الصين: قبل وبعد الثورة الشيوعية

ماو تسي تونغ والثورة الشيوعية

اشتهر ماو تسي تونغ بسبب كونه قائد الثورة الشيوعية الصينية وألأب المؤسس للدولة الصينية العصرية (جمهورية الصين الشعبية) التي تأسست عام ١٩٤٩. في معظم دول الغرب مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا، يتم تصوير ماو على أنه ديكتاتور بلا عقل قتل عشرات الملايين من الناس بلا سبب. هذا ما يعتقده معظم المتحدثين باللغة الانجليزية. المنظور الصيني عن ماو تسي تونغ هو أنه شخص ألغى عبودية القرن العشرين، وأنه عملاق معادي للإستعمار بخبرة قتالية في حرب العصابات لمدة ٢٣ عام، وأكبر مقاتل من أجل حقوق المرأة، وقائد قام بتوحيد كل الصين، وبطل المساواة بين الأعراق، وبطل الطبقة العاملة الذي قضى على الفقر على نطاق غيى مسبوق وتحدى أقوى دول العالم في الحرب وإنتصر. فهل من العجيب أن يكون ماو تسي تونغ هو أكثر قائد حظى بشعبية في تاريخ الصين؟

الصين قبل الثورة

قبل أن كان الشيوعيين الصينيين في السلطة، عاش الشعب الصيني حياة مختلفة تماماً. كانت الصين دولة متخلفة ومقسمة بين عدد من امراء الحرب والقبائل وسلالات متوارثة من ملاك الأرضي تقاتل بعضها البعض من أجل السلطة والثروات. كان معدل فترة حياة المواطن الصيني ٤٥ سنة وكانت تعتبر المستشفيات شئ فخم فقط متوفرة للأثرياء. كانت الأمية منتشرة وكانت القبائل تمارس العبودية.
بعض مناطق الصين كانت متخلفة جداً لدرجة أن الناس كانوا يقيمون شعائر يقتلون بها ناس ويضعون رؤوسهم في سلة في قريتهم لأنهم كانوا يعتقدون أن ذلك سيجعل المحاصيل تنمو.
كان يتم معاملة النساء كمُلكِية ولم يتم إعطائهن حق التعلم، وكثيرهن تم بيعهن كعبيد تحت مسمى "خادمات منزل".
لنأخذ فكرة عن كيف تغيرت الصين بعدما أخذ الشيوعيين السلطة، دعونا ننظر إلى الصين قبل أن تنتصر الثورة الشيوعية.

إذاً كيف قام الشيوعيين بتغيير الصين؟

حقوق المرأة

قبل أن يستلم الشيوعيين السلطة لم يتم إعتبار المرأة بأنها متساوية مع الرجل، خصوصاً في جنوب الصين حيث كان يتم بيع وشراء النساء كعبيد تحت مُسمى "خادمات منزل".
كان من النادر جداً للنساء أن يحظون بالتعليم قبل الثورة الشيوعية، وذلك لأنه في ذلك الحين من التاريخ الصيني كان بالعادة يتم إرسال المرأة إلى منزل زوجها بعد الزواج. وهذا كان يعني أن تعليم المرأة لن يعود بالنفع على عائلتها التي تدفع من أجل التعليم.
الكثير من الفلاحين لم يكن لديهم ما يكفيهم لإبقاء بناتهم معهم بسبب الفقر، ولذلك كانوا يبيعوهن لكي لا تموت باقي العائلة من الجوع. النسوية الأمريكية اغنيس سمدلي التي شاركت بالثورة الصينية، كتبت كثيراً عن هؤلاء النساء في كتاباتها باللغة الألمانية.

بسبب الإضطهاد الطاحن للنساء في المجتمع الصيني التقليدي، ليس من العجيب أن الكثير من النساء إنضمت للثوريين الشيوعيين في القتال ضد النظام الذي أضطهدهن. بخلاف معظم جيوش القرن العشرين، رحب شيوعيين الجيش الأحمر الصيني بعدد كبير من النساء في صفوفهم. هذا لأن بعكس معظم الناس في ذلك الزمن، آمن الشيوعيين أن النساء والرجال متساويين ولذلك فهن لديهن القدرة على فعل كل شئ يمكن للرجال فعله...مثل القتال في ثورة.

سلالات مُلّاك الأراضي وأمراء الحرب

كان الريف الصيني مُسَيطَر عليه من قِبَل عدة قادة محليين الذين كان لديهم ما يكفي من الثروات والهيبة والنفوذ لبناء جيوش. هؤلاء كانوا هم من يسيطر على معظم الريف الصيني وهم من جعل حياة الفلاحين كابوس. الفلاحين كانوا يريدون فقط أن يعيشوا حياتهم دون أن يبقوا خائفين من أن يتم مهاجمتهم ونهبهم من قِبَل أمراء الحرب. الشيوعيين والقوميين (الكومينتانغ) عقدوا إتفاقيات كثيرة مع أمراء الحرب عندما تطلب الأمر ذلك، لكن بعدما استلم الشيوعيين السلطة تم هزم جميع أمراء الحرب وتم حل جيوشهم.
حكومة الكومينتاتغ القومية تحالفت مع الحزب الشيوعي الصيني عام ١٩٢٦ للقتال ضد أمراء الحرب وإنهاء حقبتهم في حملة عسكرية سميت ب"البعثة الشمالية". لكن خلال هذه البعثة إنقلبت الكومينتانغ على الحزب الشيوعي في حدث سمي ب"مذبحة شانغهاي" عام ١٩٢٧ والتي دمرت اكثر من نصف القوات الشيوعية وأجبرت المتبقيين على الهروب إلى مناطق بعيدة في الريف.

العبودية والقتل

في الكثير من المناطق المنعزلة في الريف الصيني كان هناك أراضي تمارس بها الأقليات العرقية الصينية العبودية والقتل، ممارستان تم احباطهما بعدما إستلم الشيوعيين السلطة. أشهر ملّاك العبيد كانت قبيلة نورسو التي عاشت في جبال منعزلة في الجنوب الصيني وكانت تخطف الصينيين ال"هان" ويجبروهم على العبودية. محي العبودية في تلك المناطق هو أمر وثقه الصحفي البريطاني ألان وينينغتون في كتابه "The slaves of the cool mountains" أي عبيد الجبال الباردة. ألان وينينغنون قابل وتحدث مع عبيد محررين ومالكين عبيد ونبلاء في قبيلة نورسو ١٩٥٦ في الوقت الذي كانت العبودية على مقربة من أن يتم محيها بشكل كامل ونهائي. تمكن ألان أيضاً من مقابلة أفراد من قبيلة "وا" بالقرب من الحدود الصينية - البورمية على شرق نهر السلوين. هؤلاء الناس مارسوا القتل لأنهم آمنوا أن ذلك سيجعل المحاصيل الزراعية تنمو، وهذه أيضاً ممارسة قضى عليها الشيوعيين.

اليوم لا يوجد في الصين مثل هذه الممارسات، والعبودية تعتبر جريمة يعاقب عليها القانون.

الإستعمار

مثل معظم الدول في القرن التاسع عشر والقرن العشرين وقعت الصين ضحية للإستعمار.
الكثير من الموانئ في الصين تم إستغلالها كموجودات للمستعمرين من قِبَل دول مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا. حزب الكومينتانغ الذي قاد الصين قبل الشيوعيين أرسل الكثير من القوات العسكريين لمقاتلة الشيوعيين لدرجة أنهم تركوا شرق الصين بلا حماية، مما ترك المجال للقوات اليابانية ليستعمروا أجزاء كبيرة من الصين خلال الثلاثينيات. لمقاتلة الخطر الفاشي الياباني قام الشيوعيين بعقد إتفاقية مع أمير حرب ليقوم بخطف قائد الكومينتانغ تشانغ كاي شيك وإجباره على التحالف مع الشيوعيين ضد اليابان. بعد ذلك قاتل الشيوعيين ضد الفاشيين اليابانيين لطردهم من الصين حتى إنتهاء الحرب العالمية الثانية. اليوم الصين دولة ذات سيادة وليس هنالك أي قوى أجنبية تسيطر على سياستها أو أرضها أو موانئها.

الفقر

أحد أكبر مساهمات الشيوعيين في المجتمع الصيني هو في مجال تقليص الفقر. قبل أن يستلموا الشيوعيين السلطة كان معدل فترة حياة المواطن الصيني بالكاد يبلغ ٤٠ عام، لكن اليوم وصل هذا الرقم لأكثر من ٧٠ عام. وفقاً لإحصائيات البنك الدولي إرتفع معدل فترة الحياة بشكل كبير ولافت للنظر بعد ما سمي ب"القفزة العظيمة للأمام" في الستينيات والتي كانت حركة إقتصادية لتحويل الزراعة الصينية المتخلفة إلى زراعة جماعية منتجة وعصرية. كانت النتيجة إرتفاع متوسط العمر، وتقليص الإعتماد على الزراعة في الإقتصاد، وأصبح هناك قدرة عند الدولة لتوجيه الموارد لتحسين أشياء أخرى مثل الفن والعلوم والدفاع.

الإستنتاج

وضّح هذا المقال الفرق في المستوى المعيشي للصينيين الذي تحقق تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني. هنالك الكثير من الأشياء التي يمكننا أن نقولها عن الصين، لكن من المستحيل أن نختلف على أن الحياة أصبحت أفضل للشعب الصيني بعدما تسلّم الشيوعيين السلطة.

 

disqus comments here