"دبلوماسية الخطوات الصغيرة" لإحياء المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية

بدا أن "مجموعة ميونيخ" الرباعية، المشكلة من فرنسا وألمانيا ومصر والأردن، والتي انضم إليها ممثلان عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في اجتماعها الرابع في باريس، يوم الخميس قررت انتهاج "دبلوماسية الخطوات الصغيرة"، بهدف إحياء المفاوضات المتوقفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ 2014. حسب الشرق الأوسط اللندنية.

وشدد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، في المؤتمر الصحافي المشترك بعد الاجتماع، على ضرورة "تجنب أن يبقى الملف هامشياً عندما تنطلق المناقشات بشأن المنطقة في الأشهر المقبلة".

ولأن التواصل غائب بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، والثقة مفقودة، فإن الدول الأربع تريد، في مرحلة أولى، إعادة ترميم الثقة بالاستناد إلى ما تحقق في الأشهر الأخيرة من عودة التواصل بينهما بشأن المسائل الاقتصادية والمالية والصحية (وباء كورونا). وعملياً، قرر الوزراء الأربعة، وفق ما جاء على لسان الوزير الفرنسي: "الاتصال بالجانبين والتعاون معهما من أجل تعيين الخطوات التي يمكن القيام بها للبدء بإعادة الثقة" المفقودة.

وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، في السياق عينه، إن هناك حاجة «للاستفادة من المؤشرات الإيجابية والعمل، من أجل تعزيز التعاون (الفلسطيني - الإسرائيلي) في الحرب على الجائحة وفي المسائل المالية والاقتصادية، لأننا نرى في ذلك مصلحة للطرفين». ووصف الدور الذي لعبته المجموعة منذ انطلاقتها قبل أكثر من عام بأنه "مهم، وهي مستمرة في ذلك".

بيد أن هذا الاستمرار مرتبط بالاستحقاقات الانتخابية المنتظرة في إسرائيل الأسبوع المقبل، ومن بعدها الأراضي الفلسطينية. وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري أن المجموعة "تنتظر نتائج المسار الانتخابي لدى الجانبين من أجل إعادة إطلاق المسار التفاوضي"، مضيفاً أنها "تأمل من الأسرة الدولية ومن الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، دعم الجهود من أجل التوصل إلى حل يضمن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط".

وبنظره، فإن المجموعة "فعالة، ويمكن أن تساهم، إلى جانب محافل أخرى، وعلى رأسها اللجنة الرباعية الدولية، من أجل إحراز تقدم، ونحن نثمن الدور الذي تلعبه الإدارة الأميركية".

حقيقة الأمر أن المجموعة تعي «محدودية» دورها، رغم فائدته، وتعرف أنه من غير انخراط أميركي حقيقي في عملية السلام، فإن جهودها لن تكون كافية، خصوصاً لجهة الضغط على إسرائيل. ويبدو أن المجموعة تستلهم التجربة التي عاشتها إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما مع مبعوثه الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشيل، ولاحقاً مع وزير خارجيته جون كيري، حين وُوجها برفض إسرائيلي شرس، أحبط جهود أوباما الذي كان راغباً في وضع حد للنزاع، وانتهى بنفض يديه منه.

يضاف إلى ذلك أن الطرف الأوروبي يعي أن أي مبادرة أو اقتراحات تأتي منه سيعتبرها الإسرائيليون منحازة للطرف الفلسطيني. ولأن المقترحات والخطط الكبرى ليس هذا وقتها، فإن وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، الذي ندد بالتدابير الإسرائيلية، وخصوصاً الاستيطان الذي من شأنه أن يدمر رؤية حل الدولتين، شدد على ضرورة "التحرك من أجل الحد من التدابير التي تقتل السلام"، والتي من شأنها "تسعير النزاع".

ما الذي أسفر عنه الاجتماع عملياً؟ واضح، بالنظر إلى المعطيات المشار إليها، أن الوزراء الأربعة، ومعهم ممثلو الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة سوزانا تيرستال وتور ونسلاند، اختاروا دبلوماسية «الخطوات الصغيرة» التي كشف عنها لو دريان لبناء الثقة، وإعادة صياغة شروط الحوار تدريجياً. وكان منتظراً أن يصدر مساء بيان عن الاجتماع يفصل ما تنوي المجموعة» القيام به. لكن واقعية الوزير الألماني دفعته إلى الإفصاح عما يدور على الأرجح في أذهان الجميع بقوله إنه "سيكون من الصعب دفع الطرفين على الأرجح إلى طاولة مفاوضات واحدة مجدداً، وهذا سيحتاج إلى وقت طويل".

وقال مصدر دبلوماسي عربي في باريس لـ"الشرق الأوسط"، إن ملف النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي "ليس من بين أولويات الرئيس الأميركي" جو بايدن، رغم أن الخطوط العريضة أو العناوين أصبحت معروفة لسياسته التي تشكل قطيعة مع سياسة سلفه دونالد ترامب، بحيث عادت واشنطن إلى أساسيات سياستها الكلاسيكية ودعم حل الدولتين.

لكن ثمة من يؤكد في باريس أن الملف المذكور لن يطفو على السطح قبل مرور عام أو عامين على إدارة بايدن، علماً بأن كثيرين يتوقعون مقاومة إسرائيلية لجهوده ستتقاطع مع الرفض لخطط الرئيس الأميركي في الملف النووي الإيراني. وما لا يريده الوزراء الأربعة ويسعون إلى تلافيه أن يبقى الملف الفلسطيني ضائعاً بين الملفات الكبرى في منطقة تشهد حروباً ونزاعات وبؤر توتر كامنة ومشتعلة.

disqus comments here