماركسي فلورستان فرناندس، ويدرس نحو 150 ألفاً من التلامذة في مدارسها الابتدائية والثانوية، وتعتمد أسلوب التعليم الشعبي (التحرري)، بالإضافة إلى عدد من المدارس الأخرى التي تعتمد أسلوب التعليم الشعبي (التحرري) ومن بينها مدرسة «نيكروما» في جنوب أفريقيا ومدارس أخرى في النيبال كمدرسة «مادان بهانداري»،  والولايات المتحدة الأمريكية وهاييتي وغيرها، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مدرسة التكوين السياسي والشعبي في تونس■

 

(3)

 

 

مدرسة التكوين السياسي والشعبي في تونس

 

■ تأسست «مدرسة التكوين السياسي للمنطقة العربية والمغاربية»  في تونس، سنة (2018)، من أجل العمل والتفكير والتخطيط والتنظيم والتطوير المستمر لتكوين سياسي وفكري لمناضلي ومناضلات القوى التقدمية والديمقراطية بالمنطقة العربية والمغاربية والعالم، فالمدرسة تستهدف من خلال منهجها النظري والتطبيقي السياسي والبيداغوجي، المنظمات الشعبية المناضلة بالمنطقة والعالم.

وفي هذا الإطار، تركز المدرسة على التكوين والتفكيرالعلميين المعمقين في الممارسة التنظيمية والسياسية بغرض المساهمة في بلورة الإستراتيجيات والتكتيكات التي ستحقق التراكم في اتجاه التغيير الإجتماعي.

إن المشروع التربوي للمدرسة العربية والمغاربية للتكوين السياسي بتونس غير منفصل عن المشروع الشعبي، الذي يصب في اتجاه التغيير الاجتماعي ،الذي تم التطرق إليه في الشرح أعلاه، وتم رسمه من خلال التجارب الملموسة لمختلف المنظمات الشعبية بالمنطقة والعالم. ومن خلال هذا المنظور، فإن المدرسة تسعى إلى بناء سيرورة حد أدنى مشتركة في التكوين الفكري مبنية على المعارف والمبادئ والمناهج النظرية، التي يجب أن يتملكها جميع المناضلين والمناضلات والقادة والأطر. وما يجب التأكيد عليه هو أن سيرورات التكوين السياسي لا ترتبط باللحظات التي تقدم خلالها الدروس فحسب، لكنها تتم خلال جميع الأنشطة اليومية بالمدرسة التي تعتمدها سيرورتها السياسية، وبهذا تكون الممارسة، هي مركز هذه العملية التربوية.

تسعى مدرسة التكوين السياسي، بالإعتماد على أسلوب التعليم الشعبي الذي ينطلق من تفعيل منظومة الأبعاد البيداغوجية (التربوية)، إلى المساهمة في تقوية التحليل السياسي وتدعيم المنظمات الشعبية، والمساهمة في البحث عن حلول للتحديات التي تواجه هذه المنظمات، وتطوير الخطوط الإستراتيجية التي يجب أن تتبعها برامج التكوين السياسي، بالإضافة إلى تطوير تبادل الخبرات والدروس عبر مقاربة مختلف النظريات البيداغوجية (التربوية).

 • أهم الأبعاد البيداغوجية (التربوية) المعتمدة :

1- التنظيم: يحيل هذا البعد إلى الهيكلية التي يتم من خلالها تنظيم المدرسة بما فيها الطلبة، وهي هيكلية تضمن الترابط بين الطلبة أنفسهم والبنيات التنظيمية الأخرى في المدرسة: اللجنة السياسية، اللجنة البيداغوجية والسياسية، اللجنة الإدارية.

أما فيما يخص الطلبة، فيعبِّر هذا البعد عن نفسه بشكل أساسي من خلال إنضمام الطلبة إلى مجموعات قاعدية (BG)، تتولى مسؤولية تنظيم نفسها بشكل ذاتي في جميع لحظات تواجدها ونشاطها متعدد الأوجه في المدرسة.

 

2- العمل النضالي: إستنادا إلى مبدأ ربط النظري بالعملي، فإن كل الطلبة يجب أن يقوموا يومياً بالعمل النضالي بمختلف قطاعات العمل في المدرسة، أي البيداغوجية، الإدارية، الخدماتية.... هذا يعني أن الطلبة يساهمون بشكل جماعي، بالشراكة مع البنيات التنظيمية الأخرى، بتحمل مسؤولية إنجاز المهام اليومية، بما فيها التخديمية، التي تضمن إستمرار عملية التعلم بشكل فعال.

 

 

3- الدراسة: تتجسد الدراسة والبحث في المدرسة في قاعات للدراسة الجماعية، تكون بالعادة على شكل محاضرات تشاركية، بالإضافة إلى فضاءات تعليمية أخرى توفر وقتا للبحث والتعلم، سواء في المجموعات القاعدية، مجموعات العمل النضالي اليومي، أو خلال عملية بناء التحليل السياسي. تسعى هذه الفضاءات إلى لمساعدة على تنظيم الأفكار ورسم الخطوط العامة للنظرية ومواضيعها الأساسية، كما تساهم في التعلم النظري والمنهجي.

 

4- المستيكا (الرمزية الحركية): تشكل المستيكا لحظة جماعية يؤكد من خلالها الحاضرون في المدرسة على الإلتزام بالنضال والإحتفاء به،  كذلك تشكل لحظة يكرسون من خلالها قيم ومثل وأحلام الطبقة العاملة وسائر الكادحين؛ إنها توجه عام للتعبير عن نضالاتنا، فهي تتمتع بأفق ثوري تغذي وتشجع المناضلين والمناضلات، من خلال العمل المسرحي والغنائي والشعري والإيمائي.

5- الفن والثقافة الثوريين: تسعى المدرسة إلى تحدي الهيمنة الثقافية التي يفرضها المجتمع الرأسمالي، وتؤسس لمنظومة ثقافية وفنية بديلة تتجسد فيها القيم الإشتراكية والإنسانية، ثقافة وفن تتجسد قيمتهما بقدرتهما على تحرير الإنسان والتعبير عن إنسانيته.

 

• التعليم الشعبي (التحرري) في المنظمات التقدمية واليسارية:

 

لا يمكن للقوى التقدمية أن تمضي في مسيرة النضال والكفاح ضد القوى الرجعية والبورجوازية التي تستخدم كافة الوسائل والامكانيات، للمحافظة على مكاسبها ومراكمتها على حساب الطبقات الفقيرة والمهمشة وفي مقدمتها الطبقة العاملة وعموم الكادحين، إلا من خلال القضاء على الوسائل التي تستخدمها الأنظمة البورجوازية وفي صلبها النظام التعليمي القائم.

فالتعليم التحرري هو أساس نفي التعليم البورجوازي، وكل ما يتعلق به في عملية انتاج المعرفة المقتصرة على خدمة طبقة مسيطرة ومستغلة تمتلك وسائل الإنتاج، وعملية النفي هذه تقع على عاتق القوى التقدمية واليسارية الثورية، التي تاهت في كثير من المحطات في دهاليز نظام التعليم التلقيني والبنكي، من خلال الاكتفاء بالتكوينات (التثقيف) الكلاسيكي الذي يصور مجموعة من المناضلين على أنهم ملاكو المعرفة المطلقة مقابل مجموعة من المنضالين والمناضلات، الذين  يلقنون الواجبات والأسلوب والأهداف الثورية بعيداً عن الميادين وساحات الاختبار الحقيقي للنظريات التي تقبع داخل مجموع المؤلفات والكراريس والكتل التي ستبقى بلا فائدة وبلا أي منفعة ، اذا ما بقيت بعيدا عن عملية الإختبار الميداني وتطويرها بعيدا عن الممارسة التي تشكل تكاملا في انتاج المعرفة الثورية وتبادلها.

وهذا يتطلب العمل الجدي على بناء مثقفين العضويين داخل الحزب، في عملية تعليم مشتركة تقوم على أساس الديالكتيك المادي،(الجدل في انتاج المعرفة)،القادرين على الإضطلاع بمهماتهم الثورية تجاه المنظمات الجماهيرية وعموم الشعب الذي يطمح إلى الخلاص من الاضطهاد والاستغلال وتحقيق المساواة الحقيقية والعدالة الاجتماعية، والقادرين على أن يتحملوا مسؤولية بناء مراكز القوة الشعبية في هذه المجتمعات البرجوازية، والتي تستطيع عبر تراكم كمي لمعارفها وممارساتها النضالية والثورية، وتكامل الفهم النظرية الثورية مع الممارسة الميدانية ، إلى إحداث التغيير الكيفي على نمط الإنتاج ، وبالتالي على بنيته الفوقية والتحتية التي تأسس لنمط الإنتاج الاشتراكي في دولة تكون حلقة الوصل في عملية الانتقال إلى مجتمع خال من جميع التقسيمات الطبقية■

 

 

الإعلام البديل ووسائل التواصل الإجتماعي

 

 

تمهيد

 

 

■ شكلت الشبكة العنكبوتية ،(الأنترنت)،منذ انتشارها على نطاق الإستخدام الشعبي العام، ثورة كبيرة على صعيد صناعة «المعلومة» وتناقلها، من خلال ربط العالم بأسره بمجموعة من محطات البث العالمية، المملوكة من أصحاب رأس المال العالمي، والمرتبطة إرتباطا مباشرا بمراكز صنع القرار في الدول الامبريالية، خاصة الامبريالية الأمريكية، وأجهزتها الاستخبارية والأمنية، وذلك بعد سلسلة من التجارب، في مختبرات الدوائر الأمنية المغلقة، داخل هذه الدول، بهدف ابتداع حرب من نوع جديد، تخدم مصالح الرأسمالية العالمية، عبر الاستعمار غير المباشر، وإحكام السيطرة على دول الرأسمالية المعاصرة في أطرافها، ووضعها تحت مجهر المراقبة الدورية، والتأثير المباشر عليها، بضخ المعلومات بطرق خبيثة وذكية تتسم بالسهولة والانتشار الواسع والوفرة بين العموم، وعلى وجه الخصوص الطبقات الشعبية، وبأسلوب يمتاز بالتكرار الممنهج، المسلط على أدمغة الملايين، من شابكي حواسيبهم الثابتة، التي ترجمت حرفيا، مفهوم «العولمة» بأدق تفاصيلها، أي جعل العالم بأسره فضاءً مفتوحاً، على مراكز متخصصة في صنع المعلومات، وتبادلها بمجرد ملامسة أصابع اليد، لوحة المفاتيح المصنعة بعناية لهذا الغرض الاستعماري■   

 

 

(1)

 

 

حروب غير دامية

 

■ منذ إنتهاء الحرب العالمية الأولى، صعًدت الإمبريالية العالمية، ودول تقاسم النفوذ والهيمنة في العالم، عملية صناعة المعلومات،في اطار ما كان يعرف «بالغزو غير الدموي»، أو الدعاية الإعلامية (PROPAGANDA)، وجند لهذه الغاية، فرقاً من المتخصصين، في مجال صناعة المعلومات وتطويرها، وتطوير أشكال تناقلها، لإدراك القوى المتصارعة، لأهمية الأثر المركزي، لآلية صناعة المعلومات، ومنهجة ترويجها وأساليب تناقلها، وإكسائها الدعاية المناسبة، إن كان على الصعيد الدولاتي أو خارج حدود الدولة، لأوسع شعاع ممكن أن تصل اليه هذه المعلومات، بطريقة ممنهجة.

وهذا ما شهدته سنوات ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وخلالها وما بعدها، إذ برع مهندسو الدعايات الحربية، خاصة على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وألمانيا، بعنوانها المباشر وزير الدعاية الهتلرية،بول غوبلز، في إدارة معارك الدعاية والدعاية المضادة، من ناحية صناعة المعلومات والترويج لها، وإبتكار أساليب التأثير الداخلية، ومجابهة الدعاية المضادة، من خلال الابداع في صناعة المركبات التي تحمل هذه المعلومات، أو الكبسولات المعلوماتية، التي توصف للجماهير الشعبية، داخل حدود البلد الواحد أو خارجها.

وقد كان للجريدة والمقال الصحفي التأثير الأبرز. اذ لعبت الجريدة وخاصة الحزبية، بالإضافة إلى جميع أشكال المنشورات الورقية، دوراً رئيسيا  في تجنيد الجماهير الشعبية، لصالح فكرة معنية، بالإعتماد على تكرار صناعة المعلومات وضخها مراراً،  كما كان لرقعة انتشار الجريدة، في داخل البلد الواحد وخارجه، الدور الأبرز في ترجيح كفة المعلومة التي تحملها، على تلك المصنوعة، في مختبرات مروجي الجرائد المضادة، وهذا إعتمد بشكل مركز على القدرة الإنتاجية للمعلومة وتكرارها بمنهجية تتسم بالتجديد الدائم، وبالأشكال المختلفة، ومن جهة أخرى للأعداد المطبوعة للجرائد، والإمكانية على توسيع رقعة انتشارها داخلياً وخارجياً، وهنا كان للجانب الاقتصادي (التمويلي)، الدور الأساسي في استنساخ المعلومات، ورقعة انتشارها، خاصة على صعيد ألأحزاب الثورية، التي وجدت نفسها في مواجهة آلة عملاقة من الإنتاج والاستنساخ المعلوماتي، والقدرة العالية على ضخ المعلومات ونقلها في الداخل والخارج.

لم تكن الجرائد الرسمية او الحزبية، الأداة الوحيدة، الحاملة للمعلومة والمنوط بها مهمة نشرها وتعميمها على أوسع نطاق ممكن، بل كان لبعض الوسائل الأخرى دوراً كبيراً في هذا المجال، طورت وأستحدث من أجل الهدف عينه، وهو الإجابة على السؤال الجوهري، في كيفية البحث عن أساليب تطوير عملية صناعة المعلومات، وتطوير طرق إنتقالها وانتشارها وجعلها مؤثرة، وهنا دخل المذياع، حلبة المبارزة في نشر الدعاية، إذ شكل محطة نشر معلوماتي رئيسي ومؤثر، خاصة بعد أن دخل المذياع كل منزل وأصبح من أساسيات المقتنيات التي تقوم عليها إحتياجات العائلة.

ولعل تجربة «المذياع الشعبي»، الذي أبتكره وزير الدعاية النازية للرايخ الثالث ، جوزيف جوبلز،1897 ـــ1945، الأكثر نجاحا وتأثيرا في مجال صناعة الدعاية والبروباغندا الإعلامية، إذ لعب المذياع المصنع لغرض الإستخدام الشعبي الواسع، ذو التكلفة الزهيدة، دورا أساسيا في صعود زعيم الحزب النازية،أدولف هيتلر، 1889 ــ 1945، إلى منصب مستشار ألمانيا  ـــ 1933 ـــ 1945، وذلك من خلال الحنكة في الترويج الإعلامي للأفكار النازية وزعيمها، وإدخالها إلى نمط الحياة اليومي، لما يقارب ال80 مليون مواطن ألماني، وجدوا بخطابات «هتلر» المؤثرة وأفكاره العنصرية، المجبولة بخليط العواطف والعصبوية القومية، رفيقا لهم في جميع جلساتهم،  فعلى امتداد ما يقارب 11 ساعة متواصلة، عملت غرف صناعة الدعاية النازية، بتوجيه دقيق لطبيعة إخراج المعلومة وصناعتها، على البث المتواصل والمتكرر، على قاعدة (إن كان للقائد ما يقوله، فيجب أن يكون للناس القدرة على سماعه)، وهذا ما ضمن سد الفراغ للكثير من المواطنين، الغير مهتمين في إرتياد دور السينما والمسارح وصالات العرض، وغير المهتمين في قراءة الجرائد والصحف اليومية.

أحدث المذياع نقلة في نوعية الترويج المعلوماتي، من ناحية البساطة والسهولة، وفك عقدة الأمية والمتعلم، التي واجهتها الجرائد والصحف، وهنا أصبح للمعلومة لسان يحاكي جميع المتعلمين وغير المتعلمين، وأصبح المذياع أداة تفاعل بين جميع من يتلقى الموجات،(قطار المعلومات الجديد)، كما أضاف خاصية التجمهر في تلقي المعلومة، إذ أصبح المذياع مركز جذب مجموعات بشرية، تتجمهر حوله، للشعور بالدفء المعلوماتي، تماما كما شكلت الموقدة (النار)، لفترة طويلة جدا من الزمن، مركز تجمهر وتجمع المجموعات البشرية، التي صاغت معلومات بدائية وتناقلتها، (الحكايات)، وتطور مسارها (الحكواتي)، في سياق عمليات التبادل التجارية، وشكلت ساحات تبادل البضائع، والأسواق المفتوحة، مراكز تبادل المعلومات وتناقلها وصناعة الدعايات وتضخيمها، خاصة إذا ما دعمت بحركة ترجمة.

في عالم اليوم، أصبحت الحاجة لتلقي المعلومة والبحث عنها، واحدة من أهم الحاجات الأساسية للإنسان، من ناحية تطوير المجتمعات البشرية وتقدمها، وتشكيل المعارف المختلفة، التي تسعى البشرية لتسخيرها في مسار التطور الاجتماعي، وهو ما جعل من عملية البحث عن المعلومة وصناعتها، مسألة من أساسيات السلوك البشري اليومي، أو بتعبير أدق،نمط الحياة اليومي، مما جعل من مهمة الولوج إلى هذا النمط، والتحكم به، وإدارته بطريقة ممنهجة، واحدة من أبرز مهام «مصانع» المعلومات العالمية، التابعة لسلطة سياسية هنا أو حزب هناك، بحيث شكلت الجريدة الصباحية، ولفترة طويلة من الزمن، عادة روتينية، لدى الملايين من البشر حول العالم، اذ لا تكتمل الطقوس الصباحية دونها، بإعتبارها المصدر الأساسي للمعلومات في تلك الحقبة، وفي ظل عدم توفر أي وسائل أخرى متاحة، وكذلك الأمر بالنسبة للمذياع، ولاحقا التلفاز، الذي نقل عالم صناعة المعلومات وترويجها، إلى مستوى أعلى من الإحترافية في التوجيه، خاصة بعد انتشار الفضائيات العالمية، وصعود نجم (الستالايت)، حيث إحتدمت معركة الدعاية والدعاية المضادة، في سباق التأثير والتحكم، مع وجود أشخاص يتحدثون ويتحركون عبر شاشة، وفق برنامج زمني ممنهج، ربط نمط الحياة اليومي للملايين من العائلات بتوقيت البرامج الصباحية والمسائية ونشرات الأخبار، وصولا إلى عالم صناعة الأفلام والمسلسلات، كتطور نوعي في أشكال نقل المعلومة وانتشارها، بأساليب أكثر مرونة وسلاسة وشعبوية، مما جعل من هوليوود، واحدة من أخطر أدوات الإمبريالية الأمريكية في التأثير والتحكم بغسل الأدمغة■

 

(2)

 

 

«تسونامي» المعلومات

 

■ شهد القرن الحادي والعشرين نقلة نوعية، ربما كانت الخطوة الأكثر تأثيراً في مسار التطور الإعلامي، وصناعة المعلومات وتناقلها، تمثل بإختراع ما يعرف اليوم بالهاتف الذ (Smart phone،الذي أصبح أحد أبرز أساسيات  الحياة اليومية لدى الملايين من البشر، لسبب جوهري وأساسي، جعل من الهاتف الذكي، ليس مجرد قطعة إلكترونية، تحتوي على خاصية الاتصال وتلقي الاتصالات، من قبل عدد محدود من جهات الاتصال المخزنة مسبقا، بل عالم بلا حدود، وبلا قيود، وفضاء مفتوح على ما لا نهاية، لتلقي المعلومات وتبادلها وبثها، مما صعد بالهاتف الذكي، وبسرعة البرق إلى أعلى درجات عالم تلقي وصناعة المعلومات، وأكثرها تأثيرا على الإطلاق في مسيرة التطور المعلوماتي وتكنولوجيا، الاتصالات ووسائل الاعلام التي عرفها العالم حتى الآن.

لم تقف التطورات في عالم وسائل التواصل الاجتماعي عند هذا الحد، بل أخذت بالتسارع بشكل ملحوظ ومؤثر وصولا إلى إنشاء التطبيقات، التي تحتوي اليوم على ما  يعرف بالحسابات الشخصية، التي حطمت وبشكل نهائي الحياة الخاصة والشخصية لملايين المستخدمين، ونقلتها إلى العالم الافتراضي المفتوح، على «تسونامي» المعلومات وتبادلها وبثها وتناقلها، خاصة وأن هذه التطبيقات، أتاحت مميزات للمستخدمين، تحولت إلى نوع من المخدرات الرقمية  (Digital Drugs)، من جهة تغلغلها وتأثيرها في  دماغ المستخدم، وانعكاساتها على حواسه، وافرازاته الهرمونية، المعلقة بالتوتر والفرح والحزن والكآبة، نظرا لما تحولت له هذه الحسابات الشخصية، من مرآة رقمية، تعكس كل ما يميز شخص عن آخر، وتعكسه إلى عالم التفاعل الإفتراضي. وباتت بالملايين من الحسابات الشخصية، التي تحتوي على صور، فيديوهات، آراء، رسائل، مقاطع موسيقية، تعليقات، أرقام هواتف، دردشات، بريد الكتروني الخ…، ترسم بدقة الهوية الشخصية التي تعرف كل فرد وتميزه عن الآخر، من بين ملايين المستخدمين الذين إنزلقوا إلى مستنفع العالم الافتراضي.

وربما واحد من أشهر هذه التطبيقات، المستخدمة على وسائل التواصل الاجتماعي، والرائج عالميا وفق الخصاص آنفة الذكر، هو تطبيق «فيسبوك»، دون التقليل من تأثير التطبيقات الأخرى، التي تتشارك بمجملها في خاصية رئيسية وجوهرية، وهي وضع المستخدم أمام سيل من المعلومات الممنهجة والمصنوعة في مختبرات صناعة المعلومات، للقوى النافذة عالميا، المالكة والمتحكمة بهذه التطبيقات، وإخضاع المستخدم لمعايير النشر المسبقة، ضمن ما يسمى «معايير المجتمع»  وكشف المعلومات الشخصية وتحويلها إلى بيانات مخزنة على الشبكة العنكبوتية، تقع تحت تصرف أجهزة الاستخبارات العالمية.

لم يعد «فيسبوك»، مجرد تطبيق لهواة مراهقين، يبحثون عن مصدر تسلية، ومنصة تعارف على مستخدمين آخرين، من جميع أقطار العالم، بل تحول بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إلى كرة أرضية إفتراضية، يتم خلالها ممارسة أساليب حياة يومية، ومساحة لايجاد فرص العمل أو تطويرها، والترويج الدعائي، والأهم من ذلك فضاء الإعلام البديل، الذي وضع كل ما سبقها من وسائل إعلام تقليدية، على رفوف الاستخدام الاحتياطي، وفي أفضل الأحوال الداعم الرئيسي، والناهض الأساسي لوسائل الاعلام تلك، لما أتاحه «الفيسبوك» والعديد من التطبيقات الأخرى، من خاصية لإنشاء ما تسمى بصفحة الفيسبوك  (Facebook Page)، في جميع الاختصاصات ومجالات العمل بدءاً من الصفحات التجارية، والعلمية، والثقافية، والتراثية، والفنية، والسياحية، والأكاديمية، وصولا إلى الصفحات الإعلامية والسياسية والحزبية والديبلوماسية، وغيرها من مختلف مجالات العمل، وعلى كافة الأصعدة، مما نقل المستخدم من عملية تبادل (معلومات شخصية)، مع ملايين من المستخدمين الآخرين، إلى مستهلك لكميات هائلة من المعلومات، ذات المصادر المجهولة، التي دخلت إلى تفاصيل حياته الشخصية والعملية وتأثر عليها بشكل مباشر، إن كان على صعيد الأفراد أو الجماعات، وهذا كله متاح ومتوفر، من خلال جهاز محمول ذكي، مشبوك على الشبكة العنكبوتية، يرافق الانسان في حله وترحاله، ويضع الملايين بملامسة بسيطة لشاشة ذكية، على مسافة صفر، من عالم إفتراضي، تتطاير في فضائه المعلومات، وتتناقل بعشوائية رهيبة،  كقفير نحل هائج، بعد ان أوقد العشب اليابس تحت خليته المتدلية، من على شجرة حور منفردة في سهل مفتوح الأفق والمساحة■

 

(3)

 

 

معركة صناعة المعلومات ودور الأحزاب الثورية

 

 

■ ولأن عالم وسائل التواصل الاجتماعي، واسع ومتشعب ومتشابك بشكل هستيري، فيهمنا في هذا السرد الموجز، التركيز على ما قد بدأناه، حول معركة صناعة الدعاية، ونشر المعلومات وتبادلها، أي على الإعلام البديل، وتأثيره في عالمنا الحاضر، وكيفية إستخدامه من طرف الأحزاب الثورية، التي تخوض صراعا مع قوى الاستعمار والاحتلال والهيمنة، على كافة الأصعدة، وبشكل خاص على صعيد كسب معركة المعلومات، ومجابهتها بالدعاية الثورية، على وسائل التواصل الاجتماعي، وكيفية جذب أكبر عدد ممكن من المتابعين، والتأثير على تفكيرهم، بل وبالدخول إلى تفاصيل حياتهم اليومية، بطريقة إيجابية، هدفها تحطيم القيود التي وضعت بأيديهم، من قبل مراكز صنع الدعاية الإستعمارية، وكشف الغطاء عن عيونهم، التي أعميت ببريق الملايين من المذنبات المشتعلة بالمعلومات المضللة، التي باتت تسبح في هذا الفضاء الرقمي، دون قيد أو تحكم.

 ولأن الواقعية والقراءة العملية، تفرض علينا كأحزاب ثورية تتبنى المنهج العلمي في قراءة تطور المجتمعات ومسارها، يتوجب علينا التشخيص الدقيق، لما وصلت إليه اليوم وسائل التواصل الاجتماعي، كإعلام بديل، وكأحد أهم أساليب السيطرة والتحكم بصناعة المعلومات وتناقلها، ومحاولة مجاراة هذا التطور بالخصائص التقدمية الثورية، التي تمكنا من فتح هذه المعركة، ومجابهة مفتعليها بأدواتهم، خاصة وأن أدوات العمل التقليدي، أصبحت بالية وغير مؤثرة، وهذا ما أثبتته، الأحداث التي شهدها العالم في السنوات العشر الماضية، في إدارة الجماهير من قبل مختبرات صناعة المعلومات، وحرف نضالاتها وثوراتها، والانقلاب على منجزاتها، وإدخال حالة اليأس والاستسلام، إلى دماغ الملايين، من ضحايا هذا الإجرام الرقمي.

إن الأحزاب الثورية، تقف اليوم أمام مفترق طرق، يفرض عليها التفكير بشكل علمي وعميق، حول الخيارات الثورية المتاحة، مع هذه التغيرات الجوهرية، في السلوك اليومي للبشرية جمعاء، وفي مصدر المعلومات الحديث، وتأثيره المباشر على أدمغة الملايين من الجماهير الشعبية، التي وجدت نفسها تائهة وسط محيط من المعلومات والأخبار والبث الممنهج، والعمل على تطوير أساليب الإعلام الكلاسيكية التي فقدت تأثيرها المباشر، وخرجت من سلوكيات الحياة اليومية للإنسان، مما جعل من الدعاية الثورية، حبيسة قمقم في صندوق خشبي أثري، يحتاج لنفض الغبار المتراكم عليه منذ عقود طويلة، وإخراج ذاك المارد الإعلامي، الذي صعد بالعديد من الثورات الشعبية المنظمة، إلى مصافي الحكم، بل وكان العامل الجوهري، في ظفر الطبقة العاملة ولأول مرة في التاريخ بالسلطة والحكم في روسيا من خلال الثورة البلشفية العظيمة، ولاحقا قيام الاتحاد السوفييتي،  وبعدها لعب الاعلام الثوري، الذي أدرك انطلاقا من دراسة علمية، وبالاستناد إلى نظريته الثورية، كيف يكون الإعلام الثوري مؤثراً ورافعا لنضال الملايين من المضطهدين والمعذبين والمستغلين، الذين ضللت بهم الروايات الميتافيزيقية، وأسرت عقولهم، ورمتهم في دوامة المثالية، الهادفة فقط إلى إحكام السيطرة على أي عملية ثورية أو تغيير، واليوم تلعب وسائل التواصل الاجتماعي، المحكومة من طرف ذات أعداء الجماهير الشعبية، ذات الدور التضليلي، في صناعة عالم المثاليات للملايين، المبهورين بخداع معلوماتي يخفي حقيقة المآسي والويلات التي يذهب العالم بأسره باتجاهها ، مما يستدعي قرع الجرس والتيقظ والتوجه نحو إعلام ثوري بديل■

 

التسويق السياسي

 

تمهيد

■ في سياق تطور المجتمعات، وإنتقالها من نمط إنتاجي (إقتصادي) إلى آخر، وظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، التي أعلنت في فترة مبكرة من التاريخ، بدء الصراع الطبقي، الذي شق طريقه التصاعدي، في مضمار السيطرة، على «فائض القيمة»، والذي مكن مجموعة بشرية، تحولت فيما بعد إلى طبقة بعينها، من الإستحواذ ليس فقط على عملية التحكم في تقسيم الموارد الطبيعية، وتحويلها إلى رأس مال، يعزز المكانة الإجتماعية لهذه الطبقة، بل ومنحها السلطة، التي تمكنها من السيطرة المطلقة والشاملة، من خلال، قدرتها المتقدمة، على فرض سيطرتها على ما يعرف بالبناء الفوقي والتحتي للدولة، والتحكم بعملية الإنتاج، والإستفادة من ناتج العمل، الذي تنتجه المجموعة الأوسع من البشر، من عمال وفقراء الفلاحين وسائر الكادحين.

أشار  كارل ماركس ـــ 1818 ـــ 1883، إلى أن تاريخ البشر هو تاريخ البحث عن الطعام، الذي يضمن للبشرية جمعاء، إمكانية الصمود والبقاء، أمام تحديات الإنقراض الكبير، وهذا ما عنى أيضاً، وفي ذات السياق العلمي، لفهم طبيعة التطور الاجتماعي، والسلوك السيكولوجي للبشرية، في مسار تأمين الطعام، وظروف البقاء على قيد الحياة، أن تاريخ البشرية أيضا هو تاريخ الصراع الطبقي، الصراع على السيطرة والإستحواذ والتحكم، بين  الأقلية  التي تمتلك وسائل الإنتاج، والمسيطرة في سياق التطور الإجتماعي، على بنائي الدولة ،الفوقي، والتحتي ، وبين الأكثرية، المستغلة كعنصر أساسي، في ضمان إستمرارية دورة الإنتاج، وصناعة (فائض القيمة)، جوهر نمط الإنتاج الضامن، لإستمرارية الحكم والسيطرة، ومراكمة  رأس المال.

فحركة تاريخ تطور المجتمعات، تسير في مسار تناقضي متصارع، بين من ينتج فائض القيمة وبين من يستحوذ عليه. وهذا ما أدى في سياق التطور الاجتماعي، وتعمق التناقضات داخل المجتمعات، إلى نشوء الأحزاب التي تعبر عن مصلحة كلا طرفي التناقض والصراع، بين الطبقة الميهمنة، والطبقة المهيمن عليها، والتي تأتي أيضا في سياق تعبير طبقي، عن (أيديولوجيا، ونظرية)، متناقضة حول أسس بناء الدولة ومسار تطورها، بما يخدم مصلحة الطبقات المتصارعة، وعلى وجه الخصوص مصلحة الطبقات المحرومة والمهمشة، غير القادرة على مواجهة آلة الضغط البرجوازية، التي تنظر إلى عموم العمال وفقراء الفلاحين وسائر الكادحين، كأحد مكونات وسائل الإنتاج التي تملك، جوهر إنتاج «فائض القيمة»، ومراكمة رأس المال، بمعزل عن القيم الأخلاقية، حول قيمة الإنسان وحقوقه في العدالة الإجتماعية

أدى إحتدام الصراع الطبقي، وزيادة المنحى الإستغلالي للطبقة العاملة، إلى نشوء الأحزاب العمالية التي تعبر عن مصلحة هذه الطبقة وحلفائها، وهي نتاج حتمي لحاجة جماهير العمال الضرورية للتنظم، في وجه قوة طبقية منظمة (بفعل مصالحها أولا)، وثانيا بفعل قدرتها على إنتاج المنظومات الفكرية الموحدة لأساليب عملها وبنياتها (الاقتصادية، الفكرية، الثقافية الخ)، التي أدت إلى نشوء الأحزاب البرجوازية، الحاضنة لتقاطع  مصالح هذه الطبقة، وتمكينها من الإستمرار في إحكام سيطرتها على عملية الإنتاج، والتحكم بعملية الإستحواذ على فائض القيمة، وتقسيمها على الأقلية المهيمنة، على أجهزة الدولة (المؤسسات، المرافق العامة، الجيش، الشرطة، المناهج التعليمية، الصحة، إلخ)، وهو ما نقل الصراع من مستوى طبقي مباشر، إلى مستوى صراع حزبي، يعبر عن مصالح طبقية منقسمة بين (الأقلية الحاكمة والأكثرية المحكومة).

لم تكن عملية تنظم الطبقة العاملة وحلفائها في إطار حزب ثوري، مجردة وعفوية، بل أتت في سياق علمي بحت، أسهمت في تشكيله، مجموعة واسعة من المفكرين والفلاسفة، الذين وضعوا مسألة الصراع الطبقي، على طاولة البحث العميق، بل أكثر من ذلك، لم ينتج الحزب الثوري الذي يعبر عن مصلحة الطبقة العاملة وحلفائها، فقط من خلال مسار التناقض الطبقي التاريخي والواضح، بل أيضا كنتاج عن تشكيل النظرية العلمية (الإشتراكية العلمية)، التي كشفت بشكل دقيق، عن جوهر الصراع الطبقي من منظور علمي شمولي، أي منح الطبقة العاملة النظرية العلمية التي تمكنها من تنظيم طاقاتها، وتوجيه نضالها من أجل حسم مسألة الصراع الطبقي لمصلحة الأكثرية. وهذا ما جعل من كارل ماركس وفريدريك إنجلز، أعظم منظرين للطبقة العاملة، ومن القائد الشيوعي فلاديمير لينين ــ 1870  ــ 1924، أحد أعظم القيادات الثورية للطبقة العاملة وحلفائها، لإسهاماته المهمة والعميقة، في المسألة التنظيمية، وبناء حزب الطبقة العاملة، والفهم الجوهري لمهام الحزب بإعتباره صلة الوصل بين النظرية والممارسة، وبين الهدف وتحقيقه. جاءت عملية  تنظيم العمال لتمكنهم من قيادة الصراع الطبقي، وإنشاء «دولة العمال»، التي مثلها الإتحاد السوفييتي ــ 1922-1991، للمرة الأولى في التاريخ .

حظيت عملية الصراع الطبقي، بحصة وازنة وكبيرة، من نقاشات المفكرين والمنظرين والثوريين، خاصة فيما تعلق بأشكال خوض هذا الصراع، وإنقست الآراء بين من رأى بالعنف الثوري، الطريق الوحيد لإسقاط منظومة الحكم البرجوازية، وإحكام سيطرة الطبقة العاملة وحلفائها (بالقوة) على أجهزة الدولة، من خلال الطليعة الثورية  أي «الحزب»، وبين من دعا إلى خوض الصراع من داخل المؤسسات القائمة، وذلك بخوض ما أسموه الصراع الديمقراطي، من داخل البرلمانات، والسيطرة على مؤسسات الدولة، بتشريع من الشعب، وهو ما رفضه أصحاب الراي الأول  رفضا قاطعا، وإعتبروه إرتدادا فكريا عن جوهر الماركسية.

وعلى الجانب الآخر، لم تكن الأحزاب البرجوازية، موحدة في عملية خوض الصراع على السلطة، بل شهدت أيضا إحتراباً تنافسياً، أخذ بعضها منعطفات الإنقلاب المباشر على الحكم، وبعضها الآخر إستخدم جميع الوسائل، التي تمكنها من كسب أوسع تأييد شعبي، والصعود إلى الحكم من خلال خوض الصراع «الإنتخابي»، وإنتزاع الشرعية «بإسم الشعب» كما يدعون، لتحقيق مكاسب الأقلية التي يعبر عن مصالحها الحزب الصاعد، بحيث شهد العالم العديد من التجارب، حاولت من خلالها الأحزاب بمختلف توجهاتها الأيديولوجية وتكوينها الطبقي، السيطرة على السلطة. وفي هذا السياق شهد العالم تطورا في أساليب العمل الحزبي، لكسب أوسع تأييد شعبي، وقاعدة جماهيرية، تجعل من هذا الحزب أو ذاك القوة الجماهيرية الأكبر، القادرة على فرض أي معركة على السلطة وحسمها، إن كان من خلال العنف الثوري المباشر، أو حسب المعركة الإنتخابية، بالأكثرية التي تجعل منه القوة المهيمنة على الدولة ببنائيها الفوقي والتحتي.

 

تطورت هذه الأساليب في مسار علمي أكاديمي، جعل منها أقساماً مختصة في حقول علمية وازنة، شكلت محط إهتمام العديد من الأحزاب بشكل مبكر. وهو ما جعل من هذه الأحزاب ليست فقط مستهلكة لهذه العلوم، بل أيضا  مختبرات تطوير لعناصرها وأساليب إستخدامها، وعلى وجه الخصوص الأحزاب التي تمكنت في سياق التنافس، من إحكام سيطرتها على السلطة. ولأن مسار الصراع على السلطة، وإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة، شكل تجربة تاريخية طويلة، شهدت العديد من التجارب والأساليب المختلفة، نكرز العرض حول واحد من أحدث الحقول العلمية، المستخدمة على نطاق واسع بين الأحزاب التي تخوض تنافسا دوريا على السلطة في وقتنا الراهن، وهو«التسويق السياسي»،(Political Marketing) ■

 

(1)

مراحل تطور التسويق السياسي

■ شهد مفهوم التسويق السياسي، تطورا ملحوظا في ظل التطور التكنولوجي والإعلامي، خاصة مع بداية القرن العشرين، إلا أن ظهور التسويق السياسي كأحد فنون الإقناع، بدأ مع ظهور الفلاسفة اليونانيين في بداية القرن السادس قبل الميلاد، كما شهد تطوراً في عصر النهضة مع ظهور الأفكار الخاصة بالسياسة المكيافيلية (Machiavellianism)، نسبة للدبلوماسي والكاتب الإيطالي نيكولو مكيافيلي(Niccol Machiavelli)، 1469 ـ 1527. وبحسب العديد من المختصين والباحثين، فإن أول من طور أدوات التسويق وإستخدمها في مجال التسويق السياسي، كان في الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور (Dwight D. Eisenhower)، 1890 ــ 1969، الذي إستخدم التطور التكنولجي والإعلامي،  وعلى وجه الخصوص الإعلام المرئي (التلفاز)، كوسيلة للإقناع متجاوزا الترويج للمرشحين خلال الحملات الإنتخابية بإتجاه مفهوم التسويق الشامل، وهذا ما شهد في وقت لاحق  تطوراً بالمعنى العلمي والدقيق للتسويق،  كما إتبعته الشركات التجارية، في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، (Ronald Reagan) ، 1911 ــ 2004.

لا يوجد حتى الآن تعريف موحد متفق عليه للتسويق السياسي، إلا أن الركائز التي يقف عليها جميع الباحثين، في عملية تشريح هذا المفهوم العلمي، تنطلق من فهم موحد لهدف التسويق السياسي، وهو إستخدام واحد من أهم  الحقول العلمية وهو التسويق (Marketing)،  للتأثير بالرأي العام وجمهور الناخبين، وذلك عبر الإستعانة بأسس التسويق التجاري (Trade Marketing)، وتوظيفها في المجال السياسي، عبر مختصين في وسائل الترويج والدعاية الاعلامية والإتصالات التقليدية والحديثة، التي تمكن من تحقيق التأييد الأوسع لمنتج سياسي ما (Political Product)، مهما اختلفت طبيعة المنتج المراد تسويقه، (مؤسسة، حزب سياسي، حكومة، مرشح إلخ...)، وذلك عبر دراسة علمية ودقيقة للمزاج العام الشعبي، وإحتياجات السوق السياسي (Political Market)، وتحديد الحاجة الأساسية، ورغبات وتطلعات مختلف شرائح هذه الجماهير، وتلبيتها في سياق خلق المصلحة المشتركة، وإشباع رغبات المستهلك السياسي،(Political Consumer)، ليس فقط في سياق الحملة الإنتخابية (Election Campaign)، بل أيضا في المرحلة التي تعقب إنتهاء الإنتخابات، بإعتبار أن الإنتخابات،  هي  جزء أو فرع من مفهوم شامل للتسويق السياسي، وتمثل تقنيات التسويق السياسي، مجموعة من المعارف والأدوات التي تسخر لخدمة فكرة أو برنامج إنتخابي، وبهدف خلق إستجابة لحاجات حقيقية، وليس مجرد خلق حاجة ترتبط بسلعة كما يفعل الإعلان التجاري، بحيث يتصف التسويق السياسي بالشمولية والاستمرارية حتى بعد أن ينجح المرشح في الانتخابات، بحيث يعتمد التسويق السياسي على تسويق منتج (فكري، أيديولوجي، معرفي)، وليس مجرد بيع منتج سياسي معين، كما هو معتمد في التسويق التجاري■

• ميزات التسويق السياسي:

     ــــ  يستهدف التسويق السياسي تسويق منتج، وليس مجرد بيع منتج سياسي معين.

-         إن نفي وجود التسويق السياسي يتعارض مع ممارسات الواقع في سوق السياسة.

-         يلعب الاتصال دوراً مهماً في التسويق السياسي.

-         يمكن إستعمال تقنيات تسويق السلع والخدمات في مجال تسويق الأفكار.

-         أهمية التسويق هي التأثير في اتجاهات الأفراد في أقصر وقت، كذلك الأمر بالنسبة إلى التسويق السياسي الذي يمثل أساساً أواستراتيجية لإدارة الحملات الانتخابية بإستعمال وسائل الاتصال الجماهيرية.

-         تمثل تقنيات التسويق السياسي مجموعة من المعارف والوسائل والأدوات التي تُسخَّر لخدمة فكرة أو برنامج انتخابي.

-         يهدف التسويق السياسي إلى خلق استجابة لحاجات حقيقية، وليس مجرد خلق حاجة ترتبط بسلعة كما يفعل الإعلان التجاري.

-         يتركز التسويق بفاعلية عالية أثناء الحملات الانتخابية، من دون أن يكون التسويق بحد  ذاته حكراً على الممارسة الانتخابية فقط.

-         التسويق السياسي يتصف بالشمولية والاستمرارية بجمهور الناخبين حتى بعد أن ينجح المرشح بالانتخابات.

-         التسويق السياسي يستهدف تقديم صورة ذهنية جيدة للمستهلك السياسي، بقصد الحصول على التأييد الجماهيري الذي يكمن في معرفة حاجاتهم وتلبية طموحاتهم السياسية.

-         التسويق السياسي يمثل المحور الذي يتوقف عليه نجاح المنظمة السياسية في إيصال المرشح السياسي إلى المنصب الذي يطمح اليه وفي الاقناع ببرامجه وافكاره العقائدية والسياسية.[مجلة جامعة بابل للعلوم الإنسانیة، المجلد 27 ،العدد 4 :2019]. Journal of University of Babylon for Humanities, Vol.(27), No.(4): 2019] 

 

 

 

• مكونات التسويق السياسي

■ بالعودة إلى ما ذكر أعلاه حول إستعانة التسويق السياسي بأدوات التسويق التجاري في التأثير بالرأي العام، خاصة فيما يتعلق بإستخدام أدوات التسويق التجاري فتتشكل دورة الانتاج والاستهلاك السياسي (Cycle Of Political Production And Consumption)، من عدة عناصر تشكل جوهر هذه الدورة الانتاجية والاستهلاكية في ميدان السياسة، ومن أهم هذه العناصر:

- السوق السياسي

يتشكل السوق السياسي،(Political Market)، من عدة أقسام أهمها سوق الناخبين، والتي تشمل مختلف الفئات من الأفراد البالغين ــ 18 سنة وما فوق، الذين يتمتعون بالأهلية القانونية والعقلية، التي تأهلهم للمشاركة في عملية الإنتخابات،وسوق الممولين، والتي تتضمن أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال الذين يمولون مرشحي الحزب، ولديهم القدرة على التأثير بمجموعة واسعة من الناخبين، وأيضا سوق القادة، وهم الأشخاص الذين يمتلكون القدرة على التأثير بالآخرين، بفعل مكانتهم وشخصيتهم وقدراتهم القيادية المؤثرة.

يتضمن السوق السياسي، شرائح إجتماعية مختلفة (Social Segment)، تعيش حسب تقسيماتها قضايا إجتماعية مختلفة (Social Cause)، بحيث تشكل المدخل الرئيسي، في عملية فهم السوق السياسي وإحتياجات ورغبات المستهلك السياسي (Political Consumer)، في سياق عملية «أبحاث السوق السياسي» (Political Market research)■

- المنتج السياسي

■ يتشكل المنتج السياسي (Political Product)، من عدة عناصر، تشكل بتمازجها المنفعة التي تلبي طموحات ورغبات المستهلك السياسي (عموم الناخبين)، أهمها المترشح نفسه وما يمتلكه من قدرات (قيادية، خطابية، كاريزمية، إلخ..)، يستطيع من خلالها جذب أوسع تأييد لأفكاره، وأفكار الجهة التي ينتمي إليها، بمختلف تصنيفاتها (إجتماعية، عائلية، سياسية إلخ..).

والجدير بالذكر أن شكل المنتج السياسي، محكوم بالأطر العامة والتخطيط المحكم للحملة التسويقية، الملائمة لتحقيق المصلحة المتبادلة، في إطار السوق السياسي، بالإضافة إلى إرتباط  قدرة المنتج السياسي، على تحقيق رغبات وطموحات المستهلك السياسي، من مختلف الشرائح الإجتماعية، والقدرة العالية على الترويج لهذا المنتج السياسي، بإستخدام مختلف وسائل الدعاية السياسية،(Political Propaganda)، بإستخدام وسائل الترويج الإعلامية،(التقليدية والحديثة) ■

- الترويج السياسي

■ يتضمن الترويج السياسي،(political Promotion)، جميع الجهود التي تبذل في إطار الإعلام والعلاقات العامة، والتسويق للحزب السياسي أو المرشح وما يمثله، وذلك بهدف إقناع المستهلك السياسي (جمهور الناخبين)، بالمنتج السياسي الذي يروج له، عبر إستخدام وسائل الإعلام التقليدية (كالتفاز، الجرائد، الراديو)، والإعلام الجديد وأهمها وسائل التواصل الإجتماعي بمختلف تطبيقاتها، وأيضا طرق التواصل المباشرة مع الناخبين، من خلال تنظيم ورشات العمل، الندوات، المهرجانات الخطابية إلخ...

يختلف تأثير وسائل الترويج السياسي على الرأي العام، مع إختلاف ملكية وسائل الإعلام المستخمة في عملية الترويج، خاصة لجهة الجهات التي تسيطر على وسائل الإعلام العامة والخاصة، إن كانت جهات رسمية أو خاصة ذات إمتيازات تتناغم مع النظام السياسي الحاكم، وهذا ما يقيد حرية الترويج السياسي، والقدرة على التعبير عن إرادة الشعوب بطريقة حرة ونزيهة، خاصة إذا ما إمتلكت هذه الجهات مصادر تمويل رسمية، تابعة لأحزاب تهيمن على النظام السياسي داخل الدولة.

- التمويل السياسي

يلعب التمويل السياسي،(Political Finance)، دورا جوهريا ومؤثرا في نجاح المرشح السياسي والحزب، لما توفره عملية الإنفاق على الحملات الإنتخابية، من رافعة أساسية للمنتج السياسي في مضمار التنافس والترويج السياسي، بحيث يشكل القصور في عملية الإنفاق خلال الحملات الإنتخابية، ثغرة لها مردوداتها السلبية على المُنتَج السياسي، وبالتالي على قدرة هذا المنتج من خوض منافسة ندية، مع المنتوجات السياسية الأخرى، وتختلف عملية التمويل السياسي (الإنفاق)، باختلاف طبيعة الحملات الإنتخابية ومستواها.

- بيئة التسويق السياسي

يتطلب التسويق السياسي فهماً شاملاً لمكونات البيئة السياسية من أنشطة سياسية، وفاعلين سياسيين، وهياكل، وأطر أخلاقية، ونظم حزبية، وآليات تصويت، ووسائل إعلام، وتوزيع السلطة في المجتمع، ما يعني أيضا الحاجة الماسة إلى نهج شامل لتطوير التسويق السياسي والمعرفة السياسة. وما يميز التسويق السياسي هو تبادل التفاعلات والعلاقات المتبادلة بدرجات متفاوتة بين الجهات الفاعلة التابعة والهياكل، مع زيادة التركيز على ديناميات الوقت. وتفترض نظم التسويق أن المجال السياسي ليس موجوداً بشكل مستقل عن الجوانب الأخرى الثقافية والاجتماعية، بل هناك ارتباط بين هذه التفاعلات ووضوح تداعيات السياسة على الاقتصاد، والنظام القانوني، والخبرات الاجتماعية والثقافية.

ويمكن تقسيم البيئة التسويقية السياسية،(Political Marketing Environment)، إلى قسمين، يشمل الأول البيئة الخارجية والتي تتضمن العوامل السياسية، الإقتصادية، التكنولوجية، الإجتماعية، القانونية، الثقافية، الجغرافية. والبيئة الداخلية ،التي تتضمن البيئة المباشرة المتمثلة بالمزيج التسويقي، وغير المباشرة، التي تشمل المتغيرات غير التسويقية، مثل التنظيم الحزبي، وهيكل تنظيم المنظمة السياسية، والأعضاء والقدرة المالية، ونظم المعلومات السياسية.

- التحشيد السياسي

يشكل التحشيد السياسي،( Political Mobilization)،أحد أهم الركائز التي تقف عليها عملية التسويق السياسي، لجهة تحشيد كافة الطاقات والإمكانيات التي يمتلكها الحزب السياسي أو المرشحون، لجذب أوسع تأييد جماهيري لدعم (شراء)،المنتج السياسي الذي يروج له، في سباق التنافس الإنتخابي، وإغراق السوق السياسية بالمنتجات السياسية المتنافسة، كما يلعب التحشيد السياسي دوراً أساسياً، في حسم المعركة لصالح (منتج سياسي)، على حساب المنتج الآخر،(الخصم).

ويستخدم الحزب السياسي أو المرشح، التحشيد السياسي إنطلاقا من إستراتيجية تقوية مكانة المنتج السياسي وتفوقه، مقابل التبخيس من قيمة المنتج السياسي المنافس. وهنا، يلعب الترويج الإعلامي، دوراً رئيسياً في عملية التحشيد والتحشيد المضاد، كما تشهد عملية التحشيد السياسي سياستين، تقوم الأولى على مبدأ تضليل الخصوم المرشحين، والثانية التعزيز والإسناد، بالتركيز على نقاط أساسية في البرنامج الإنتخابي للمرشح المتنافس، لا سيما تلك التي تخص عموم الناخبين، ومحاولة إفقادها أية قيمة جاذبة.

 

(2)

 

التسويق السياسي والحملات الإنتخابية

■  الحملة الإنتخابية، هي جزء أو فرع من مفهوم شامل  للتسويق السياسي، بإعتبار أن هدف الحملة الإنتخابية يتحقق مع نهاية العملية الإنتخابية، وفوز المرشح أو الحزب السياسي، الذي عملت من أجل إيصاله الحملة الإنتخابية، عبر إستخدام مختلف وسائل الترويج والتسويق الإعلامي، إلى منصب سياسي أو موقع متقدم من مواقع إدارة الشأن العام، بعد كسب ثقة الناخبين وتأييد أوسع الشرائح الإجتماعية، بحيث تحقق الحملة الإنتخابية هدفاً سياسياً محدداً، في فترة زمنية محددة.

 وهنا، لابد من الإشارة إلى أن الحملات الإنتخابية، هي العملية التي يحضر من خلالها المرشّحون والأحزاب السياسية أفكارهم ومواقفهم ، وعرضها على الناخبين في الفترة التي تسبق العملية الإنتخابية، وتنتهي مع إنتهاء هذه العملية، في حين يستخدم  المرشّحون خلال إدارة حملاتهم الإنتخابية، مجموعةً متنوّعةً من التقنيات لبلوغ الناخبين ونقل رسائلهم إليهم، وبشكل خاص مختلف وسائل الترويج الإعلامي التقليدي والجديد (وسائل التواصل الإجتماعي). ويعتبر التوقيت الرسمي للحملة الانتخابية، الذي يمتدّ عادةً لشهرٍ أو عدّة أشهر قبيل اليوم الانتخابي، ملزِماً قانوناً، ففي العديد من الدول، تنتهي الفسحة القانونية لتمويل الحملات قبل يوم أو يومين من اليوم الانتخابي، تسود من بعدها فترة «صمت انتخابي» تستمرّ حتى المباشرة بالتصويت، ويقوم المرشّحون والأحزاب بإنشاء مراكز فعلية ينفّذون من خلالها نشاطات الحملة والعمليات بشكل عام.

وفي حين تتشارك الحملة الإنتخابية مع مفهوم التسويق السياسي من ناحية الهدف القائم على تقديم صورة ذهنية جيدة لدى الناخبين،عن الحزب السياسي أو المرشح، فإن عملية التسويق السياسي، وعلى خلاف الحملة الإنتخابية، تستمر كنشاط مرتبط بمرفق العلاقات العامة وتتشارك كلا العمليتين في الأرضية التي تقف عليها عملية الممارسة لكلا المفهومين، وهي(السوق السياسي)، بما تتضمنه من مختلف العناصر■

خاتمة

■ على الرغم من عدم وقوف الباحثين والمختصين، على مستوى واحد من وضع تعريف دقيق وواضح لمفهوم التسويق السياسي،إلا أن المسار التاريخي لتطور الحقول العلمية، خاصة فيما يتعلق بحقل التسويق (Marketing)، قد كرس هذا المفهوم، في مجالات التطور لهذه الحقول العلمية، والتي أتت في سياق متكامل من التطور التكنولوجي، خاصة على صعيد وسائل الإتصالات وفنون التسويق. ومما لا شك به أن العديد من الحملات الإنتخابية، لشخصيات مهمة ووازنة ومؤثرة، على صعيد العالم، تمكنت من الإستعانة بتقنيات التسويق التجاري، ومقاربتها لواقع العمل السياسي وتطوره، وهذا ما أدى إلى بروز العديد من الشركات العالمية، الجديدة نسبيا ،المختصة في فنون التسويق السياسي، ووضع منهج متكامل، ودراسة دقيقة ووافرة، حول السوق السياسي، وإحتياجاته، ورغبات المستهلك السياسي، والعناصر التي تجعل من المنتج السياسي، الأكثر جاذبية وتأثيراً، على عموم الناخبين ومن مختلف الشرائح الإجتماعية، وهو ما رفع سقف التنافس الإنتخابي، خاصة على صعيد الدول الإمبريالية، التي شهدت تطوراً ملحوظاً في إستخدام التسويق السياسي، لهزيمة مرشحين وفوز مرشحين آخرين، كما حصل في الإنتخابات الأمريكية عام 2016، عندما تمكن أحد رواد الشعبوية السياسية في العالم (دونالد ترامب)، من حسم معركة الرئاسة الأمريكية، بفوزه على مرشحة الحزب الديمقراطي (هيلاري كلينتون)، وذلك عبر إستخدام كبرى شركات التسويق السياسي، التي تمكنت من تمليك ترامب، أساليب التسويق الحديثة لمنتجه السياسي، بل وتسويق ترامب كمنتج سياسي بحد ذاته، وهو ما ينطبق بذات المعايير، على العديد من الرؤساء، من دول العالم الثالث، الذين تمكنوا من تجاوز تقنيات إدارة الحملات الإنتخابية ومحدوديتها الزمنية، إلى شمولية التسويق السياسي، وتأثيرها المتواصل ما بعد إنتهاء عملية الإنتخابات.

وعليه، على الأحزاب الثورية، التي تجد نفسها اليوم مضطرة لخوض غمار التنافس الإنتخابي، والتغيير عبر كسب معركة الإنتخابات، ينبغي لها إيلاء مهمة الإطلاع على هذا التطور في حقل التسويق السياسي، أهمية إستثنائية، لما يمكنها هذا الإطلاع من معرفة أساليب إدارة العملية الإنتخابية وما بعدها، والتأثير بعموم الناخبين، من قبل الأحزاب السياسية والمرشحين، الذين تربطهم إمتيازات طبقية وسلطوية، والذين يبذلوا كافة الجهود والطاقات، لتبديد أي عملية تغيير حقيقية، من شأنها أن تأثر على مكانتهم الإجتماعية وإمتيازتهم، وتضر بمصالحهم الضيقة، فمعركة التغيير الإجتماعية والإقتصادية، ستبقى في سياق التناقض التاريخي، بين الأحزاب التي تمثل مصلحة الأكثرية الساحقة، من العمال وحلفائهم من فقراء الفلاحين وعموم الكادحين، وبين الأحزاب البرجوازية، التي تدافع عن مصالح وإمتيازات الأقلية المهمينة على وسائل الإنتاج، والمستغلة للأكثرية. ومع تعدد الأشكال النضالية وتنوع تعبيراتها، يبقى التطور العلمي ومواكبة إنجازاته، وتطوير وسائل الدفاع، التي تنتهجها ألأحزاب البرجوازية، على رأس المهام المطروحة على جدول أعمال الأحزاب الثورية، على قاعدة قراءة العدو، وتجاوزه بخطوة إلى الأمام، على رقعة الشطرنج السياسية■

 
 

الديبلوماسية الشعبية

 

 

تمهيد

 

■ إحتل مفهوم القوة الناعمة(SOFT POWER)، خلال النصف قرن المنصرم، حيزاً مهماً في السياسات الخارجية، للعديد من الدول الإمبريالية الكبرى، التي تتبنى استراتيجية إستعمارية، تسعى من خلالها إلى توسيع رقعة نفوذها وسيطرتها العالمية، والهيمنة على الثروات الطبيعية للدول الأضعف، وإستباحة أراضيها، وتحويلها لقواعد عسكرية متقدمة، تخدم ذات الهدف الاستعماري التوسعي، ومن أبرز هذه الدول، الولايات المتحدة الامريكية، بإعتبارها الدولة الأقوى عالميا، من ناحية القدرات الاقتصادية والعسكرية، والتي تربعت على عرش النفوذ العالمي، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، والنتائج الكارثية التي لحقت بمعظم دول العالم، وعلى وجه الخصوص القارة العجوز (أوروبا)، التي وجدت نفسها غارقة، وسط ركام عواصمها، وأمام تحدي إعادة استنهاض وتجميع القوى والإمكانيات، للنهوض مرة أخرى، بعد الإنجاز التاريخي، الذي حققه الإتحاد السوفييتي وجيشه الأحمر، بسحق الفاشية العالمية، وخسارة ألمانيا النازية (الرايخ الثالث)، للحرب العالمية الثانية. وأدى هذا إلى تشكل مشهد سياسي عالمي جديد، ونشوء ما عرف بالقطبية الثنائية (BIPOLAR)، بين معسكرين متضادين، الأول بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والثاني بقيادة الاتحاد السوفييتي، مما أدخل العالم في مرحلة «العصر الجديد» من الحروب، خاصة لما إتسمت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بما عرف بتثبيت توازن الرعب العالمي، ودخول السلاح النووي (القنبلة الذرية)، إلى الترسانة العسكرية لكلا القطبين، التطور الذي أسدل الستار، على مفهوم القوة الصلبة (HARD POWER) في الحروب الدولية، الذي إستخدم كوسيلة وحيدة، على امتداد عقود زمنية،  في طموح تحطيم الخصم، وفتح الأسواق التجارية الجديدة، والاحتلال والاستعمار، وتثبيت الهيمنة الدولية.

■ برزت إلى المشهد السياسي الدولي، حرب من نوع جديد، أدخلت العالم بأسره في إشتباك يومي صامت، تحكمه سياسة ما فوق الهدوء الطبيعي، وما تحت الحرب الشاملة، وهي ما عرفت بمرحلة الحرب الباردة ،(COLD WAR)، إذ شهدت هذه المرحلة حالة توتر وتنافس وصراع، منذ الفترة التي إمتدت من منتصف الأربعينيات حتى أوائل تسعينيات القرن الماضي، والتي إنتهت مع إنهيار الاتحاد السوفييتي (26 كانون أول/ ديسمبر/ 1991)، وقد شهدت هذه المرحلة التاريخية صعودأ وهبوطاً في منسوب حدة التوتر العالمي ، بدءاً من التحالفات العسكرية والدعاية وتطوير الأسلحة والتقدم الصناعي وتطوير التكنولوجيا والتسابق الفضائي، والانفاق  الضخم على الدفاعات والترسانات العسكرية بما فيها (القوة النووية)، والحروب غير المباشرة، من خلال دعم أطراف متصارعة في مختلف دول العالم، كما مر العالم بأزمات مختلفة، رفعت منسوب التوتر الدولي، إلى مصافي الإنزلاق نحو حرب عالمية ثالثة، كأزمة حصار برلين (1948-1949)، والحرب الكورية (1950-1953)، وحرب فيتنام (1956-1975)، وأهمها  أزمة الصواريخ الكوبية 1962، حيث حبس العالم أنفاسه، ووقف صامتا ينظر، إلى مستقبل البشرية جمعاء، المحكوم بآلاف الصواريخ النووية، المنتشرة على اليابسة، وفي غواصات تجوب المياه الدافئة والباردة، في مختلف مناطق العالم.

■ شكلت الحرب الفيتنامية، التي إمتدت لـ(19) عاما، حدثا مفصليا، في الفترة التي إمتدت بين عام 1955 و 1975، لما تضمنتها الحرب من جرائم، إرتكبتها القوات الأمريكية وحلفاؤها بحق الشعب الفيتنامي ومقاومته،  بقيادة مؤسس المقاومة الفيتنامية في منطقة الشمال ،هو تشي منه، مما أحدث حالة إستياء شعبي ودولي، من الهمجية والإفراط في إستخدام القوة، من قبل الجيش الأمريكي.

 

 وقد لعب الاعلام دورا مفصليا، في نقل صور الضحايا، والمجازر التي أودت بحياة الآلاف من المدنيين الفيتناميين والعسكريين، مما أضطر الولايات المتحدة الأمريكية، التي إهتزت صورتها الخارجية، خاصة في الوسط الشعبي الأوروبي، إلى انتهاج استراتيجية دفاعية من نوع جديد، للدفاع عن سياستها الخارجية العدوانية، والتصدي لحالة العداء والكره الشعبي الكبير،الذي ووجه به الديبلوماسيون الأمريكيون الرسميين، على مستوى البعثات  الديبلوماسية والسفراء، في معظم دول العالم، وخاصة على صعيد أوروبا، في حين كان للأحزاب والمنظمات الشيوعية واليسارية، دور بارز في تعرية جرائم الجيش الأمريكي، وتصعيد التحركات والمظاهرات الشعبية، المطالبة بوقف الحرب على فيتنام، ومحاسبة المسؤولين الأمريكيين، وصولا إلى شن بعض المنظمات اليسارية لعمليات عسكرية ضد مصالح وشركات أمريكية في بعض الدول الاوروبية كألمانيا الغربية، انتصارا للشعب الفيتنامي، الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة الامريكية، إلى تفعيل سياسة القوة الناعمة، من خلال أحد أهم عناصرها، ألا وهو: الديبلوماسية الشعبية.

 

(1)

الديبلوماسية الشعبية في قلب «القوة الناعمة»

■  تشكل الديبلوماسية الشعبية، أحد أهم عناصر القوة الناعمة، بالإضافة إلى العديد من العناصر الأخرى، التي تستخدمها الدول، لتحقيق ذات الهدف، الذي تسعى إلى تحقيقه، عبر إستخدام«القوة الصلبة»، في سياق مشاريعها لبسط السيطرة والنفوذ والتوسع، والتأثير على الرأي العام العالمي، وإكتساب التأييد الدولي والشعبي الأكبر إلى جانب سياستها.

أصبحت القوة الناعمة، وفي صلبها الديبلوماسية الشعبية، أحد أهم أشكال المعارك الصامتة و«غير الدموية»، التي تخوضها الدول على أرض الغير، وفي وسط  جماهير ومؤسسات ومنظمات أهلية وغير حكومية وجالوية واسعة، لتحقيق هدف تشكيل رأي عام شعبي ومؤسساتي غير حكومي، يصطف لصالح الدولة وقضاياها، من خلال ممارسة عملية الضغط المباشر، على المؤسسات الرسمية، والحكومات في داخل بلدانها، مع الإشارة إلى أن إمتلاك الدولة لأدوات القوة الناعمة، لا يعني على الاطلاق، تخلي الدولة عن القوة الصلبة، بحيث تلعب القوة الناعمة وفي قلبها الديبلوماسية الشعبية، دورا مسانداً للقوة الصلبة، تسندها وتستند إليه.

 تعتبر الديبلوماسية الشعبية، حقلا جديداً من حقول العلوم، إذ تتضمن مزيجاً من مفاهيم العلوم السياسية والاجتماعية والتواصل والإعلام، وعلى وجه الخصوص، في ميدان الاتصالات (COMMUNICATION)، العلاقات العامة (PUBLIC RELATION)، الترويج الاعلامي (MEDIA PROMOTION)، التي تصب مجتمعة لصالح عملية الجذب والتعاون (ATTRACTION AND COOPERATION)، وتبادل الخبرات والثقافات. كما تعرف  الديبلوماسية الشعبية، بأنها ديبلوماسية الشعب، بحيث تحمل الأفكار والقيم والتقاليد وثقافة الشعب الغير مؤطر في مؤسسات الدولة الرسمية، كما أنها تنطلق من رحم المنظمات الأهلية، بعيدا عن رسميات الديبلوماسية الرسمية، بالإضافة إلى الحصاد طويل الأمد (LONG TERM RESULTS)، للنتائج التي تزرعها مجموع المنظمات الأهلية وغير الحكومية والاتحادات الجالوية والشبابية والمرأة، داخل المجتمعات التي تعمل في وسطها، بإعتبار أن عملية التواصل وإكتساب الثقة والتأثير، وتشكيل رأي عام مساند، يشكل قوة ضغط على المؤسسات الرسمية وحكومة البلد، يحتاج إلى جهود ووقت طويل، تبنى على قاعدة عمل استراتيجية، مخطط لها وواضحة الهدف وممنهجة ومنظمة، أي بمعنى آخر، البدء بتلمس نتائج الانجازات التي  تحققها الديبلوماسية الشعبية تحتاج إلى (نفس طويل)، في سياق العمل المتواصل■

(2)

عناصر قوة الديبلوماسية الشعبية

■ تعتمد الديبلوماسية الشعبية، على العديد من العناصر، التي تجعل منها أداة مؤثرة وفعالة لصالح سياسة الدولة أو القضية التي تخدمها وتعمل من أجلها، وتجعل من نتائجها إيجابية الانعكاس وملموسة، على صعيد التأثير داخل المجتمعات، وإستخدامها كقوة ضغط على الحكومات لصالح سياسة الدولة أو الجهة المستخدمة لهذا السلاح الناعم، ومن أهمها التخطيط الاستراتيجي لآليات العمل، والأهداف المتوخى تحقيقها، والفهم العميق للمجتمعات المستهدفة، لناحية الاهتمامات والأولويات، والثقافة والحضارة ونمط التفكير، والمفاهيم والمصطلحات المستخدمة في هذه المجتمعات، بالإضافة إلى الفهم العميق للقنوات الصحيحة، التي من خلالها تستطيع ايصال قضيتك، إلى أوسع عدد من الجماهير والمنظمات الأهلية وغير الحكومية والمؤسسات غير الرسمية، والاتحادات الشعبية والجالوية من (حملة جنسية البلد)، والأحزاب السياسية، والشخصيات المؤثرة والوازنة داخل هذه المجتمعات، كالأكاديميين، الباحثين، المفكرين، صحافيين، اعلاميين، نشطاء حقوق الانسان، فنانين، رياضيين، رجال دين أو (مؤسسات دينية) ألخ... بالإضافة إلى التقديرات العلمية والمدروسة، لمستوى التأييد أو عدمه، للقضية التي تعمل الديبلوماسية الشعبية، لتشكيل رأي عام شعبي وغير رسمي حولها، وتقدير الأوقات المناسبة، لإثارة هذه القضايا، كما الحرص على القوالب التي توضع بها هذه القضية، وتقدم من خلالها إلى الرأي العام الشعبي، والمنظمات غير الحكومية، وإكسابها المصداقية والثقة وتحصينها بقوة الإقناع.

 

(3)

 

الديبلوماسية الشعبية في خدمة القضية الفلسطينية

■ في الحديث حول الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية، ومسار تطورها التاريخي، يجب التأكيد أولا على الخصوصية، التي تتسم بها الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية، بإعتبار أن الشعب الفلسطيني، يعيش مرحلة تحرر وطني، وهو ينتمي إلى حركة التحرر الوطني الفلسطينية، بما تمثل هذه الحركة من فصائل وأحزاب متعددة ذات أيديولوجيات ومنطلقات متنوعة، وبرامج سياسية مختلفة، إن كان في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، أو خارجها ونضيف على ذلك الخصوصية التي تتسم بها الجاليات الفلسطينية ومؤسساتها وإتحاداتها. وعليه، فإن الديبلوماسية الشعبية بخصائصها الفلسطينية، تنطلق من واقع وأولويات، تختلف من حيث المضمون والمنهجية، عن تلك التي تمارسها شعوب الدول المستقلة، مع التقاطع من حيث المبدأ والأسلوب العلمي، في تفعيل هذا السلاح الشعبي، وإستثماره لصالح حصد نتائج إيجابية تصب في خدمة القضية الوطنية الفلسطينية.

■ على الرغم من عدم بلورة الفهم العلمي، للديبلوماسية الشعبية، (كحقل علمي)، وعلى الرغم من عدم تبني الحركة الوطنية الفلسطينية، لاستراتيجية واضحة في تفعيل هذا السلاح، على صعيد دول المهجر، خدمة للقضية الوطنية الفلسطينية، إلا ان ذلك لا يعني أن الشعب الفلسطيني، لم يمارس الديبلوماسية الشعبية، خاصة على صعيد القارة الأوروبية، والأمريكيتين، بل على العكس تماما، لعبت الجاليات الفلسطينية ومؤسساتها واتحاداتها، دورا مركزيا في دعم القضية الوطنية الفلسطينية، وفي مواجهة المشروع الصهيوني، المرتكز بشكل أساسي على تضليل الرأي العام العالمي، والترويج للسردية الصهيونية الكاذبة، إلا ان هذا الدور (الديبلوماسي الشعبي)، كان ومازال حتى الان، دوراً  عفوياً، ينطلق من الدافع الوطني، ومن المخزون النضالي، للجاليات الفلسطينية، بإعتبارها جزءاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني، ومساهماً رئيسياً، في معركة التحرر الوطني، إنطلاقا من موقع هذه الجاليات وإمكانياتها، وهذا ما جعل من القضية الوطنية الفلسطينية، على إمتداد (73) عاماً من النكبة الفلسطينية الكبرى، حاضرة في وسط الجاليات الفلسطينية والمجتمعات التي تقيم بها.

 كما أن الانتشار الواسع للجاليات الفلسطينية، خاصة على صعيد أوروبا وأميركا الشمالية واللاتينية، وإمتلاكها للمؤسسات والمنظمات والجمعيات الأهلية، والاتحادات الجالوية، غير المرتبطة بالمؤسسات الرسمية الفلسطينية، منح الديبلوماسية الشعبية التي تمارس بعفوية، عناصر قوة إضافية، لتلك المشار إليها بالارتباط الوطني الكبير، للجاليات الفلسطينية بقضيتهم الوطنية.

■ في أعقاب إنطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، ممثلة بالولادة الثانية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وانطلاق مرحلة الكفاح المسلح الفلسطيني، شهدت الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية، تطوراً ملحوظاً من حيث المضمون وأساليب العمل. وكان لتبني البرنامج المرحلي، الذي طرحته الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، من قبل  المجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية، في دورته الثانية عشر (12) ،الأثر الأهم في تطوير عمل الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية، بحيث وحد البرنامج المرحلي، الرؤية الفلسطينية لمشروع التحرر الوطني، والأوليات التي يجب النضال من أجل تحقيقها، من قبل الكل الفلسطيني أينما كان، ممثلة بإنتزاع الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره على أرضه وفي دولته المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران من العام 1967،  بعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي التي هجروا منذ العام 1948، في سياق النضال المرحلي، على طريق إنجاز الحركة الوطنية الفلسطينية، لمشروعها الاستراتيجي المتمثل بإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني، والقضاء على الحركة الصهيونية.

■ أدى تبني الحركة الوطنية الفلسطينية لهذه الاستراتيجية النضالية، إلى فتح آفاق دولية واسعة أمام الحركة الوطنية الفلسطينية، والشعب الفلسطيني، خاصة الجاليات الفلسطينية، التي صعدت ديبلوماسيتها الشعبية في سياق تطور فهمها لمهامها الوطنية، في الترويج للقضية الفلسطينية، وهذه المرة ليس من زاوية المأساة (التراجيديا) الفلسطينية فحسب، بل من منطلق شعب يناضل ويكافح، من أجل انتزاع حقوقه الوطنية المشروعة، وهو ما شكل نقطة قوة إضافية للقضية الفلسطينية، في سياق عملية الجذب والتعاون، بين الجاليات الفلسطينية ومؤسساتها وإتحاداتها والمجتمعات التي تقيم بها.

■ شهدت الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية إنتكاسة كبيرة، بعد توقيع الطرف المتنفذ في منظم التحرير الفلسطينية (حركة فتح)، على إتفاقية أوسلو عام (1993)، والتي بموجبها ولدت السلطة الوطنية الفلسطينية، وبرنامجها السياسي الذي شكل طعنة في خاصرة البرنامج الوطني الفلسطيني، وهو ما أحدث حالة انقسام وشرخ كبير، في الوسط الفلسطيني، (سياسي- شعبي)، وأدى إلى شرذمة الرؤية الفلسطينية الواحدة، لمسار النضال الهادف لانتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية، مما إنعكس سلبا على أداء الجاليات الفلسطينية، خاصة وأن إتفاق أوسلو، أتى بعد مرحلة كفاحية من نوع جديد، شكلت نقلة نوعية للنضال الوطني الفلسطيني، وإنعكاساته دوليا (سياسيا وشعبيا)، وهي الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993)، بحيث إهتزت صورة العدو الإسرائيلي في مختلف دول العالم، نتيجة الجرائم الممنهجة، والمجازر التي إرتكبها بحق شعب أعزل، يناضل بشكل سلمي من أجل حقوقه الوطنية، وقد شكل إتفاق أوسلو خيبة أمل كبيرة، لما تضمنه من تنازل عن سقف المطالب السياسية، التي ناضل الشعب الفلسطيني من أجلها، خاصة فيما يتعلق بتأجيل حل القضايا االجوهرية (الاستيطان، القدس، العودة)، إلى ما عرف بمفاوضات الحل الدائم، وتصوير الاتفاق أمام الرأي العام العالمي، على أنه إنجاز لعملية «سلام»، ستفتح الطريق أخيرا، أمام المسار التفاوضي (الفلسطيني ــ الإسرائيلي)، للوصول إلى حل نهائي للصراع، مما وضع الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية، في حالة إرباك، لجهة بروز المشروع التفاوضي، اذ جندت البعثات الديبلوماسية الرسمية الفلسطينية، التي تحولت إلى سفارات بعد توقيع إتفاق أوسلو، للترويج له والدفاع عنه، وبين حالة التشرذم، للأطر الوطنية الفلسطينية، خاصة تلك الاتحادات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، إذ أضحت هياكل مفرغة، تقاد بعقلية التفرد من طرف الحزب الحاكم والمهيمن، وهذا ما أحدث فجوة كبيرة، مازالت آثارها تنموا وتكبر حتى يومنا هذا، بين الديبلوماسية الرسمية الفلسطينية، والمؤسسات الفلسطينية الرسمية، وبين الجاليات الفلسطينية ومؤسساتها وإتحاداتها (قلب الديبلوماسية الشعبية)، الرافضة للمسار السياسي أحادي الجانب، والذي يتعارض مع طموح الشعب الفلسطيني أينما كان.

■ شهدت الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية، إنتكاسة جديدة وخطيرة، في أعقاب الانتخابات التشريعية الثانية (2006)، وفوز حركة حماس برئاسة الحكومة الفلسطينية ، مما إنعكس انقساما خطيرا آخر، نتج عنه الانقلاب الذي نفذته حركة حماس في قطاع غزة (2007)، ودخول القضية الوطنية الفلسطينية في نفق مظلم.

وقد إنعكس ذلك سلباً  على الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية، وفي أوساط الجاليات الفلسطينية، خاصة في ظل بروز الخطاب السياسي المتطرف، المغلف بالشعارات الدينية، مقابل خسارة منظمة التحرير الفلسطينية، وزنها تمثيلي، وبالتالي تراجع مكانة البرنامج الوطني(المرحلي)، وهو ما أدى إلى ردة فعل سلبية، خدم بصورة مباشرة، الديبلوماسية الرسمية والشعبية الإسرائيلية، التي إستطاعت ان تمتص، الضربات المتتالية التي تلقتها، وعلى وجه الخصوص بعد الانتفاضتين الأولى والثانية، وتصاعد الإحتجاجات والمظاهرات، في البلدان الأوروبية، المنددة بالسياسات الاسرائيلية، والصارخة بحقوق الشعب الفلسطيني، وضرورة محاسبة «إسرائيل»، على جرائمها التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني.

(4)

 

عناصر ضعف الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية وسبل تجاوزها

 

■ يمكن تحديد أبرز عوامل الضعف التي تعيق تطور دور الديبلوماسية الفلسطينية على النحو الآتي:

-         عدم الادراك الفلسطيني الرسمي لأهمية الديبلوماسية الشعبية.

-         غياب التخطيط الاستراتيجي للديبلوماسية الرسمية الفلسطينية، في تفعيل الديبلوماسية الشعبية.

-         التضارب بين الديبلوماسية الرسمية (الخارجية، السفارات)، مع الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية.

-         الانقسام الفلسطيني الحالي، وضعف مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني بكيانيه (السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية).

-         عدم وجود برنامج وطني (موحد)، يوجه الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية.

-         تشرذم المؤسسات والاتحادات والمنظمات الاهلية الفلسطينية في بلدان المهجر.

-         ممارسة الديبلوماسية الشعبية بشكل فردي وفطري، بعيدا عن التخطيط الجماعي.

-         الضعف في العلاقات العامة الفلسطينية، وبالتالي الضعف في التأثير المباشر.

-         ضعف الاعلام الفلسطيني، وتخلف أدواته مقارنة مع التطور الإعلامي (خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي).

-         غياب خطة تشبيك إعلامي واضحة، وغياب الصوت الفلسطيني، عن الاعلام المحلي بإستثناء حالات فردية، (عدم وجود اعلاميين فلسطينيين بارزين في المؤسسات الإعلامية الأجنبية).

-         ضعف الترويج السياسي، خاصة على صعيد إستخدام اللغات المحلية.

-         ضعف الحضور السياسي الفلسطيني المؤثر في مراكز صنع القرار (البرلمانات، البلديات) بإستثناء حالات فردية خاصة على صعيد أوروبا.

-         غياب خطة التواصل الثقافي والحضاري والتراثي، مع المجتمعات المحلية، وضعف تجارب التبادل الثقافي وارسال البعثات الأجنبية بشكل ممنهج إلى فلسطين للإطلاع الميداني.

-         ضعف المتابعة العلمية، المستندة لاستطلاعات رأي، حول مكانة التأييد الدولي للقضية الفلسطينية، ومسار تطورها (الإيجابي والسلبي).

-         عدم الاستثمار الحقيقي، لنمو حركة المقاطعة العالمية (BDS)، وإدراجها ببرنامج واضح في الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية.

• وهذا ما يتطلب التركيز على النقاط الرئيسية التالية، لتعزيز مكانة الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية:

-         توجيه الديبلوماسية الشعبية، كاستراتيجية نضالية متكاملة، ببرنامج واضح، في مختلف دول المهجر وعلى وجه الخصوص أوروبا، الولايات المتحدة، أميركا اللاتينية، كندا.

-         الفهم العميق للمجتمعات المحلية، وذلك بالاندماج الإيجابي، والتعرف على العادات والتقاليد والمفاهيم، والمصطلحات المستخدمة في هذه المجتمعات، مما يتطلب امتلاك اللغة المحلية، وتعليم الأجيال الفلسطينية، للغتهم الأم، كي يمكنوا من التواصل مع المجتمعات المحلية، وفق المفاهيم المستخدمة.

-         إنشاء شبكة اتصالات واسعة بالاعلام المحلي، (المرئي والمكتوب)، وإنتهاج سياسة الاحتكاك اليومي مع الإعلام، من خلال المقالات الصغيرة المترجمة والمركزة، الإطلالات التلفزيونية، التصريحات الصحفية (باللغة المحلة)، إرسال المواد المترجمة للغات المحلية، والدعوة الدائمة للأعلام المحلي لتغطية الفعاليات والتحركات، والتركيز على «البروشورات» والملصقات المترجمة، ذات المحتوى المركز والهادف، الذي يراعي المفاهيم والمصطلحات المستخدمة داخل هذه البلدان، وتضمين المنشورات محتوى جاذباً ومقنعاً، وتحويل الخطاب السياسي من خطاب فلسطيني بمصطلحات فلسطينية، إلى خطاب أوروبي ــ  فلسطيني، بمصطلحات أوروبية ذات محتوى فلسطيني، وإبراز الإنجازات التي تحققها الجاليات الفلسطينية في الاعلام المحلي.

-         تطوير عمل المنظمات الأهلية والمؤسسات والاتحادات الجالوية، من خلال تشبيك عملها مع الأطر المحلية، وفتحها أمام المجتمعات المحلية، وتضمينها برامج جاذبة، تحاكي هموم وقضايا المجتمعات المحلية، التي تشكل تقاطع لتنسيق العمل وتطويره الدائم.

-         إنشاء علاقات قوية، بين الإتحادات الجالوية والمنظمات والمؤسسات، والمنظمات الدولية داخل الأمم المتحدة، والهيئات المنبثقة عنها، بالإضافة إلى المؤسسات الحقوقية الأوروبية.

-         كسب ثقة الجاليات، من خلال الاحتكاك اليومي المباشر، وإبراز مهنية في العمل، تقوم على أرضية برنامج جالوي يحاكي جميع إهتمامات الجاليات (الوطنية والاجتماعية)، وإبراز النتائج الإيجابية، التي تحققها الجاليات على صعيد كسب التأييد الشعبي، للقضية الفلسطينية، وتطويره بشكل دائم، في ظل حالة عدم التوافق التي تعيشها الجاليات مع الديبلوماسية الرسمية الفلسطينية، وهذا ما يمنح الديبلوماسية الشعبية مكانة أرفع، وأكثر تأثيراً.

-         التعريف بالديبلوماسية الشعبية في أوساط الجاليات والاتحادات الشبابية والمرأة، والمؤسسات والجمعيات والمنظمات الاهلية، كعلم واستراتيجية نضالية في سياق برنامج عملي في دول المهجر.

-         التواصل والتبادل الثقافي الدائم، مع المجتمعات المحلية، وإبراز التراث الوطني الفلسطيني، وتحويل الملف الثقافي إلى صلة تواصل دائمة، بين المجتمعات المحلية والجاليات، وبينهم وبين الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل، وتنظيم حملات التبادل الثقافي والتراثي.

-         التركيز على الإنجازات الدولية، لصالح القضية الفلسطينية، وفضح إسرائيل، بالاستناد إلى تقارير المنظمات الدولية، وإستخدامها كأداة تواصل وتأثير على المنظمات الأهلية وغير الحكومية

-         ، كالتقرير الذي صدر (2742021) عن منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الذي يؤكد أن إسرائيل ترتكب جرائم الاضطهاد والفصل العنصري، بحق الشعب الفلسطيني، وهذا ما يسلح الديبلوماسية الشعبية الفلسطينية بورقة ضغط.

-         وضع مهمة إندماج المؤسسات، في ممارسة البرامج، مع المنظمات والمؤسسات المحلية، في برنامج عملي واضح، وتشجيع المؤسسات المحلية، للإنخراط في أنشطة الإتحادات والمؤسسات الفلسطينية، مما يضيف عناصر قوة، في سياق عمل الديبلوماسية الشعبية وتأثيرها على الحكومات والمؤسسات الرسمية.

-         إقامة شبكة علاقات واسعة على خطين، (الوطن والمجتمعات المحلية)، والتنسيق مع المؤسسات والاتحادات داخل فلسطين، وتنظيم علاقاتها مع المؤسسات والمنظمات المحلية، ووضع برامج عمل مشتركة، بملفات الجرائم الإسرائيلية ، (الإستيطان، جدار الفصل العنصري، حصار غزة، تهويد القدس،...).

-          التركيز على القضايا التي تثير اهتمام المجتمعات المحلية، والانخراط بها كمدخل لكسب الثقة وتشبيك العلاقات وتطويرها.

-         توجيه عملية التواصل، لإمتلاك رافعة للديبلوماسية الشعبية، بالتوجه إلى الجامعات، ومراكز الأبحاث والدراسات واستطلاع الرأي، والمراكز حقوقية، والأندية الثقافية، والفرق الفنية والرياضية.

-         تحويل حركة المقاطعة العالمية، إلى استراتيجية عمل في سياق الديبلوماسية الشعبية، وليست بالانفصال عنها، وهي ما تتيح مساحة تأثير واسعة، وقوة ضغط كبيرة، أثبتت نجاعتها في السنوات الأخيرة

-         التوافق على برنامج نضالي، يراعي الحد الأدنى من التوافقات الوطنية، بين مختلف الاتحادات والمؤسسات والجاليات الفلسطينية، ووضعها في سياق عمل جماعي يهدف إلى التأثير وتطوير حجم التأييد والاسناد للقضية الوطنية الفلسطينية■

خلاصات ختامية

■ تهدف هذه الورقة، إلى فتح نقاش واسع وعميق، حول مفهوم الديبلوماسية الشعبية، من منظور علمي، ووضعه في سياق تطور مفاهيم القوة الناعمة، التي تنتهجها الدول حول العالم، في التأثير بالرأي العام العالمي، لصالح قضايا شعوبها وسياستها الداخلية والخارجية، وعلى صعيد القضية الفلسطينية، التي تمر بظروف خطيرة ومصيرية، على الصعيد الداخلي (التشرذم والانقسام)، وعلى الصعيد الخارجي، (صفقة القرن ومشروع الضم)، وأمام هذا الواقع الحساس، تقع على عاتق الجاليات الفلسطينية في مختلف دول المهجر، مهمات وطنية كبيرة، في التصدي للمشروع الصهيوني، ومحاولاته المستمرة،  للتهرب من الاستحقاقات الدولية، والتنصل من مسؤولياته، عن استمرار معاناة الشعب الفلسطيني، نتيجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتصاعد مشروعه التصفوي للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، ومن ناحية المسار الإقليمي لصفقة القرن، ومسار التطبيع العربي الرسمي، واستخدام كافة الوسائل، للترويج لفرضية إمكانية تحقيق «سلام»، بمعزل عن حل القضية الوطنية الفلسطينية.

جميع هذه التحديات، تجعل من الديبلوماسية الشعبية،  حاجة وطنية وضرورة، في مسار حركة التحرر الوطني الفلسطيني، في ظل حالة الترهل الخطير التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، ومؤسساته الفئوية، التي تخدم رؤية ومصالح الحزب الحاكم، في تعارض صريح، مع الطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني، وتخلف الديبلوماسية الرسمية الفلسطينية، عن أداء واجبها الوطني، تجاه القضية الوطنية والشعب الفلسطيني، بإعتبارها مؤسسات الكل الفلسطيني، وهذا ما يؤكد الحاجة الماسة، لمنهجية ديبلوماسية شعبية وازنة، تستند إلى مؤسسات وإتحادات ومنظمات وطنية فاعلة، تمتلك وزنا جماهيريا، وفعلا ميدانيا، وتمتلك برامج عمل (سياسية- اجتماعية)، تحاكي خطي العمل للجاليات الفلسطينية، - داخل الوطن وخارجه-

فالمعركة الأساسية التي يخوضها الشعب الفلسطيني، هي في تشكيل الرأي العام العالمي (السياسي والجماهيري)، المساند للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، والضاغط على المجتمع الدولي، ومراكز صنع القرار العالمية، لوضع حد للسياسة الاجرامية الصهيونية، والاستمرار في ضرب القرارات الدولية بعرض الحائط، وتعاطي إسرائيل مع نفسها كقوة فوق القانون الدولي، وهذا ما يحتاج إلى زرع مدروس، في تربة المجتمعات المحلية، في أوروبا والامريكيتين، وكندا وأفريقيا وآسيا، وفي جميع أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، والرعاية المدروسة والعلمية، لهذه البذور، التي ستشكل مع تطور منهجية وآليات عمل الديبلوماسية الشعبية، حصاداً مثمراً، يصب في خدمة القضية الوطنية الفلسطينية. فالأساس يكمن في البرنامج العلمي الواضح، والقدرة على الاقناع والتأثير، وهذا ما أجاب به البروفيسور الفلسطيني إدوارد سعيد عندما سئل عن قدرته على الإقناع بالقضية الفلسطينية، عندما قال «إن أردت أن تقنع فعليك أن تتحدث بلغة موثوقة»، بالإضافة إلى القدرة على  تجميع الإمكانيات والطاقات، وتوظيفها لصالح جذب، أكبر تأييد شعبي ومؤسساتي غير حكومي، إلى جانب الشعب الفلسطيني، وبلورته في إطار برنامج سياسي، يوجه كأداة ضغط داخل هذه البلدان، لصالح حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، وهو ما تخشاه «إسرائيل»، وتعمل على إفشاله، في ظل تصاعد النقمة الشعبية العالمية، ضد سياسات إسرائيل الاجرامية، وفضح انتهاكاتها مع تطور الاعلام، وبروز وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما أثبتته نجاعة حركة المقاطعة العالمية (BDS)، التي نجحت في تشكيل رأي عام عالمي، ضاغط ومؤثر في كثير من البلدان الأجنبية، على مختلف الأصعدة (مقاطعة البضائع، المقاطعة الثقافية، الاكاديمية، الرياضية، الفنية، الخ...)، بل دفعت أيضا بالكثير من المتضامنين لبذل أرواحهم، لصالح القضية الفلسطينية، ولنا في «اشيل كوري، وفيتوريو أريجوني مثالا، وغيرهم الكثير من المتضامين والمناصرين لحقوق شعبنا الوطنية■

disqus comments here