هدم بيت عائلة عليان في العيسوية ....رسائل في أكثر من اتجاه

نحن متفقين على ان القدس تعيش حالة من الإشتباك المستمر مع المحتل،في كل المجالات والميادين،وهذا الإشتباك يعلو حيناً ويخفت حيناً آخر إرتباطاً بالحرب الشاملة التي يشنها المحتل عليهم،وعنوانها " من منكم لا يخضع بالقوة سيخضع بالمزيد منها" ،ونحن سنكسر إرادتكم ونحطم معنوياتكم،وسنعمل على تطويع من يرفض التطويع منكم.

لا شك بان العيسوية تشكل البؤرة والأنموذج للفعل الشعبي المقاوم الحقيقي في القدس والضفة الغربية،ومقاومة العيسوية،هي ليس كما هو الحال في الضفة الغربية،لها وزارة ولديها إمكانيات وميزانيات،بل مقاومة من قوت الشعب وعرق جبينه ولحم أبنائه،وكذلك هي ليست مقاومة لخدمة سلطة او حكم،يجري تسخينها من أجل استجلاب المال،ولذلك هي تدفع الثمن الأكبر،فيما يشنه الإحتلال عليها من حرب شاملة،تشارك فيها كل اجهزته وادواته أمنية وشرطية ومخابراتيه ومدنية ،بلدية الإحتلال ووزارة الداخلية الإسرائيلية،وللتدليل على ذلك اكثر، خلال عام ونصف اعتقل 1300 شاب وطفل من العيسوية،وعدد من أبنائها 13 طفل وشاب أيضاَ فقدوا عيونهم،نتيجة إطلاق جيش الإحتلال الرصاص المطاطي عليها من نقطة الصفر ،او من امكنة قريبة جداً.

العيسوية منذ هبة تشرين اول /2015،وهي في حالة اشتباك مع المحتل،والمحتل سعى بكل الطرق لكي يخمد جذوة الإنتفاضة المشتعلة فيها،جرب كل أشكال وانواع العقوبات الجماعية،إلاغلاق لمداخل القرية بالمكعبات الإسمنتية،الإقتحامات الليلية والنهارية،الحبس المنزلي والحبس الليلي والإبعادات عن البلدة،منع السكان من الخروج،تجنيد كل أجهزته من بلدية وداخلية،توزيع اوامر هدم وهدم منازل،واغلاق مناطق ومصادرة أراضي،ومنع السكان من البناء،والغرامات الباهظة على ما يسمى بالبناء غير المرخص والذي غالباً ما يتوج بالهدم،بعد "إستحلاب" المواطن مالياً،ترويع السكان من خلال عمليات القمع والبطش والتنكيل بهم،اعتقالات بطرق وحشية،تخريب ممتلكات.....الخ.

ما مثلته وما تمثله العيسوية من انموذج للمقاومة الشعبية، لا يريد له المحتل ان يعمم على بقية قرى وبلدات مدينة القدس،رغم ان الضغط والقمع المتواصل وسياسة النظريات الأمنية التي يتبعها المحتل مع سكان مدينة القدس،ستدفع بالأمور نحو الإنفجار،وها هو النموذج ينتقل الى الطور التي كانت تعيش حالة من الهدوء النسبي وتنتقل الى البلدة القديمة.

الإحتلال لكي يكسر إرادة أهل العيسوية،يرى بأن ذلك يتأتي من خلال إنهاك متواصل لمن يتصدرون المشهد الشعبي المقاوم،وإغراقهم في سلسلة متوالية من العقوبات وجعلهم يدفعون ثمناً باهظاً وطنياً وشخصاً وأسريا وعائلياً.

في الزيارة لبيت عائلة عليان في العيساوية الذي هدمته قوات الإحتلال واجهزتها الأمنية متذرعة ومتغطية ببلدية الإحتلال بالبناء غير المرخص ...ركام المنزل المهدوم يلخص أصل الحكاية والصراع،فالصراع يستهدف الوجود وكل تجلياته ومعانيه ...والأرض هي العنوان وما يقام على الأرض من بناء مستهدف وما يزرع او يُعمر حول الأرض مستهدف ....الإستهداف هنا بالتهويد والتطهير العرقي في صراع ديمغرافي محتدم يريد المحتل حسمه،لكي يغير من المشهد الكلي للمدينة وواقعها الديمغرافي ....هو إشتباك مفتوح وصراع إرادة أصحاب الكف التي ستناطح المخرز ....والإستهداف لا يقف عند هذا الحد،فالمحتل لكي يحسم مسألة التهويد والطرد والترحيل والتطهير العرقي ... فلا بديل من "أسرلة " الوعي....الوعي المطلوب " كيه" و" تقزيمه" و"تطويعه" و" صهره" و" تجريفه....لكي يتم خلق الفلسطيني الجديد،هذا الإنسان في الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي سعى الجنرال الأمريكي دايتون لخلقه،إنسان مفرغ من انتمائه الوطني ولا يمت للمقاومة خياراً وثقافة ونهجاً بصله،كذلك المحتل في القدس،يريد خلق إنسان مقدسي جديد محطم الإرادة مفرغ وخاوي من الإنتماء الوطني مسيطر على ذاكرته الجمعية منسلخاً عن واقعه متشككاً في مشروعه الوطني وحقوقه مسلماً بالرواية الصهيونية.

 في القدس معظم البلدات الفلسطينية المقدسية بدون مخططات هيكلية وأغلب اراضيها مصنفة خضراء او مفتوحة او خدمات عامة، والحصول على تراخيص البناء معقد جداً وكل يوم يضاف له شروط وتعقيدات جديدة وتكاليف جديدة، وعندما يضطر المواطن المقدسي للبناء غير المرخص بسبب هذه التعقيدات، إذا لم يصدر امر إداري بحقه في الهدم، فإنه يغرّم اكثر من مرة وبمبالغ خيالية تفوق قدرته، وتستمر رحلته ومعاناته في دهاليز وأروقة بلدية الاحتلال لمدة تصل الى 15 عاماً للحصول على التراخيص ولكن دون جدوى، وبعد كل الخسائر والتكاليف، تقوم بلدوزرات وجرافات وشرطة الاحتلال بهدم بيته، وحتى يحسن الاحتلال من صورته أمام العالم المسمى بالحر زوراً وبهتاناً، والذي قد يتسبب منظر البلدوزرات وجرافات الاحتلال وهي تهدم بيوت المقدسيين وتعتدي على أصحابها وتتركهم في العراء بين السماء والطارق في تشويه سمعة الإحتلال، فقد تفتقت عقليته عن أسلوب جديد من أجل إذلال المقدسيين وامتهان كرامتهم والتسبب بقهر داخلي لديهم، هذا القهر لن يبقى مكتوماً الى الأبد، والذي سينفجر يوما.

هذا الأسلوب هو إجبار المقدسيين على هدم منازلهم بأيدهم، ومع كل ضربة شاكوش او مطرقة او حفرة "كونغو"، يشعر المقدسي بأن روحه تخرج من جسده، ويعيش مشاعر مختلطة ويشعر بحالة عجز كلي، فهو واقع بين نارين ما يتسبب به الهدم الذاتي له من أثار نفسية وتداعيات اقتصادية واجتماعية ناجمة عن هدم بيت، دفع فيه كل شقاء عمره، وربما باع حلي ومجوهرات زوجته وسحب كل مدخراته، او استدان او حصل على قرض بنكي، من اجل ان يجد له مكاناً في قدسه وقريته، وبين أن يرفض قرار بلدية الإحتلال ويتمرد عليه، وبالتالي تقوم بلدوزرات الاحتلال وجرافاته وشرطته بهدم البيت،والزامه بعد كل هذا الخراب بدفع تكاليف عمليات الهدم بما في ذلك تكاليف الشرطة وخيالتها التي حمت ووفرت الأمن للمعدات والآلات التي تقوم بعملية الهدم والتنكيل بعائلته وأسرته.

في قضية هدم بيت عائلة عليان في قرية العيسوية،المبني منذ عشر سنوات والمكون من طابقين بمساحة (370)متراً مربعاً وتعيش فيه اربع عائلات عدد أفرادها 17 فرداً،بينهم 11 طفلاً،إختارت العائلة وفي المقدمة منها ابنها فادي عليان الذي سجن أكثر من مرة،وأبعد عن الأقصى لمدد مختلفة،لأنه من حراس المسجد الأقصى،وحراسة المسجد الأقصى تعني رباطاً ودفاعاً عن الأقصى واشتباك مستمر مع الجماعات التلمودية والتوراتية التي تقتحم الأقصى يومياً،وفادي كذلك متهم من قبل مخابرات الإحتلال بأنه من قادة ونشطاء ال  م  ق  ا  و  مة الشعبية في العيسوية،وهددته مخابرات الإحتلال أكثر من مرة بهدم بيته وبانها ستحيل حياته الى جحيم،وفادي وعائلة عليان اخذوا قرارهم،لن نهدم بيتنا بأيدنا،في رفض واضح لسياسة الهدم الذاتي التي يترتب عليها الكثير من الأثمان والتداعيات،تلك السياسة التي لم يتخذ منها موقفاً واضحاً فلسطينياً ومقدسياً .

عملية الهدم لبيت عائلة عليان في العيسوية في 22/2/2021،حملت أكثر من رسالة ومعنى،فهي رسالة واضحة لأهل العيسوية بان استمراركم في الإنتفاضة والهبات الشعبية،سيجلب عليكم المزيد من العقوبات الجماعية وعمليات الهدم،وكذلك هي رسالة لبقية القرى والبلدات المقدسية،من تحتذي منكم بالعيسوية في  المقاومة الشعبية  الرد عليها سيكون المزيد من القمع والتنكيل والعقوبات الجماعية،وكذلك تلك العملية،حملت بعداً موجهاً شخصياً لفادي وكل مكونات ومركبات الحركة الوطنية في العيسوية ،سنحيل حياتكم الى جحيم إذا ما استمريتم في نهجكم وخياركم في المواجهة لمخططاتنا ومشاريعنا في العيسوية والقدس،والمقاومة الشعبية لن تُوصلكم الى نتيجة،والرسالة الأخرى إن ما يقوم به الإحتلال من إستهداف للمقدسيين وتنفيذ مشاريعه ومخططاته الإستيطانية والعنصرية تجاههم لا تجري ولا تنفذ بعفوية او ردات فعل،بل هي يجري دراستها وبحثها في مقرات وغرف عمليات الأجهزة الأمنية،حتى عمليات الهدم والمخالفات البلدية واجهتها،ولكن اجهزة المخابرات لها دور كبير فيها.

 ومن هنا جاءت عملية الهدم في الذكرى ال 52 لإنطلاقة الجبهة الديمقراطية،كرسالة لفادي ولكل من يلتفون حول الجبهة الديمقراطية وغيرها من فصائل العمل الوطني....الرسالة واضحة وعليكم ان تستوعبوها سنعمل على إجتثاثكم .

المحتل بات عليه ان يدرك بأن سياسة القمع والتنكيل والتنكر لحقوق المقدسيين، لن تؤتي أُكلها،بل هذا الضغط الكبير والهائل من شانه دفع الأمور نحو الإنفجار الشامل.

disqus comments here