بقلم ” وسام زغبر” الثامن من آذار في فلسطين: المرأة التي تقاوم وتحمي السردية الوطنية

في الثامن من آذار/مارس من كل عام يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للمرأة، بوصفه مناسبة لتكريم إنجازات النساء وتسليط الضوء على نضالهن من أجل العدالة والمساواة. غير أن هذا اليوم في فلسطين يتجاوز طابعه الاحتفالي، ليغدو محطة وطنية تعكس الدور العميق الذي تلعبه المرأة الفلسطينية في معركة الحرية والكرامة. ففي السياق الفلسطيني تتداخل قضية المرأة مع القضية الوطنية، ويصبح نضالها جزءًا أصيلًا من نضال الشعب الفلسطيني من أجل الاستقلال وإنهاء الاحتلال.

لم تكن المرأة الفلسطينية يومًا على هامش التاريخ، بل كانت في قلبه. فمنذ النكبة الفلسطينية 1948 حملت أعباء ثقيلة في مواجهة التهجير والاقتلاع، وأسهمت في حماية الهوية الوطنية والحفاظ على الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني. كانت الأم التي حفظت حكاية الوطن في المخيمات والمنافي، والمعلمة التي نقلت الهوية للأجيال، والمناضلة التي شاركت في العمل الوطني، والإعلامية التي وثّقت الحقيقة في مواجهة محاولات التزييف والطمس.

وقد أدركت المرأة الفلسطينية مبكرًا أن تحررها الاجتماعي لا ينفصل عن تحرر وطنها، لذلك اندفعت إلى العمل العام منذ بدايات القرن العشرين، حيث شهدت عشرينياته تأسيس الأطر النسوية الفلسطينية الأولى التي جمعت بين النشاط الاجتماعي والعمل الوطني في مواجهة الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني. ومع تطور الحركة الوطنية الفلسطينية اتسعت مشاركة المرأة لتشمل مجالات التعليم والثقافة والسياسة والعمل الجماهيري، وأسهمت في بناء مؤسسات المجتمع وتعزيز صموده.

وفي هذا المسار برزت شخصيات نسوية رائدة أسهمت في تطوير الحركة النسوية الفلسطينية وتعزيز حضور المرأة في الحياة العامة، ومن بينهن الدكتورة صبا الفاهوم التي شاركت في تأسيس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ليصبح إطارًا وطنيًا يسهم في تنظيم طاقات النساء وإدماجهن في مشروع التحرر الوطني.

ومع انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة شهد دور المرأة تحولًا نوعيًا، إذ انخرطت في مختلف أشكال النضال، من العمل التنظيمي والجماهيري إلى العمل السياسي والإعلامي، وأسهمت في بناء المؤسسات الوطنية وتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.

وفي السنوات الأخيرة برزت الصحفيات الفلسطينيات في معركة الرواية والوعي. فهن لا يكتفين بنقل الأخبار، بل يوثّقن الانتهاكات وينقلن معاناة شعبهن إلى العالم، ليصبحن شاهدات على الحقيقة وحارسات للسردية الفلسطينية. وخلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة استشهدت 37 صحفية أثناء قيامهن بواجبهن المهني، فيما يواصل الاحتلال اعتقال 22 صحفية، في محاولة لإسكات الصوت الفلسطيني وطمس الرواية الوطنية.

وقدمت المرأة الفلسطينية في هذا المسار نماذج مشرّفة من التضحية والعطاء، من الشهيدات والأسيرات والمناضلات اللواتي تركن أثرًا واضحًا في مسيرة النضال الوطني. ومن بين هذه النماذج الشهيدة شادية أبو غزالة التي تُعد من أوائل المناضلات الفلسطينيات في العمل الفدائي المنظم، واستشهدت عام 1968 في مدينة نابلس أثناء إعدادها عبوة ناسفة.

كما نستذكر الشهيدة لينا حسن النابلسي التي استشهدت وهي في الخامسة عشرة من عمرها في 16 أيار/مايو 1976 بعد أن قادت تظاهرة طلابية في مدينة نابلس عقب إحياء ذكرى النكبة. وعندما قمعت قوات الاحتلال التظاهرة حاولت الاحتماء بإحدى البنايات، إلا أن أحد الجنود لاحقها وأطلق النار عليها من مسافة قريبة لتسقط شهيدة. وقد اعتُبرت ثاني شهيدة في الضفة الغربية برصاص الاحتلال بعد حرب حزيران 1967، بعد الشهيدة منتهى الحوراني من مدينة جنين.

كما تبرز نماذج قيادية نسوية تركت أثرًا مهمًا في الحركة الوطنية، مثل المناضلة الراحلة نهاية محمد التي جسدت رؤية تربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، مؤكدة أن كرامة الوطن لا تنفصل عن كرامة المرأة.

اليوم، وفي ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من عدوان وحصار وانقسام سياسي، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا لتعزيز دور المرأة الفلسطينية في مختلف مواقع العمل الوطني والاجتماعي. فتمكين المرأة ليس مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل ضرورة وطنية لتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني.

فالمرأة الفلسطينية، التي قدمت الشهيدات والأسيرات والمناضلات، ما زالت حتى اليوم ركيزة أساسية في صمود المجتمع الفلسطيني وحارسة لذاكرته الوطنية وسرديته في مواجهة محاولات الطمس والتغييب، وتواصل بإصرارها كتابة فصل جديد من فصول النضال الفلسطيني.

disqus comments here