• أساليب الاغتيال
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

      عدد القراءات :1619 -   2010-02-21


    الرسائل المفخخة هي أول أسلوب استخدمته الموساد لاغتيال مناهضيها، مصطفى حافظ المصري‏ الذي أرسله عبد الناصر إلى القطاع، ‏خلال‏ فترة الانتداب المصري، لتنظيم العمل‏ الفدائي، وقد‏ عرف‏ هؤلاء‏ الفدائيون فيما بعد بفدائيي مصطفى حافظ واستطاعوا‏ تنفيذ عمليات عسكرية في العمق "الإسرائيلي" عبر حدود قطاع غزة. وإلى‏ جانب‏ المتطوعين‏ للعمل‏ الفدائي، قام‏ مصطفى‏ حافظ بتجنيد عددٍ من المعتقلين المدنيين الذين عليهم قضايا جنائية، وكان شرط خروجهم من السجن هو المشاركة بعمليات عسكرية ضد الاحتلال‏ الصهيوني.

    وشارك كثير منهم، ‏جنبا إلى جنب مع الفدائيين في عمليات بطولية أشار إليها الجنرال موشى ديان في مذكراته، ولكن أحد هؤلاء الأشخاص ضبط في أحد العمليات، من‏ قبل‏ الصهاينة، ‏فتم شراؤه وتجنيده، وأصبح عميلاً مزدوجاً، حمل طردا إلى مصطفى حافظ، وعندما هم مصطفى حافظ بفتح الطرد هز مكتبه في سرايا غزة انفجار ضخم قضى عليه مباشرة بينما أصيب العميل المزدوج بإصابات خطيرة وفقد بصره ، وقد جرت هذه‏ الحادثة في11/7/1956م.

    بسام أبو شريف: الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي‏ ربما‏ لم يكن يخطر في باله بأنه مستهدف من أحد، ‏وصله طرد عبر البريد، بتاريخ 25/7/1972 في بيروت، وعندما فتح الطرد انفجر به، ففقد إحدى عينيه وتشوه وجهه، وأصيبت يداه.

    العبرة:
    1- كان‏ الشهيد العقيد مصطفى حافظ مناضلا مصريا جريئا : ‏وكان يؤمن بأن دوافع الشر في نفس السجين الجنائي ليس لها جذور في كيانه، إنما الظروف القاسية والصعبة هي التي تدفع بعضهم إلى الجريمة، وأن بداخلهم خيراً كامناً، وحاول التقاط هذا الخيط من الخير، وتطويره، وتفجير هذه الطاقات ضد "إسرائيل" كان يرى أن السلوك العدواني لبعض‏ السجناء ليس سوى مظهر منحرف لطاقة خير متفجرة سماتها الرجولة والعطاء، والتضحية وحب العدل والخير للناس، ومن هنا كان يعدل هذا السلوك بتوجيهه إلى الشر المطلق " إسرائيل"، ولكن خطأه الأساسي كان‏ في تغافله عن حقيقة من حقائق الحياة، وهي أن‏ من تشترى حريته بثمن يمكن أن يبيعها للآخرين بنفس الثمن، وهذا ما فعله اليهود حينما اعتقلوا شخصاً، فاشتروا حريته مقابل أن يعمل معهم كعميل مزدوج. ومن هنا كان مقتل الشهيد.

    أما بسام أبو شريف فإن انفتاحه عبر شبكة واسعة من العلاقات كان يعني أن اغلب هذه العلاقات كانت غير‏ مضبوطة، واغلب العناصر التي كانت‏ في‏ صلب‏ هذه العلاقة هي عناصر‏ غير‏ مأمونة.

    2- إن استخدام الرسائل المفخخة سيف ذو حدين : فإذا كان بإمكان الموساد قتل مناضلين برسائل مفخخة، فبإمكان المناضلين قتل الصهاينة بنفس الأسلوب، فالأسلوب ليس حكراً على أحد، وهذا ما حدث، ففي تاريخ 19/8/ 1972 استلم مدير محطة الموساد في السفارة الإسرائيلية في لندن: الدكتور شاشورى رسالة مفخخة انفجرت به فقتلته.

    3- في العمل الثوري لا يوجد "طرود ورسائل شخصية" : فالطرود والرسائل للعمل، خاصة إذا كانت هذه الطرود والرسائل مرسلة عبر البريد أو عبر أشخاص غرباء ومجهولين، يلقونها تحت باب مكتب أو يحضرونها إلى المنزل عبر ساتر أنهم تابعون لفصيل ما.

    لذلك يجب اتخاذ الإجراءات التالية:

    المحافظة على سرية صناديق البريد، وتقسيمها إلى صناديق هامة جداً وهامة وعامة.
    فتح سجل يومي للبريد الوارد، مع ذكر التاريخ، والمصدر، والبلد القادمة منه، ونوعية وموضوع المادة.
    عدم فتح الطرود والرسائل في مكان يكثر فيه تواجد الأخوة، ‏أو في المكاتب.
    يكلف شخص مختص ومزود بالإجراءات والأدوات اللازمة، ‏بفتح الطرود والرسائل.
    يتم اختيار مكان أمين ومعزول لفتح الرسائل.
    يتم تصوير الرسائل القادمة من مصادر مجهولة أو غريبة أو مشكوك فيها، وتقدم نسخ من الأصل لمن يهمه الأمر.

    ثانيا ؛ أسلوب تفخيخ السيارات
    تعود غسان كنفاني أن يقود سيارته بنفسه من سكنه إلى مقر عمله في جريدة الهدف، ولم يرافقه أو يلازمه في تنقلاته سوى أعداد الهدف، ومسودات القصص التي يكتبها حيث لم يكن يخشى على نفسه من شيء، وفي صباح 8/7/1972 ذهب إلى السيارة وبصحبته ابنة شقيقته، وحينما بدأ بتشغيل السيارة، دوى انفجار هائل دمر السيارة تدميرا كاملا وقتل غسان كنفاني وابنة شقيقته.
    وبينما‏ كان‏ الناس نياماً في رام الله والبيرة ونابلس، ولم‏ يكن‏ سوى بعض العمال والفلاحين والتلاميذ الذين‏ خرجوا من بيوتهم مع أول خيوط شمس الصباح متجهين إلى حقولهم ومصانعهم، ومدارسهم، هز مدينة نابلس‏ فجأة، انفجار أيقظ الناس من سباتهم، وما كادوا يتبينون‏ حقيقة‏ الأمر، حتى اهتزت مدينة البيرة بانفجار ثان، وانفجار ثالث في رام‏ الله لقد‏ تم‏ تفجير سيارة بسام الشكعة، وسيارة كريم خلف وسيارة محمد الطويل في 2/6/1980.

    تعتبر الموساد أن بسام الشكعة وكريم خلف ومحمد الطويل من‏ أخطر‏ الشخصيات السياسية ذات التوجه الوطني، ومن‏ رجال م.ت.ف في الضفة، ومن‏ المحرضين الأساسيين لعمليات المقاومة ضد الاحتلال، لذلك قررت تصفيتهم، فأرسلت فرق الاغتيال إلى منازلهم، وقامت بتشريك سياراتهم بعبوات ناسفة تنفجر مع تشغيل السيارة، وأصيب المناضلون‏ الثلاثة جميعهم بإصابات بالغة .

    لكن ما حدث مع زياد‏ وشاحي في قبرص 9/4/1973، وما حدث مع عبد الهادي نفاع وعبد الحميد الشيبي في روما 10/6/1973، وما حدث مع محمد بوديه في28/6/1973، بباريس، كان له نتائج مختلفة ، لقد تم تفخيخ سيارات جميع هؤلاء المناضلين، ولم ير أحدهم نور الشمس بعد الانفجار، لقد استشهدوا‏ كلهم‏ في‏ انفجارات‏ متشابهة.

    العبرة:

    1- جميع المناضلين الذين تعرضوا لأسلوب تفخيخ السيارة سواءٌ من استشهد منهم أو من أصيب، لم يتخذوا الإجراءات الأمنية الضرورية والأساسية : وربما كان ذلك تحت ثقل التراخي الأمني أو النمط اليومي، أو عدم تفكير بعضهم بأنهم مستهدفون، لعدم انشغالهم بالعمل العسكري أو الأمني، ونسوا أن كل‏ فلسطيني مهموم بقضيته سواء كان سياسيا أو أديبا أو صحفيا أو عسكريا، مستهدف من الموساد .

    2- تفخيخ السيارة لا يحتاج إلى خبرة عالية أو وقت طويل : فقط يحتاج إلى شخص لديه خبرة عامة في كهرباء السيارات، ويمكن أن تفخخ السيارة عبر مفتاح‏ التشغيل‏ "السويتش" ، وفتح الباب ودعسة الفرامل، وكابح الفرامل الخلفية، وعلى الغيار الخلفي ودعسة البنزين وعلى ضوء الفيوز والضوء العادي، والضوء العالي ودعسة المنبه وعلى الغماز اليمين واليسار والجلوس على الكرسي، وجميع هذه الأشكال تعتمد‏ على:

    وصول التيار الكهربائي للعبوة عبر تشغيل أي قطعة من القطع‏ المذكور أعلاه.
    الضغط أو الفتح، أو القطع، أو الشد .

    لذلك من الخطورة ترك السيارة في الطرقات العامة أو أمام أبواب العمارات والمنازل، ‏لأنها "نعش طائر" .

    يستطيع الأعداء القيام‏ بعملية‏ تشريك السيارة‏ في أي حالة من الحالات التالية :

    عندما تترك طوال الليل في طريق عام أو أمام بناية.
    عندما تترك في موقف خاص للسيارات يوجد حارس في مدخله.
    عندما تترك في المواقف العامة والتي يوجد بها عامل يتقاضى ضريبة.
    عندما تترك في مرآب خاص تحت المنزل، أو مرآب خاص مغلق.

    لذلك يجب عدم ترك السيارة في هذه الحالات أما في‏ الحالة الأخيرة "د" فيجب إغلاق الباب من الداخل بمتراس، بحيث لا يكون له قفل يفتح من الخارج، ففتح الأقفال ليس صعبا على المحترفين.

    4- السيارات المستأجرة يوجد لها نسخ إضافية من المفاتيح تبقى لدى مكتب الإيجار : فإذا كان هذا المكتب أو أشخاص فيه يعملون مع الموساد، فإنهم لن يقدموا لهم المفاتيح الإضافية للسيارة، ‏فقط، بل سيقدمون لهم صورة عن جواز السفر، وعنوان الإقامة لتتم ملاحقة‏ المناضل بناء على أخطائه. فيجب الحذر والانتباه.

    5- المفاتيح الخاصة لمنزل المناضل أو‏ مكتبه‏ أو‏ سيارته لا تعطى لأحد : خوفا وحذرا من أن يقوم مترصدون بأخذ نسخ منها.

    6- يجب التقيد والالتزام عند وضع السيارة ليلاً، في المرآب بإجراءات الأمن التالية:

    ‏أن يكون للسيارة جهاز إنذار.
    وضع‏ علامات‏ مميزة‏ للأبواب‏ والغطاءين‏ الأمامي‏ والخلفي‏.
    التأكد من إغلاق الأبواب وتأمينها.

    7- الإجراءات الأمنية للسيارة صباحا:

    التأكد من بأنه لم يحدث أي تغيير‏‏ على‏ الإشارات التي تركت ليلا في السيارة .
    في حالة اكتشاف تغيير يكون هناك مجال للشك بأن السيارة فخخت ولذلك يمنع الدخول والجلوس فيها أو تشغيلها، وإنما‏ يتم‏ فحصها‏ بواسطة‏ خبير.
    فحص جسم السيارة من الأسفل خوفا من أن تكون المتفجرات غرست أسفلها.
    يجب القيام‏ يوميا بفحص أمني للسيارة الفرامل، المصابيح، الرودييتر، خزان البنزين، ‏العجلات .

    عند ترك السيارة لبعض الوقت : في الطريق أو مكان عام يراعى بقاء شخصٍ فيها، وإن تعذر، يعمل بالإجراءات السابقة بشكل هادئ وطبيعي وغير ملحوظ.


    ثالثا ؛ تفجير السيارة عن بعد

    لقد‏ كانت عملية حائط البراق والسيارة المفخخة للكنيست أول ثمرات عمل نوعي واستشهادي للجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في قلب فلسطين، وليدخل اسم الشهيدين حمدي وأبو حسن في قائمة الاغتيال المرفوعة لفرق التصفية للموساد، بل‏ إن‏ المخابرات الأردنية سجنته العديد من المرات، ووضعته تحت المراقبة الصارمة، وعندما وجدت أن الرقابة فشلت أمام ذكاء حمدي وخبرته وفطنته أبلغوه أنهم لن يتحملوا مسؤولية وجوده في البلد، وأنهم لن يتحملوا مسؤولية اغتياله وأن عليه مغادرة الأردن، لأن "الإسرائيليين" أبلغوهم أن بقاءه في عمان يعني انهم سيقتلونه هناك ، وطار حمدي من عمان إلى الجزائر، إلى تونس، حيث دخول الفلسطينيين وخروجهم لا يتم إلا بموافقة حكم بلعاوي، ومن هناك وصلت الإشارة الأولى للموساد بأن حمدي وصل تونس، وعندما هم بمغادرة تونس إلى قبرص وصلت الإشارة الثانية عن وجهة سفره، ورقم رحلته، ومن سينتظره هناك، وكان‏ موعد رحلته‏ في 13 شباط1988 ، منزل مروان الكيالي ورقم هاتفه لم يكن مجهولاً، فمروان ضابط من م.ت.ف، ‏وكانت " ليماسول " مركز‏ عمله، ‏وكانت مهمته شحن إمدادات إلى الفلسطينيين الذين تبقوا في لبنان، باستخدام علاقاته الممتازة في " ليماسول " وكان يشارك في مساعدة حمدي على مستوى الاتصالات بالداخل.

    الشهيد أبو حسن الذي كان متواجدا في ألمانيا، كان قد رتب إجراءاته ليلتقي مع صديق عمره في ليماسول، حيث وصل هناك في نفس الليلة، صباحا خرج الثلاثة حمدي وأبو حسن ومروان لكي يستقلوا سيارة مروان "الفولكس واجن".

    وبينما كانت السيارة تتحرك أمام بصر زوجة مروان التي كانت تقف على الشرفة لتودعهم، كان لصوص الليل يشغلون جهاز التحكم من بعد "جهاز التفجير" ليدوي انفجار هائل دمر السيارة تدميرا كاملا وصعد الشهداء إلى السماء، وفي الفترة التي صعد فيها‏ الشهداء إلى بارئهم، ‏كان هاني عابد القادم من مخيم جباليا يشق طريقه، مع جيل جديد لحركة الجهاد الإسلامي، حاملا مشعل الإيمان والوعي والثورة على طريق القسام والشهداء، أكمل دراسته وأصبح أستاذاً لمادة الكيمياء في كلية العلوم والتكنولوجيا في خانيونس، ومسؤول مركز أبرار للخدمات الصحفية، ومدير جريدة الاستقلال في عهد سلطة عرفات، حمل هم القضية طفلا في المخيم وطالبا في المدرسة، ومدرسا في الجامعة، لم يكن مضى عدة شهور على اعتقاله في سجون عرفات عندما ركب سيارته للمرة الأخيرة، وتوجه ليلقي محاضرته في الجامعة، وعندما انتهى من المحاضرة خرج ليقود سيارته، كان القتلة يرقبونه‏ من‏ بعيد، وعندما جلس خلف مقود السيارة، شغلوا جهاز التحكم من بعد، وفاز‏ هاني‏ بالشهادة.




    العبرة:

    1- تفجير السيارة عن بعد تقنية حديثة لا تحتاج إلى تعقيدات ووقت زمني : وإجراءات العملية تتم بمجملها في عدة ثوانٍ فقط، يقوم فيها شخص بوضع عبوة لاصقة أسفل السيارة وهذه العبوة تلتصق بجسم السيارة بمجرد وضعها، وفي داخل العبوة جهاز استقبال يعمل وفق تردد محدد، وعلى بعد خمسين متراً أو مائة متر في مساحة مفتوحة أمام رؤية البصر يقف الأشخاص أو الشخص الذي سيفجر العبوة، ومن خلال جهاز إرسال في يده يرسل التردد المحدد لجهاز‏ الاستقبال فور أن يكون الهدف جاهزاً للتفجير. وبضغطة من الإصبع ينتهي كل شيء ويختفي القتلة، بسيارة معدة سابقا، عن مسرح الجريمة، مستفيدين من حالة الهلع التي يسببها الانفجار.
    2- الأماكن الحساسة في كثير من الدول، والشخصيات القيادية الهامة في تنقلاتها تستخدم جهازا حديثا : يقوم ببث جميع ترددات الموجة اللاسلكية‏ عبر دائرة كاملة، بحيث أن أية سيارة مفخخة‏ معدة للتفجير عن بعد، توضع‏ في‏ الطرق‏ أو‏ تتحرك في مجال هذه الترددات‏ تنفجر تلقائياً فورا عند دخولها مجال ترددات الجهاز، وبذلك تحبط العملية .

    3- لم تكن عملية ليماسول هي المحاولة الأولى لاغتيال حمدي : فلقد جرت عدة محاولات لتعقبه، ومتابعته واغتياله ولكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل لأن الشهيد حمدي كان في حركة دائبة‏ ومستمرة، ولم يعش الثبات والرتابة‏ في سلوكه لحظة واحدة، لقد كان يدرك أن في‏ الرتابة مقتل‏ المناضل. وعندما تأكد‏ الصهاينة من وصوله إلى ليماسول لم يتركوا له فرصة لالتقاط أنفاسه والراحة من عناء السفر خوفا من أن يطير من بين أيديهم كما حدث في كثير من المرات كذلك اغتيال هاني كان محاولة أخيرة، سبقها عدة محاولات لخطفه واغتياله، ولكنها فشلت.

    4- لم تنجح الموساد في‏ اغتيال الشهداء حمدي ومروان‏ وأبو‏ حسن‏ وهاني بسبب اختراقات أمنية : بل بسبب دخول شخصيات قيادية تابعة لـ م.ت.ف على الخط شاركت في عملية الاغتيال على مستوى المعلومات والتنفيذ بنسبة كبيرة.

    5- لقد التزم الشهيد حمدي بأغلب الإجراءات اللازمة التي يتخذها أي شخص أمني حول نفسه : ولكن مشكلته أنه ليس وحيدا يسبح في العالم، بل هناك تداخلات، وتقاطعات، وتعقيدات تفرض على الفلسطيني أن يأخذها بالحسبان ، ‏إن‏ دخول الفلسطيني أغلب الأقطار العربية والخروج منها تتحكم فيه أجهزة أمن م.ت.ف مع الأجهزة الأمنية لهذه الأقطار، وجهاز الأمن الفلسطيني مخترق‏ من شبكة من العملاء المحليين والدوليين، لذلك يجب ترتيب جميع إجراءات سفر أي مناضل مهم أو مطلوب، بعيدا عن هذه الأجهزة الأمنية، وبعيدا عن العملاء .

    6- وثائق السفر الزرقاء، والبنية وبنسبة أقل الجواز الأردني لا تصلح لحركة المناضلين وتنقلاتهم : فأول استحقاقات حملها السجن أو الحجز أو الطرد أو الاغتيال ضمن فاتورة النظام العربي، واشتراطات أجهزته الأمنية، ورأس المناضل أغلى وأهم من جواز السفر، لذلك لابد من السعي الحثيث لتزويد جميع الاخوة المهمين بجوازات سفر تمكن لهم حرية الحركة، والتنقل بعيدا عن أعين الأجهزة الأمنية فكم هو محزن ومؤسف حقا، أن يكون ثمن رأس الشهيد يساوي ثمن‏ جواز سفر .

    7- نقاط الاتصال في أوروبا، كساحات مفتوحة على الموساد : يجب أن تبدل، وتغير بشكل دائم وهذا التبديل يجب أن يشمل العنوان، السيارة، ورقم الهاتف. إن عدم تجديد أي نقطة اتصال في أوروبا تحت ذريعة الوجود القانوني، وساتر العمل في م.ت.ف أو سائر الدراسة، يعني بقاء العنوان ثابتاً، والسيارة ثابتة، والهاتف ثابتاً، وهذا الثبات ربما يستمر لسنوات مما‏ قد يؤدي إلى ضرب العمل، وكشف مفاصله، ومقتل المجاهدين .

    8- إن أي مجاهد يحس بداخله أنه مطلوب للموساد : ويضطر أن يترك سيارته لبضع الوقت من أجل قضاء حاجياته يجب عليه قبل ركوب السيارة التقيد بهذه الإجراءات :

    التوجه بشكل طبيعي إلى السيارة، والتوقف قبل الوصول إليها بعدة أمتار.
    إلقاء نظرة دائرية سريعة على الأجسام الثابتة والأشخاص المتحركة في محيط المنطقة.
    الاقتراب من الأشخاص المتحركين، وإلقاء نظرة عليهم‏ من الريبة والشك .
    الانسحاب من المنطقة والاختفاء في مكان يسمح بمراقبة الأشخاص المتحركين من دون أن يروه.
    عند الاشتباه بردود أفعال الأشخاص المتحركين، يجب فورا حفظ الوصف التشخيصي لهم وتعمد مراقبتهم مراقبة علنية ومكشوفة، لتوصيفهم أكثر وفضحهم أكثر .
    عندما لا يوجد أشخاص متحركون ويكون الوضع طبيعياً يتم فحص جسم السيارة من الأسفل للتأكد من عدم وجود مواد لاصقة ، ويحبذ القيام بعمليات فحص السيارة من الأسفل عن طريق امرأة، أو شخص غير خطير ولكن بشكل لا‏ يلفت‏ الانتباه.

    رابعا ؛ إطلاق النار عن قرب

    ا- وائل زعيتر (1934 ـ1972) : مناضل وأديب فلسطيني ولد في نابلس ، بعد سنة 1967 تفرغ للعمل الفلسطيني الإعلامي والسياسي، ‏وعين ممثلاً لـ م.ت.ف في روما استطاع أن يمد جسوراً قوية بين الثورة الفلسطينية ومجموعة من قادة الفكر والسياسة في‏ إيطاليا، ‏في الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي للوحدة البروليتيارية، والاشتراكيين والمستقلين، وأسس معهم نواة اللجنة الإيطالية للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وقد عملت هذه اللجنة على تنظيم المظاهرات، وعقد الاجتماعات من أجل فلسطين قررت المخابرات الصهيونية قتل وائل زعيتر بسبب هذا النشاط، وفي تاريخ 17/10/1972، بينما كان ينتظر المصعد للذهاب إلى شقته تقدم منه شخصان فأطلقا عليه 12 رصاصة من مسدسات كاتمة للصوت، فاستشهد، ولاذ المجرمون بالفرار .
    ب- باسل القبيسي (1934 ـ 1973) : عراقي من‏ مواليد بغداد، درس في أمريكا وحصل على شهادة البكالوريوس والدكتوراه في العلوم السياسية اعتقل عدة مرات في بغداد كان رئيس تحرير مجلة الوحدة الناطقة بلسان الحركة القومية في العراق 1963، تولى عدة مسؤوليات هامة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بينما كان يسير في أحد شوارع باريس بتاريخ6/4/1974، تقدم نحوه شخصان وأطلقا عليه النار من مسدسات "بريتا" كاتمة للصوت، فأردوه قتيلا.

    جـ - عاطف بسيسو‏ (1994) : مناضل فلسطيني من قطاع غزة، عمل في الأمن الموحد، مع صلاح خلف "أبو اياد"، ويعتبر من المقربين له بعد التنسيق الأمني المشترك بين صلاح خلف والمخابرات الفرنسية، عمل عاطف بسيسو كضابط ارتباط للتنسيق الأمني مع المخابرات الفرنسية، وفي أحد مهماته سافر إلى فرنسا، حيث كان ينزل في أحد الفنادق الفاخرة، وعندما نزل إلى قبو الفندق لإخراج سيارته، كان القتلة ينتظرونه هناك وأطلقوا النار عليه من مسدسات كاتمة للصوت بشكل مباشر على وجهه، وعندما سقط على الأرض مضرجا بدمائه فر القتلة من مسرح الجريمة ، اعتبر‏ جهاز المخابرات الفرنسية عملية اغتيال عاطف ضربة موجهة إليه، فقام بتسريب معلومات عن شبكة عملاء تعمل مع الموساد في مقر منظمة التحرير في تونس، وتم كشف عدنان ياسين الذي اعتبر كبش فداء للآخرين .

    العبرة:

    1- لقد كان وائل زعيتر رجلاً سياسياً، وكان باسل القبيسي رجلاً عسكرياً، وكان عاطف بسيسو رجل أمن: اختلفت مواقعهم، ومناصبهم وأدوارهم، وخطورتهم، ولكن جميعهم واجهوا مصيرا واحدا وهو الاغتيال فالموساد لا تفرق بين السياسي والعسكري، والأمني، طالما أنهم يعملون لأجل فلسطين.

    2- إن الشهداء الثلاثة كانوا معروفين للموساد : وهذا يدل على أن مزاولة أي شكل من أشكال النضال السري‏ بصورة علنية هو‏ خطأ‏ قاتل، لذلك على‏ العسكريين‏ والعاملين‏ في‏ القطاع‏ الأمني الابتعاد عن العمل العلني، وعدسات المصورين.

    3- إن العمل العلني محرقة للجميع : والاستمرار في العمل العلني المكشوف في أي ساحة من الساحات خارج فلسطين يعني الانتحار المقصود، إن لم يكن على يد الموساد، فعلى يد أجهزة كثيرة، ليس لها أي هم أو عمل سوى ملاحقة المناضلين، واختراقهم، وجمع أكبر قدر من المعلومات عنهم، وهذه الأجهزة لها علاقات تنسيق مع أجهزة أخرى في أقطار مختلفة يتم بينهم التعاون الأمني أو تقديم المعلومات.

    إن أول قاعدة في العمل النضالي هي السرية، فلماذا تحرق الحركات الثورية خيرة شبابها وكوادرها، وتبكيهم في نهاية المطاف. وصديق الأمس عدو الغد، والسياسة لن تحمي من لم يقرأ عبر التاريخ.

    4- لقد كان واضحا أن "وائل"، "و باسل"، "و عاطف"، كانوا تحت مراقبة مستمرة : وهذا يعني أن أحدا منهم لم يلتزم بالإجراءات الأمنية الضرورية، فإذا‏ كان‏ عدم‏ اتخاذ‏ وائل‏ زعيتر‏ للاحتياطات‏ الأمنية‏ يرجع‏ لكونه‏ شخصية‏ سياسية‏ عامة، فإن باسل القبيسي لم يكن معذوراً، كونه رجلاً له علاقة بالعمل العسكري، وكان‏ لا‏ بد أن يتخذ الإجراءات المناسبة ليحمي نفسه وقضيته وتواصله‏ النضالي، أما في‏ قضية‏ عاطف بسيسو فالمصيبة أكبر، فهو رجل أمن، وهذه طبيعته، ومهمته، فكيف يخضع‏ للمراقبة دون أن تتحرك لديه حاسة الأمن؟!

    5- لقد كان وائل زعيتر يعتبر نفسه أميناً : تحت حماية السلطة الإيطالية كونه دبلوماسياً رسمياً، وكان باسل يعتبر أنه في مأمن طالما هو في باريس بعيدا عن (إسرائيل)، أما عاطف فكان يعتبر نفسه في حماية جهاز الأمن الفرنسي كونه حليفهم وصديقهم، وغاب عن الجميع حقيقة من حقائق الحياة‏ أن من لم يحم نفسه فلن يحميه الآخرون، فالابتعاد عن (إسرائيل) والاستقرار في العواصم الأوروبية والعربية والتعامل مع النظم والأجهزة الاستخبارية، لن يلغي حقيقة انك فلسطيني مناضل، ورأسك مطلوب للجميع، فالموساد مصالحها فوق علاقاتها، ولا يوجد أمامها خطوط حمراء، أو ساحات لا تقترب منها أو نظم لا تتحرك في أحشائها، سواء كانت لحلفائها وعملائها مثل جيب عرفات أو كانت لخصومها وأعدائها، فالذي يغتال في روما وباريس، لن يتورع عن الاغتيال في العواصم العربية!

    خامسا ؛ اقتحام المنزل

    1- كمال ناصر ( 1924 ـ 1973 ) : مناضل وسياسي وشاعر فلسطيني، ولد في بير زيت، وحصل على شهادة البكالوريوس في الآداب والعلوم في الجامعة الأمريكية ببيروت 1945 عمل مدرساً للأدب العربي في القدس، انتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وأصدر بعد نكبة 1948 مع عدد من زملائه جريدة البعث في رام الله، وفي سنة 1949 اصدر مجلة الجيل الجديد، وأصبح عضوا في مجلس النواب الأردني. اعتقلته السلطات الصهيونية بعد حرب 1967 وأبعدته إلى الخارج، انتخب عضوا في اللجنة التنفيذية 1969 ورئيس دائرة الإعلام والتوجيه القومي، وأصبح الناطق الرسمي باسم‏ المنظمة، وأصدر مجلة فلسطين الثورة، سكن في بناية في شارع فردان كان‏ يسكنها كمال عدوان ومحمد يوسف النجار تعرف على صحفية أمريكية كانت تسكن في الشقة المقابلة له وتوثقت العلاقة بينهما استشهد على يد مجموعة كوماندوس تابعة للموساد في10/4/1973 عندما اقتحمت شقته وأطلقت عليه النار، وقتل في نفس‏ الهجوم كمال عدوان ومحمد يوسف النجار، واختفت الصحفية بعد الاغتيال .

    2- محمد يوسف النجار ( 1930 ـ 1973 ) : قيادي فلسطيني بارز، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وعضو اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف ورئيس اللجنة السياسية لشؤون الفلسطينيين في لبنان، ولد في قرية يبنا قضاء الرملة، وأتم فيها دراسته الابتدائية، وأنهى الثانوية في الكلية الإبراهيمية في القدس، اضطرته النكبة 1948 إلى النزوح إلى رفح، انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين 1951، وترك الجماعة 1958، اعتقلته السلطات المصرية مرتين في القطاع لقيادته مظاهرات ضد التوطين تفرغ للعمل في حركة فتح 1967، شارك في كثير من المؤتمرات والندوات العربية والدولية، استشهد في10/4/1973حين داهمت فرق الاغتيال التابعة للموساد شقته، واستشهدت معه زوجته رسمية أبو الخير .

    3- كمال عدوان ( 1935 ـ 1973) : مناضل وقيادي فلسطيني، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ولد في قرية بربرة قطاع غزة، وأتم دراسته الثانوية هناك، اشترك أثناء عدوان 1956 في تكوين خلايا المقاومة، فاعتقل، عمل في إحدى شركات البترول بالدمام، عاد للدراسة وتخرج من جامعة القاهرة مهندساً للبترول 1963، وعمل في قطر… يعتبر من أوائل مؤسسي حركة فتح استطاع بجهده ودأبه أن يقيم جهازا إعلاميا متطورا أوكلت إليه الحركة مسؤولية قطاع الأرض المحتلة، والإشراف على النضال فيه. استشهد في 10/4/1973 مع رفيقيه حين هاجمت وحدات الاغتيال شقته وسلبت منها جميع ملفات الأرض المحتلة.

    4- خليل إبراهيم الوزير: ولد في 10/10/1935 في الرملة، وغادر مسقط رأسه بعد حرب 1948 وتوجه مع عائلته إلى غزة حيث تابع دراسته الثانوية، كرس نفسه باكراً للعمل المسلح ضد (إسرائيل) انطلاقاً من غزة، حيث انتخب أمينا عاما للطلاب فيها شارك في عمليات عسكرية ضد أهداف عسكرية وفي عام 1956 سجل في جامعة الاسكندرية عمل في السعودية لمدة‏ عام ثم انتقل إلى الكويت حتى 1963 تعرف على ياسر عرفات، وشارك معه في تأسيس حركة فتح. تولى مسؤولية مكتب حركة فتح في الجزائر 1963 وفي عام 1965 غادر الجزائر إلى دمشق حيث أقام مقر قيادته وفي‏ الفترة‏ بين 1976 ـ1982 كان في بيروت التي غادرها إلى تونس عام 1982 متزوج وله خمسة أولاد تمت مهاجمة منزله في حي سيدي أبو سعيد في تونس، وأطلق عليه ما يقرب من 75 رصاصة، وذلك بتاريخ 16/4/1988 .

    العبرة:
    بالنسبة للقادة الثلاثة:

    1- القادة الثلاثة كانوا يسكنون في بناية واحدة : في شارع فردان، حيث تخلو المنطقة من أية كثافة فلسطينية أو لبنانية شعبية، وكانت البناية هدفاً سهلاً للاصطياد.

    2- عدم وجود حراسات على البناية : وحتى المرافقون كانوا يغادرون البناية فور عودة القادة إلى شققهم« وكان حارس كبير في السن، يبقى‏ لوحده، ‏ولا تتوفر‏ أية حماية.

    3- عدم وجود حماية أمنية للقادة في منازلهم.
    4- الحركة المنتظمة للقادة الثلاثة في العودة الليلية إلى منازلهم.
    5- عدم وجود أي باب حديدي أو كهربائي يعيق حركة القتلة.
    6- عدم وجود مسح ديمغرافي، أي دراسات عن سكان البناية، وخلو المكان من المراقبة الأمنية.
    7- وجود صحفية أمريكية تسكن مقابل شقة كمال ناصر، وتتردد عليه، وقد اختفت بعد الاغتيال.

    8- عدم التزام القادة بالإجراءات الأمنية : رغم أنه تم تحذيرهم عدة مرات، من أن‏ بقاءهم على هذه الحالة يعني أن الكوماندوس الإسرائيلي سيداهمهم يوما ما .


    بالنسبة لأبي جهاد، خليل الوزير :

    1- لقد كانت لخليل الوزير خلافات تنظيمية وسياسية مع عرفات : وصلت أوجها حينما أوقف عنه ميزانيته ومخصصه، وفاتورة هاتفه، وأجرة بيته وحركة فتح لا تحكمها بنية تنظيمية، بل شخصية مرجعية، والخلاف مع الشخصية المرجعية يسبب‏ ارباكات‏ للعمل، فالشخصية المرجعية تؤمن بالامتثال لا الاختلاف، وتعتبر نفسها الوصي على الثورة‏ والثوار، ‏والعقل الأوحد، ومن هنا حزم‏ خليل الوزير حقائبه، وجمع أوراقه للرحيل إلى الجزائر أو بغداد بعيدا عن "الختيار" لذلك لم يعط جهده للتفكير بالمحافظة على الإجراءات الأمنية (التي يحترفها) أو اتخاذ مزيد من الحذر حتى مرافقوه لم يهتم ببقائهم قريبا منه. وكأن الموساد التي تترصده كانت تعرف ما يدور في نفسه، وتنتظر انكساره، حتى إذا ما حانت اللحظة الحاسمة دهموه بكل شراسة وأجهزوا عليه، ومزقوا جسده بالرصاص .
    2- الصحفية التي كانت تتردد على المنزل : وظهرت مع القتلة وهي تحمل كاميرا فيديو، ونادت على الحارس مصطفى لأنها تعرفه. أحد محاور الخلل التي تتسرب إلى شخصية القائد، وتظهر في مراحل مبكرة من عمره هي الصحافة، فالقائد يحب عدسات الكاميرات، لأنها تبرز ذاته، وتؤكدها، إنها الماكينة التي تصنع العظماء وتقتلهم، إنها تعمي البصيرة، وتضخم الذات، إنها إدمان من نوع جديد، إنها تغرس في القائد جنون العظمة، لذلك تفتح لها الأبواب المغلقة، ‏فلا شيء محرم عليها، إنها تدخل غرفة نومه، ومكتبه وقاعات ضيوفه وقاعات الأكل، وعدسات الكاميرا تسمع وترى، وتحس وتفعل (كما يقول محمد حسنين هيكل عن السادات: لقد قتلته عدسات المصورين وشاشات التلفزيون، بحيث لم ير إلا نفسه وانعزل عن شعبه وأصبح هو في واد والشعب في واد آخر) هذه الأشرطة والصور واللقاءات تطير فوراً إلى الموساد الذي يلتقطها ويحللها خبراؤه، ويستخدمونها‏ في‏ دراسة عملية تقوم‏ بها‏ وحداته الخاصة بالاغتيال. إن الصحفيين جواسيس فاحذروهم، ولقد قتلوا الكثير، فهل من معتبر؟ .

    3- الخلافات الداخلية في أُطر فصائل المقاومة تؤدي إلى الانفلاش والتسيب والمحورية : وكشف أسرار التنظيم ونقل تفاصيل أوضاعه الداخلية للشارع، وفي ظل هذه الصراعات يتفشى الاستهتار، وتضمر الدوافع ، وتختل الموازين ويعيش الجميع في دائرة مغلقة، تتسع وتكبر مع التفريغ السلبي في الحجرات المغلقة، وتزداد حدة الصراعات لتدخل أطراف خارجية فيها، وقد يسقط قتيل هنا أو اغتيال هناك.

    ولكن السؤال من القاتل؟
    من يمكن أن يؤكد أن عبد الوهاب الكيالي، أو عز الدين قلق، أو سعيد حمامي، أو سعد صايل قتلوا على يد الموساد، ولم يقتلوا نتيجة تصفيات داخلية، وهل هناك ثمة خفافيش في تونس تمارس لعبة الاغتيال أو تقدم معلومات وتوفر المناخ للاغتيالات؟

    إن الخلافات الداخلية يجب أن تتوقف لكي لا تترك مناخاً للخفافيش تمارس اللعبة السوداء نيابة عن الموساد أو بالاشتراك معه… إن أزمة الفصائل تكمن في إنها تفتقد إلى بنية تنظيمية حقيقية، وتحكمها العقلية الأبوية التي تدور كل تفاصيل الحركة حولها، ومن هنا سقطت مصطلحات حركة، وتنظيم، واستبدلت عبر وعي الشارع بمصطلح جماعة فلان وجماعة‏ علان. إن‏ أغلب الفصائل بحاجة إلى مراجعة نقدية لفكرها التنظيمي الذي غاب، وبحاجة إلى تجديد التركيبة بحيث يكون لها بنية تنظيمية حية وفاعلة تدفعها الحوافز وليس العمل‏ الوظيفي، وبحاجة‏ إلى أجهزة مؤسسات تنظيمية لا استعراضية أو بوليسية.

    إننا بحاجة إلى الشخصية المرجعية كشخصية جامعة تتحمل مسؤولية تقديم الفكر، وتجديد المفاهيم ووضع الاستراتيجيات، والإشراف العام بعيدا عن الاستغراق في تفاصيل العمل اليومي، إن التجديد التنظيمي عبر فكر مستنير ومؤسسات حقيقية للأطر الفلسطينية بعد غياب طويل، سيحل خلافاتها وصراعاتها الداخلية، ويخفف‏ من‏ أثر الاغتيالات.

    4- إن كل عملية خاصة تحتاج إلى جمع معلومات دقيقة مسبقة : وإلى تفصيلات، والتقاط صور من جميع الزوايا والأركان للمكان المراد مهاجمته، كما يجب أن يأخذ بالاعتبار جميع الطرق المؤدية إلى الهدف، والأخطار المحيطة بها، وكذلك طرق الانسحاب، إضافة إلى معلومات مفصلة عن الشخص المراد اغتياله والقوى التي تهب لنجدته، فإذا كانت الصحفية قدمت المعلومات عن وضعية البيت من الداخل، فمتى تسنى لفريق الاغتيال معرفة جميع الطرق المؤدية إلى الهدف، والأخطار المحيطة به وطرق الانسحاب؟ وكيف استطاعوا أن يعرفوا أن القائد الفلسطيني المستهدف‏ سيكون موجوداً في هذه الساعة قرب منتصف الليل، وكيف عرفوا بنية الشهيد مغادرة العاصمة التونسية، إن كثيراً من هذه المعلومات ستميط اللثام عن وجوه الجواسيس أو العملاء، والذين يعتقد بعض المهتمين بأنهم ما زالوا هناك قريبا من مصادر المعلومات.

    5- بخصوص جهاز الغربي : لا يوجد هناك جهاز حقيقي يسمى جهاز الغربي، هناك مجموعة من المفردات تتحرك حول شخص واحد، وهو أبو جهاد الذي يعتبر العمود الأساسي والوحيد، ومن هنا كان اغتياله ضربة لعقل الجهاز ومركز استقطابه؛ أي أن (أبو جهاد) كان بنفسه جهاز الأرض المحتلة، وبمقتله انتهى الجهاز، وأصبح تحت مسؤولية عرفات، وتم توزيع مفرداته على الأجهزة الأخرى (أما العمل العسكري الذي استمر في الداخل فهو بجهد ذاتي للصقور، وهي فعاليات انتفاضة) إننا بحاجة إلى عمل مرتبط بعمل مؤسسي لا بأفراد، فالأفراد يزولون، والمؤسسات تبقى.

    سادسا ؛ التفجير غير المباشر
    وهو أسلوب يعتمد على تفخيخ سيارة ووضعها في مكان ما قريب من الهدف المراد تفجيره، سواء كان بناية مكتب أو سيارة مسؤول.

    علي حسن سلامة (1940 ـ 1979) :
    مناضل فلسطيني وابن القائد الشهيد حسن سلامه، ولد في قرية "قولة" من قضاء رام الله، وأتم دراسته في القاهرة 1963 انضم إلى حركة فتح في 1967 عين مديراً لدائرة التنظيم الشعبي في مكتب م.ت.ف في الكويت التحق بمعهد الدراسات الاستراتيجية في القاهرة 1968، وعمل نائبا لمفوض الرصد المركزي لحركة فتح، وأصبح عضواً في المجلس الثوري 1970 استقر في بيروت، وأسندت إليه قيادة العمليات الخاصة ضد العدو الصهيوني في شتى أنحاء العالم.
    درس في القاهرة ثم ألمانيا وهو يطمح أن يصبح مهندسا تزوج من فتاة تمت بالصلة إلى المفتي أمين الحسيني ، تلقى دوراته الأمنية على يد المخابرات المصرية، وكان أحد العناصر الأساسية التي شكلت منظمة أيلول الأسود، يعتبر المخطط الأساسي لقتل الرياضيين الإسرائيليين في عملية ميونخ، وأمرت جولد مائير بقتله، وقالت: اعثروا على هذا الوحش، أعثروا عليه واقتلوه في 10/9/1972 ، قامت عناصر علي حسن سلامة بقتل رجل الموساد "زوداك اوفير" ببروكسل، وشن حرب الطرود الناسفة من امستردام إلى كثير من الإسرائيليين، وقتل بهذه الطرود ضابط الموساد في لندن "أمير شيشوري" وأصبح علي سلامة يعتبر واحداً من أعنف وأمهر مدبري الاغتيالات وقد أطلقت عليه الموساد لقب الأمير الأحمر، ‏بسبب‏ حياة‏ البذخ‏ والترف‏ والتأنق‏ التي‏ اشتهر‏ بها‏ علي‏ حسن‏ سلامة‏ الذي‏ كان‏ وسيم‏ الشكل‏ ومحط‏ إعجاب الفتيات، فعرف‏ بعلاقاته‏ الغرامية‏ الواسعة، وكان يشرب كثيرا‏ في‏ بعض‏ الأحيان، وكان يشاهد في القاهرة حتى الصباح الباكر في الملاهي الليلية وبدأت عملية البحث والمطاردة وراءه ، ولكن علي سلامة كان‏ يغير الشقق كما يغير ملابسه، ولذا لم يستطع أحد أن يتعقبه، ولم‏ يتمكن أحد‏ من‏ العلم بخططه.

    وقد كلفه عرفات أن يكون عنصر تنسيق مع المخابرات المركزية الأمريكية في بيروت وبينما كان علي حسن سلامة ومحمد الناطور أبو الطيب يقودان القوة 17، كان لعلي سلامة مطلق الحرية في القيام بعمليات الاستخبارات، ومناقشة العلاقات المتأزمة مع المسيحيين اللبنانيين، وكذلك مع بشير الجميل صديقه الشخصي تزوج من جورجينا رزق ، 23 عام ، ملكة جمال العالم، والتي‏ تنحدر من مؤسسة المال المسيحية في العاصمة اللبنانية لأب لبناني وأم مجرية.

    في يناير 1978 التقى مندوب للموساد مع مندوب لوكالة المخابرات الأمريكية، وقال المندوب الأمريكي عن علي حسن سلامة " إنه رجلنا اتركوه وشأنه ليرتاح، وكان الرد الإسرائيلي: إنكم تعلمون ما فعله معنا، وأنتم تعرفون قواعد لعبتنا، ليس هناك من سبيل لتغيير مصيره إن الرب يغفر أما إسرائيل فلا ".

    أما علي حسن سلامة فقد أستقر بعد هذه المطاردة الطويلة في بناية على مقربة من شارع مدام كوري في‏ بيروت، ‏حيث كان يقيم هو وزوجته جورجينا رزق تحت حراسة مشددة من القوة 17، ولأول مرة يصبح للأمير الأحمر بعد عشر سنوات من المطاردة عنوان ثابت. وأصبح الثبات والاستقرار عنواناً لشخصيته، وقد أثار ذلك حفيظة والدته التي كانت تحس بقلبها أن ابنها في خطر، وقالت له: "انك مطلوب، يجب أن تغير سيارتك وتبدل عنوانك، وطرق تحركاتك، ولكنه كان يداعبها بأن عمر الشقي بقي، ووصله تحذير من بشير الجميل‏ الذي‏ نصحه‏ بأن‏ يغير منزله، لوجود معلومات عن خطة لاغتياله ولكن‏ التعب‏ كان‏ قد‏ نال‏ منه، وصار‏ ميالاً‏ إلى الخمول‏ والدعة، ولم‏ يأخذ‏ بنصيحة‏ أحد وقد وصلته قصاصة ورق عن طريق المكتب الثاني اللبناني، فيها‏ تحذير‏ واضح، ‏ولكنه وضع القصاصة في جيبه، وعثر عليها في سترته بعد استشهاده.

    قامت عميلة الموساد سلفيا روفائيل أيريكا بتسجيل البرنامج اليومي الثابت لحركة أبو علي حسن سلامة من الطابق التاسع في بناية من شارع فردان، وكان موكبه مؤلفاً‏ من‏ سيارة شفروليه، وسيارتي رانج روفر تمر في أوقات منتظمة من منزله إلى مكتبه، فوضعت الموساد سيارة فولكس فاجن بجانب الطريق بعد أن شحنت بعبوة تفجر لاسلكياً، وقدرت العبوة بـ 50 كيلو T.n.t ، وفي تمام الساعة الثالثة مساء يوم22/1/1978 كان الموكب يمر في طريقه المعهود، وما إن وصل الموكب مقابل سيارة الفولكس فاجن، كانت سلفيا روفائيل تضغط على زر التحكم من بعد، فدوى انفجار مروع، قتل على أثره علي حسن سلامة .

    العبرة:

    1- لقد مضى علي مصرع‏ علي‏ حسن سلامة أكثر من عشر سنين في العمل السري : ومطاردة الأعداء والتخطيط لتنفيذ عمليات عسكرية ضد أهداف إسرائيلية وذلك راجع إلى الروح الثورية، والرغبة‏ العارمة‏ في‏ الثأر لوالده ولشعبه التي سكنته طوال السنين، ولم تكن مطاردته سلبية، أي هروب واختفاء، بل مطاردة إيجابية يلاحق أعداءه ويتربص بهم المنون.
    2- لقد أمضت الموساد عشر سنين : وهي تطارد علي حسن سلامة بأوامر تلك العجوز الشمطاء‏ غولدا‏ مائير، وتوسعت‏ ساحة المطاردة من بيروت إلى ليلهامر‏ في‏ النرويج إلى العواصم الأوروبية، ولكنها عجزت عن الوصول إليه وقتلت المواطن المغربي أحمد بوشيكي لاعتقادها أنه علي حسن سلامة، وسقطت في أكبر فضحية بعد الاغتيال، وتم‏ اعتقال الفريق الإسرائيلي الذي نفذ العملية ، ‏في‏ أول‏ سابقة‏ من‏ نوعها‏ في‏ تاريخ‏ فرق‏ الاغتيالات‏ الصهيونية، وكانت‏ فضيحة سمتها الصحف العبرية‏ بعملية "الليل المر" لفشل فريق الاغتيال.

    هذا العجز في اغتيال علي حسن سلامة راجع إلى حقيقة هامة، وهي أن الثوري الملتزم بأقصى إجراءات الأمن والحذر، وبنمط الحياة الثورية والسرية، والابتعاد عن النمط المكتبي الاستعراضي، يحول‏ بين العدو وبين الوصول إليه والنيل منه .

    إن التغيير الذي حدث في نمط حياة علي حسن سلامة في أواخر أيامه راجع إلى مسألتين :

    ارتباطه‏ بجورجينا رزق.‏مما‏ أدى‏ به‏ إلى‏ حالة‏ من‏ الاستقرار لم‏ يكن‏ عليها‏ من‏ قبل.

    في عام 1978 انفتح الحوار الأمريكي الفلسطيني من خلال صلاح خلف رجل الأمن الأول، ورجل فتح الثاني وعلى أرضية هذا الحوار واللقاءات تم تكليف علي حسن سلامة بأن يكون ضابط ارتباط مع الأمريكان، والتزمت م.ت.ف بنبذ العنف، ومحاربة الإرهاب ضد المدنيين والطائرات، ومن جانبها سعت الشخصيات الأمريكية إلى دعم وتشجيع هذه الاتجاهات وهذه الشخصيات التي اعتبرت أحد ركائزها في المحافظة على مصالحها في المنطقة، وضرب‏ ما‏ يسمى بالعمليات الإرهابية عبر التنسيق الأمني.

    لقد كان علي حسن سلامة يعتقد أن علاقته مع الأمريكان ستحميه، وأن الموساد لن يستطيع فعل شيء بدون موافقتهم، وأنه في ظل الحماية الأمريكية لن يخشى على نفسه من الاغتيال، وكانت النتيجة أن الأمريكان، إن‏ لم يخدعوه، فقد خذلوه .

    3- إن‏ طبيعة‏ حياة‏ الفدائي‏ تختلف‏ عن‏ طبيعة‏ حياة‏ السياسي :‏ فالأول‏ يلتزم‏ السرية‏ والحذر‏ والحركة‏ الدائمة‏ والابتعاد‏ عن‏ الشهرة‏ وكاميرات‏ الصحفيين، ‏بينما‏ يظل‏ الثاني‏ تحت‏ الأضواء‏ المسلطة‏ ويرتهن‏ لحياة‏ العلنية‏ والشهرة، وتسهل‏ على‏ الجميع‏ مراقبة‏ تحركاته‏ ودراسة‏ شخصيته‏ وتحديد‏ مكامن‏ الضعف‏ في‏ أسلوب حياته‏ وإيجاد‏ منفذ، بالتالي، للنيل‏ منه وعندما‏ كان‏ علي‏ حسن‏ سلامة‏ ملتزماً‏ بسلوك‏ الفدائي‏ صعب‏ على‏ فريق‏ الاغتيالات‏ الوصول‏ إليه، ولكنه‏ سقط‏ بعد‏ أن‏ أصبح‏ أقرب‏ إلى ممارسة‏ السياسة‏ وعلاقاتها‏ منه‏ إلى ممارسة‏ الأمن‏ والسلوك‏ الفدائي فرجل‏ الأمن‏ والفدائي‏ لا‏ يمكنه‏ أن‏ يتحول‏ إلى سياسي‏ حتى‏ وإن‏ أراد‏ ذلك‏ وحاول‏ تجاوز‏ ماضيه، ‏فالأعداء‏ لا‏ يغفرون، ولا‏ يأخذون‏ هذا‏ التغيير‏ في‏ عين‏ الاعتبار .

    سابعا ؛ تفخيخ الغرف
    يعتمد أسلوب تفخيم الغرف على وضع عبوة لشخص في غرفة نومه، إما تحت السرير أو قريباً من جهاز الهاتف أو قريباً من الباب، ويتم تفجيرها بالضغط، أو بالتحكم عن بعد، أو بالضغط على زر الإنارة، ويكثر هذا الأسلوب في الفنادق .

    1- الدكتور محمود الهمشري (1938 ـ 1972) :
    مناضل فلسطيني، ولد في قرية أم خالد بقضاء طولكرم وفيها أتم دراسته الابتدائية والثانوية انتقل إلى الكويت والجزائر حيث عمل في سلك التعليم التحق بحركة فتح في‏ لحظات‏ تأسيسها‏ الأولى بعد 1967 أوكلت إليه مهمة‏ العودة للأرض المحتلة‏ ليعمل‏ في‏ تأسيس‏ الخلايا‏ الفدائية في 1968 عين معتمداً لحركة فتح وممثلاً لـ‏ م.ت.ف في باريس، حيث‏ أقام علاقات إيجابية مع‏ الكثير من المنظمات السياسية الفرنسية، وقام بنشاط كبير بين صفوف الطلبة الفلسطينيين‏ هناك.

    حين عجزت الموساد عن توجيه ضربات حقيقية وجوهرية لمخططي ومنفذي العمليات الخارجية ضد أهداف صهيونية، قررت أن تضرب أهدافا سهلة، ضد سياسيين، أو ممثلين أو شخصيات بارزة في المجال الإعلامي كرد اعتبار للكيان الصهيوني، ورفع الروح المعنوية لليهود والصهاينة، وكان أحد هذه الشخصيات الدكتور محمود الهمشري.

    اتصل به شخص تحت غطاء أنه‏"صحفي إيطالي" وطلب اللقاء معه، وتم تحديد موعد ومكان اللقاء. و"كان اللقاء في مقر سكن الهمشري" وفي أثناء غيابه عن المنزل دخلت وحدة من الموساد وغرست عبوة ناسفة‏ في مكان خفي تحت الهاتف. وعندما تواجد الهمشري في المنزل، رن جرس الهاتف وسأله شخص من الجانب الأخر الدكتور الهمشري أجاب "نعم" ، وفي لحظة تم تفجير العبوة عن بعد وقتل الدكتور الهمشري في 8/12/1972 .




    2- أبو الخير‏ وحسين‏ الشبر:
    وبعد أقل من شهرين من‏ اغتيال‏ الهمشري، كان حسين علي أبو الخير ممثل م.ت.ف في قبرص يدخل غرفته في فندق اوليمبك بنقوسيا حيث انفجرت به عبوة تنفجر عن بعد واستشهد في25/1/1973، وبنفس الطريقة قتل حسين عباد الشبر أحد رجالات الارتباط بين م.ت.ف والاستخبارات الروسية في قبرص.

    3- ماجد أبو شرار:
    كاتب ومناضل فلسطيني، وعضو في اللجنة المركزية لحركة فتح، ومسؤول الإعلام الموحد في م.ت.ف وعضو القيادة العليا للعمليات في الأرض المحتلة ولد في بلدة دورا قضاء الخليل عام 1936 وفيها تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط، ثم انتقل إلى القاهرة حيث أنهى دراسته، وعمل في حقل التدريس في الأردن والسعودية التحق بحركة فتح في 1966 وأصبح مسؤول تنظيمها في السعودية، بعد 1967 انتقل إلى الأردن وتفرغ للعمل النضالي والتنظيمي في حركة فتح، وانتخب عضوا في مجلسها الثوري، في المؤتمر الثالث لحركة فتح الذي انعقد سنة 1971 اختير أمينا لسر المجلس الثوري للحركة وظل في مركزه هذا حتى سنة 1980 حين اختير في المؤتمر الرابع للحركة عضوا في لجنتها المركزية في عام 1972 أصبح عضوا في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين قام بدور كبير في تطوير وسائل الإعلام الفلسطينية وقد عرف بكتاباته الرصينة، وقدراته التنظيمية العالية له كثير من المقالات والدراسات ومجموعة قصصية.

    ذهب إلى روما ليشارك في مؤتمر عالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني ، وحجز له مكتب م.ت.ف في فندق فلورا الذي يعتبر صاحبه موالياً لإسرائيل، وكان‏ الفندق‏ يقع‏ في‏ مكان‏ غير‏ مناسب‏ أمنياً، في‏ منطقة‏ تعج‏ بالعصابات‏ والحياة‏ السفلى وضعت له عبوة تحت سريره في غرفته‏ التي تحولت إلى حطام كامل، وتناثر جسده في سماء الغرفة.

    العبرة:

    1- كثير‏ من الصحفيين ومراسلي شبكات التلفزيون ووكالات الأنباء يعملون جواسيس : تحت ساتر الصحافة، وبعضهم‏ يحمل‏ الجنسية المزدوجة، لذلك يجب منع دخولهم أي غرفة خاصة أو منزل قيادي أو مكتب هام، ويجب أخذهم إلى أمكنة غير هامة ومتغيرة، حتى لا يستفيدوا من معرفة العناوين الخاصة. فكثيراً‏ ما‏ يقوم‏ فريق تلفزيوني‏ بتصوير الشوارع المؤدية إلى مكان‏ اللقاء‏ الصحفي ومدخله والتفاصيل‏ الصغيرة‏ التي‏ يمكنهم‏ تصويرها، ولا يمكن أن يكون هذا العمل له علاقة بمهمة صحافة، بقدر ما هي مهمة جاسوسية، وتستخدم‏ الصور‏ في تدريب الوحدات الخاصة للموساد على طريقة اقتحام‏ المكان‏ المحدد عندما يقررون التنفيذ، وهذه إشارة إنذار بضرورة تغيير ‏أي‏ مكتب يلاحظ‏ أن‏ الصحفيين‏ قد‏ صوروه‏ وأخذوا‏ تفاصيله، وإعادة ترتيب العمل في ظروف أكثر سرية قبل فوات الأوان. وما حدث مع كمال ناصر والهمشري وأبو جهاد الوزير درس لمن أراد أن يعتبر، ويضيع الفرصة على المواد .


    2- العمل العلني : سواء منه السياسي أم العسكري في أوروبا وفي أي دولة أجنبية‏ هو مقتل مجاني للسياسيين والعسكريين، لذلك يجب أن ترتب أوضاع الجميع، السكن، العمل، التنقل، في إطار سري قبل فوات الأوان.

    3- الدكتور الهمشري، وحسين أبو الخير وحسين عباد الشبر، وماجد أبو شرار لم يلتزم أحد منهم بأي من الإجراءات الأمنية المطلوبة : ولم يتخذ أي شخص أو جهة أمنية فلسطينية أي إجراءات أمنية لحمايتهم، ومن هنا سقطوا بفعل أخطاء ارتكبت فاستغلها الموساد لتحقيق أهدافه.

    4- معظم الفنادق في أوروبا تحت مراقبة الشرطة والأجهزة الأمنية : وخاصة الفنادق التي يرتادها أشخاص مطلوبون‏ للموساد‏ أو‏ أجهزة‏ الدول‏ الغربية، وتسعى الموساد إلى تجنيد عدد كبير من موظفي وعمال هذه الفنادق لكي يزودوهم بمعلومات عن كل مطلوب ينزل في هذه الفنادق، ويتم‏ تقديم الخدمات للموساد لمراقبة ومتابعة واقتحام غرفهم وغرس العبوات بداخلها، ومن هنا يجب إختيار‏ أماكن‏ الإقامة بدقة، ‏والحذر‏ من هذه الفنادق لأنها تحت عين الشرطة والأمن والموساد .

    5- ‏في‏ حالة‏ الاضطرار للسفر : إلى الدول الأوروبية والنزول في فنادقها يفضل ألا يحمل الشخص جواز سفر أو‏ وثيقة تدل على "شخصيته‏ الحقيقية"، وعدم البقاء لفترة‏ طويلة‏ نسبياً في نفس‏ الفندق.

    6- يجب على كل أخ : ينزل اضطراريا في أحد هذه الفنادق ، أن يتخذ إجراءات أمنية سرية، وغير مرئية في داخل غرفته قبل مغادرتها، للتأكد من عدم دخول غرباء في‏ فترة غيابه، والعبث في حاجياته، أو زرع جسم فيها، وتتم هذه الإجراءات فور انتهاء عامل النظافة من ترتيب وتنظيف الغرفة.

    7- اكتشاف هل هناك مراقبة علنية عند مغادرته الفندق، وهل هناك متابعة له.

    ثامنا ؛ السم

    وديع حداد ( 1927 ـ 1978 ) :
    ولد في صفد في 1927 وتلقى تعليمه فيها، التحق بالجامعة الأمريكية في‏ بيروت، وتخرج طبيبا 1952 كانت تراوده فكرة إنشاء حركة مسلحة من خلال إيمانه بان الكفاح المسلح هو الأسلوب الوحيد لتحرير فلسطين، وركز اهتمامه على ضرب العدو عسكرياً وإنزال الخسائر في صفوفه أصبح‏ واحداً من قادة حركة القوميين العرب، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اعتقل في عام 1957 بسبب نشاطه السياسي وأودع معتقل الجفر الصحراوي‏ في‏ الأردن، حيث قضى ثلاث سنين، تمكن بعدها من الهرب شارك في العمل السياسي والجماهيري اعتبرته الموساد العقل المدبر للعديد من العمليات العسكرية، وخطف الطائرات تعرض للعديد من محاولات الاغتيال، وبفضل حسه الأمني والتزامه الدائم بإجراءات الأمن فشلت هذه المحاولات، وواصلت الموساد، التي وضعت اسمه في قائمة الاغتيال، مطاردته، ولكنها لم تفلح في‏ اغتياله وضعت له في بغداد، بصورة‏ غامضة، مادة من السم الحديث الذي يتفاعل ببطء ويعطي نتائجه على الأمد البعيد، وتسربت هذه المادة في الدم مشكلة نوعاً خطيراً من سرطان الدم، حيث بدأ جسده بالضمور المستمر، ولم ينفع معه العلاج استشهد على إثر السم في 28/3/1973 .

    ويذكر في هذا السياق أن‏ أحد‏ اثنين‏ ظلا‏ على‏ قيد‏ الحياة من المجموعة التي نفذت عملية قتل الرياضيين الإسرائيليين في ميونخ، قد استقر في الإمارات العربية المتحدة، وفي أحد الأيام تم العثور عليه مقتولا في شقته بفعل التسمم .

    العبرة:

    1- الحذر من التردد المستمر على المقاهي والبارات.
    2- عدم الاعتماد على أشخاص أجانب : "خدم" في إعداد المأكولات والمشروبات في المنزل.‏والاعتماد في تجهيز الأكل على أهل البيت، أو أن يقوم الأخ بإعداد ذلك بنفسه.

    3- عدم السماح للضيوف الفضوليين بدخول المطبخ : والحرص على شرب الماء بشكل دائم من الصنبور.

    4- التأكد دوماً من سلامة وأمن البيت فترة الغياب : بوضع إشارات محددة تكشف بشكل غير مباشر أي أشخاص يمكن أن يتسللوا إلى المنزل فترة الغياب.

    5- التدقيق الدائم : في الأشخاص الذين يترددون إلى المنزل تحت غطاء ما.

    تاسعا ؛ الاختراق
    خالد نزال مناضل فلسطيني، وأحد قيادات الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، ومسؤول عمل الجبهة‏ المسلح في الأرض المحتلة، كان يدير ويتابع العمل العسكري، والتخطيط للعمليات من خلال مراكز تابعة‏ للجبهة في روما.

    تقربت فتاة أمريكية تدعى "ألن بكلي" من إحدى عضوات الجبهة الديمقراطية في الجامعة، وأبدت تعاطفها مع الثورة الفلسطينية، وعرضت خدماتها واستعدادها للقيام بأي مهمات تكلف بها من أجل نصرة القضية الفلسطينية، وقامت عضوة‏ الجبهة بترتيب لقاء لها مع خالد نزال، وبعد أن تعرف عليها، وثق بها بشكل كامل،
    كان بعض العاملين في داخل الأرض المحتلة، قد خرجوا للقاء خالد نزال في‏ روما، ونزلوا في أحد الفنادق‏ بانتظار‏ اللقاء، ‏وكان خالد نزال قد‏ ابلغ الأمريكية "ألن بكلي" بموعد اللقاء ومكانه وطلب منها الحضور والمشاركة فيه، ولكنها وقد عرفت موعد‏ اللقاء‏ ومكانه في‏ فندق الشيراتون، لم تحضر، وعندما أنهى خالد نزال اللقاء، كان مسلحان على دراجة‏ نارية ينتظرانه على بوابة الفندق، وعندما اقترب منهما أطلقا النار عليه من مسافة قريبة وفرا بعد أن تأكد لهما أنه لفظ أنفاسه الأخيرة.
    العبرة:

    1- في العمل السري يجب أن يلتزم المناضل بقاعدة المعرفة على قدر الحاجة " ولا داعي لأن يعرف أعضاء التنظيم أو الجهاز كل شيء عن أسرار التنظيم.

    2- كل إجراءات متابعة العمل المسلح : في داخل الأرض المحتلة، مثل لقاء، مكالمة، رسول، اتصال، هي أمور في غاية السرية ولا يجوز الحديث أو التحدث بها مع أحد أو أمام أحد.

    3- جميع الأعضاء المنتسبين لأي فصيل يجب أن يدقق في ماضيهم : وعلاقاتهم، وارتباطاتهم، وأن يتم قبولهم بعد فترة من الاختبارات الأمنية العملية وأن يتم صعودهم التدريجي في السلم التنظيمي.
    4- انخراط أي عنصر جديد للعمل في جهاز الأرض المحتلة يجب أن لا يمر عبر القائد مباشرة، بل عبر لجان مختصة، ولا يسمح بدخول كل شخص جديد على القائد.

    5- لم يلتزم خالد نزال بالإجراءات الأمنية الضرورية في متابعة عمله .

    6- اللقاءات السرية، من‏ حيث‏ المكان، الأشخاص، الموعد‏ والساعة، يجب أن تتم بشكل سري كامل.

    عاشرا ؛ القصف بالطائرات

    السيد عباس الموسوي :
    الحديث عن السيد عباس، هو الحديث عن متغيرات جذرية، وأحداث عظام، شكلت، وتشكل تاريخ المنطقة ورسم معالم خارطته من جديد، أحدث انتصار الثورة الإسلامية في إيران تحولاً نوعياً في مسار النشاط الإسلامي في فلسطين ولبنان، فاستقبلت الثورة شعبياً بلهفة كبيرة، حيث اعتبرها المسلمون قوة روحية هائلة ستقف إلى جانب قضاياهم في مواجهة أعدائهم. وكان الشعار الأول الذي رفعه المتظاهرون الإيرانيون بعد إسقاط نظام الشاه اليوم إيران وغدا فلسطين، ووجد هذا الشعار طريقه السريع إلى دعاة المواجهة مع إسرائيل والغرب، وتلقفته دائرة الحركة‏ الإسلامية لتجد فيه قوة دفع وإسناد لمشروعها وطرحها، كما حدث للفلسطينيين واللبنانيين الذين كانوا يئنون من وطأة الهجمات الإسرائيلية المتكررة، ومن تجاهل العالم لقضيتهم .

    لقد تركت الثورة الإسلامية في إيران تأثيراتها على الفلسطينيين واللبنانيين. وجاءت متغيرات الاجتياح الدامي في حزيران1982، والحصار المر لبيروت، والخروج الحزين للفلسطينيين في‏21/8/1984، والمجازر البشعة في صبرا وشاتيلا، لتقدم خيار المجابهة والجهاد، وكان السيد عباس هو من‏ أوائل من التقطوا هذه المفردات، وظهرت‏ شعارات تحمل اسم حزب الله، حتى قرر‏ مجلس شورى الحزب‏ في أيار 1984 اعتماد تسمية ثابتة، وشعار مركزي يتصدر كل البيانات هو حزب الله - الثورة الإسلامية في لبنان، ولقد اتبع حزب الله في مواجهة الجيش الصهيوني وحلفائه الغربيين، وعملائه في المنطقة عدة أساليب منها العمليات الاستشهادية، والمواجهة الشعبية، والعمل العسكري المنظم، والحرب الأمنية.

    وكانت أول عملية استشهادية نفذها حزب الله في مقر الحاكمية العسكرية الصهيونية في صور، حيث تقدم الشهيد "أحمد قصير "من بلدة دير قانون النهر" بسيارته وفجرها في داخل المقر الذي دمر عن بكرة أبيه وقتل جميع من فيه، وأغلبهم ضباط مخابرات، وفتح الطريق للمارد الإسلامي لكي يأخذ دوره ، وسقط مقر المارينز الأمريكي في المطار ومقر المظليين الفرنسيين في "الرملة البيضاء"، والسفارة الأمريكية في "عين المريسة"، وكانت الحصيلة مئات القتلى والجرحى، لقد ولد حزب الله، ، ووقف على قدميه، وأشتد عوده، وكان السيد عباس مرشد الطريق.

    ولد السيد عباس الموسوي في قرية النبي شيت ، ويعتبر السيد عباس شخصية متميزة في حزب الله، فقد كان واحداً من قلة قليلة بلورت هذا التيار بعدما شغل عضوية لجنة التسعة التي مهدت الطريق لإنشاء حزب الله تولى السيد عباس مسؤولية منطقة الجنوب، ومنظم عمل المقاومة، وقاد عملياتها الكبيرة، وأشرف بنفسه على تجهيز المجموعات القتالية التي كانت تنفذ عمليات الهجوم على المواقع الإسرائيلية، ومن الجنوب انتقل إلى بيروت، والبقاع ليشرف على المؤسسات العلمائية، وظل عضواً في مجلس‏ الشورى حتى انتخابه أمينا عاما لحزب الله 1991 .

    في الذكرى الثامنة لاستشهاد الشيخ راغب حرب، والتي يحيي فيها حزب الله أسبوع المقاومة الإسلامية توجه السيد عباس الموسوي ليحيي هذه الذكرى، في قرية جبشيت على الخطوط الأمامية للجنوب، ولازمت أربع طائرات استطلاع إسرائيلية أجواء المنطقة، ولاسيما في أجواء بلدة جبشيت، ‏وفي الساعة الرابعة بعد الظهر انتهى الاحتفال، وغادر السيد عباس القرية في موكب مؤلف من سيارة مرسيدس 280 وسيارتي رانج روفر، ولدى وصول الموكب إلى المدخل الشرقي لبلدة تفاحتا "جبل عامل" ظهرت في الأجواء مروحيتان عسكريتان انقضتا على الموكب وأطلقتا عدداً من الصواريخ الموجهة، فأصيبت سيارة المرسيدس وسيارة رانج روفر، واستشهد السيد عباس وزوجته سهام - وطفله حسين ‏- ، في الأرض المباركة التي أحبها وأحبته في جبل عامل المقاوم الذي وشحه بروحه الجهادية المعطاءة، وحيث أراد أن يلاقي وجه ربه شاهدا على ظلم الصهاينة الغزاة، وشاهرا سيف الحق، وكلمته بوجه الاحتلال اللئيم، وبين أحضان المقاومة الإسلامية التي ما فتئ يوصي بأبنائها خيرا ويحميهم بعباءته وعمامة جده رسول الله "ص". وتحول السيد إلى رمز قيادي للمقاومة، قدم في شهادته كما في حياته لهذا الحزب، جمهوراً عريضاً نقله إلى مرحلة جديدة وضعته في طليعة القوى الإسلامية المجاهدة ضد إسرائيل.

    العبرة:

    1- لقد كان السيد عباس روحا تهفو إلى الشهادة، ولم يعط قيمة للإجراءات الأمنية، والشهادة كانت لديه أهم من الإجراءات، وأحد حقائق التاريخ تقول أن المنخرطين في العمل السياسي والعسكري يخوضون حرباً مفتوحة مع الأعداء ويجب أن يتقيدوا بالإجراءات الأمنية والتوكل على الله.

    2- كان‏ موعد الاحتفال ومكانه معروفا للجميع، ولكن حركة السيد عباس في الدخول إلى جبشيت والخروج منها كان يجب أن تتم في سرية مطلقة.

    3- الاختراق لم يكن في بنية حزب الله، بل في شخص ما كان يتواجد في الاحتفال أو قريباً منه وكان يرسل إشارة الصفر لحظة مغادرة السيد للقرية.

    4- القرية طوال النهار كانت تحت المراقبة الجوية لطائرات الاستطلاع، ولذا كان لا‏ بد من أخذ هذه المسألة في الحسبان.
    5- السيد عباس لم يكن زعيماً له حزب، بل كان رمزاً من رموز الحزب، استشهاده لم يؤثر على بقاء ومصير الحزب، فالحزب حالة جماهيرية، وبنية تنظيمية، ومؤسسة عسكرية وأمنية واقتصادية، وقيادة جماعية شورية، وليس حالة فوقية تتمحور علاقة جميع المفردات بها حول شخص ، واستشهاد السيد أعطى دماً جديداً للحزب جعلته ببنيته، ومؤسساته، وقيادته، وجماهيره أخطر وأهم رقم يفر ضباط وجنود الجيش الصهيوني من أمامه.
    *
    الحادي عشر ؛ التفخيخ‏ غير‏ المباشر‏ لتدمير‏ مباني‏ وقتل‏ أشخاص بداخلها

    فؤاد‏ مغنية:
    إسلامي لبناني عمل‏ في‏ اللجنة‏ الأمنية لحزب‏ الله متفرغ‏ في‏ إدارة‏ مشروع‏ سوبر‏ ماركت‏ في‏ حي‏ صفير‏ بالضاحية، وهو‏ أخو‏ عماد‏ مغنية‏ الذي تعتبره‏ الأجهزة الأمنية الصهيونية‏ العقل‏ المدبر‏ لعمليات‏ السيارات‏ المفخمة، وخطف‏ طائرات‏ في‏ أوروبا.

    اعتمدت‏ استراتيجية‏ الجيش‏ الصهيوني‏ منذ‏ إنشائه على‏ ثلاثة‏ مبادئ‏ أساسية :

    الحرب‏ الخاطفة .
    العمل‏ الهجومي .
    ‏نقل‏ المعركة‏ إلى أرض‏ العدو .

    ولقد‏ طبق‏‏ جنرالات‏ الجيش‏‏ الصهيوني‏ هذه‏ المبادئ‏‏ في‏ جميع‏‏ حروبهم‏ التي‏ شنوها‏ على‏‏ الجيوش‏‏ العربية‏ وفي‏‏ أغلب‏ المعارك‏‏ التي‏‏ خاضوها‏ معهم ولقد‏‏ حققت‏‏ لهم‏ هذه‏‏ السياسة‏‏ الهجومية‏‏ نجاحات‏‏ وانتصارات‏ كبيرة‏‏ كما‏ حدث‏‏ في‏‏ حرب‏‏1967 وفي‏‏ الشطر‏‏ الأخير من‏‏ حرب‏ اكتوبر‏1973.

    هذه‏ السياسة‏ لم‏ يفلح‏ الصهاينة‏ في‏ تطبيقها‏ في‏ لبنان ضد‏ رجال‏ حرب‏ العصابات‏ التي‏ يقودها‏ بكل‏ قوة‏ وتفوق‏ وشجاعة‏ حزب‏ الله، وأصبحت سياستهم‏ العسكرية‏ تقوم‏ على‏ الهروب‏ من‏ لبنان‏ والدفاع‏ في‏ الجنوب‏ وراء‏ جدار‏ بشري‏ لجيش‏ لحد، ‏ولكن‏ هذا‏ الجدار‏ الذي‏ لم‏ يفلح‏ في‏ حمايتهم‏ بدأ‏ في‏ التفكك، ‏واصبح‏ الجنوب‏ مقبرة‏ للوحدات‏ المختارة‏ في‏ الجيش‏ الصهيوني‏ والتي‏ لا‏ تقاتل‏ إلاّ‏ من‏ وراء‏ جدر‏ محصنة إن هذا‏ الفشل والانهيار‏ والتراجع‏ دفع‏ قادة‏ الجيش‏ الصهيوني، ‏خاصة‏ بعد‏ عملية‏ الدبشة‏ البطولية، إلى الاستنجاد‏ بالموساد‏ لكي‏ تغطي‏ عجزهم‏ في‏ الجنوب، من‏ خلال‏ تنفيذ‏ عمليات‏ استعراضية‏ في‏ بيروت اندفعت‏ الموساد‏ التي‏ تشعر‏ أنها عاجزة‏ عن‏ تنفيذ‏ أي‏ عمل‏ مهم‏ ضد‏ قيادات‏ حزب‏ الله‏ الدينية، والأمنية والسياسية‏ والعسكرية، إلى تغطية‏ عجزها‏ وعجز‏ المؤسسة‏ العسكرية‏ الصهيونية‏ والى‏ الخروج‏ من‏ هذا‏ المأزق‏ من‏ خلال‏ تنفيذ‏ عملية‏ اغتيال‏ ضد‏ تاجر‏ في‏ سوبر‏ ماركت‏ في‏ حي‏ صفير‏ بالضاحية، ‏على‏ أن ينفذها‏ مجموعة‏ من‏ العملاء‏ يتزعمها‏ رائد‏ التحق‏ بجماعة‏ عرفات‏ في‏1988م ، وعمل‏ مع‏ أمن‏ عرفات، وكان‏ مكلفاً‏ بالمهمات‏ القذرة‏ وله‏ علاقة‏ وطيدة‏ بالقوات‏ اللبنانية‏ " الكتائب " طلب‏ ضابط‏ الموساد‏ داني‏ من‏ العميل‏ احمد‏ عبد‏ البديع‏ الحلاق، ومجموعته‏ المتورطة‏ بسلسلة‏ جرائم‏ أن يقوموا‏ بمراقبة‏ فؤاد‏ مغنية‏ أحد‏ مسؤولي‏ حزب‏ الله، وبعد‏ تنفيذ‏ المراقبة، ‏طلب‏ منهم‏ خطفه‏ ونقله‏ للشريط‏ الحدودي، وعندما‏ اكتشف‏ ضابط‏ الموساد إن خطة‏ الخطف‏ لن‏ تنجح، طلب‏ منهم‏ تصميم‏ خريطة‏ واضحة‏ لمكان‏ عمل‏ فؤاد‏ مغنية، وأرسلت الخريطة‏ مع‏ العميلة‏ حنان‏ ياسين‏ زوجة‏ العميل‏ احمد‏ الحلاق‏ إلى قبرص‏ حيث‏ قامت‏ بتسليمها‏ لضابط‏ الموساد في‏ شهر‏11/1984م ، استدعت‏ الموساد احمد‏ الحلاق‏ إلى " إسرائيل " ودربته‏ طوال‏ فترة‏ 12 ‏يوماً‏ على‏ جهاز‏ تفجير‏ إلكتروني، وكلفته‏ باغتيال‏ فؤاد‏ مغنية‏ بينما‏ يكون‏ جالساً‏ وراء‏ مكتبه، بواسطة‏ عبوة‏ موضوعة‏ لهذه‏ الغاية .

    كان‏ العملاء‏ طوال‏ فترة‏ ثلاثة‏ شهور‏ يراقبون‏ الحاج‏ فؤاد، ‏وكانوا‏ يذهبون‏ إلى المتجر، ويشربون‏ القهوة‏ لديه، ‏ويرسلون‏ بشكل‏ دائم‏ تقاريرهم‏ بالهاتف‏ إلى ضابط‏ الموساد وفي‏ يوم‏ التنفيذ‏ ذهب‏ العميل‏ احمد‏ الحلاق‏ إلى السوبر‏ ماركت، ‏وشاهد‏ الحاج‏ جالساً‏ خلف‏ مكتبه‏ وسلم‏ عليه‏ وخرج‏ وركب‏ سيارته، وضغط‏ على‏ زر‏ جهاز‏ التفجير، ‏حيث‏ انفجرت‏ العبوة‏ التي‏ تزن‏ 50‏ كيلو‏‏ تي‏ ان‏ تي‏‏ وفر‏ بسيارته‏ مع‏ زوجته‏ من‏ الضاحية، بعد‏ أن ترك‏ خلفه‏ ثلاثة‏ قتلى‏ والعديد‏ من‏ الجرحى، وذلك‏ بتاريخ‏ 21/12/1984م.

    العبرة :

    1- ‏تعتمد‏ الموساد في‏ عملية‏ تفجير‏ السيارات‏ على‏ مجموعتين ‏مجموعة‏ تقوم‏ بإعداد السيارة‏ المتفجرة، ‏ووضعها‏ في‏ مكان‏ الانفجار ومجموعة‏ أُخرى‏ مهمتها‏ فقط‏ التفجير‏ وليس‏ لها‏ أي‏ علاقة‏ بالمجموعة‏ الأولى.

    2- ‏الحاج‏ فؤاد‏ مغنية‏ كان‏ له‏ علاقات‏ مع‏ حزب‏ الله، ‏إلاَّ‏ أنه‏ متفرغ‏ للعمل‏ التجاري‏ في‏ السوبر‏ ماركت‏ الذي‏ يديره‏ بنفسه ، ‏وكان‏ يعيش‏ حياة‏ علنية‏ مدنية، سمتها‏ الثبات‏ في‏ العنوان‏ والمكان، وبرنامجه‏ لا‏ يتغير.

    3- ‏المناضل‏ الذي‏ ترك‏ حياته‏ النضالية، وتفرغ‏ للحياة‏ المدنية، يكون‏ مقتله‏ في‏ الحياة‏ المدنية‏ أقرب‏ من‏ مقتله‏ في‏ الحياة‏ النضالية.

    4- ‏شبكة‏ العملاء‏ التي‏ نفذت‏ الاغتيال‏ مؤلفة‏ من‏ أشخاص‏ مأجورين‏ لا‏ دوافع‏ قوية‏ لهم‏ سوى‏ المكاسب‏ المادية، ‏لذلك‏ لم‏ تنجح‏ هذه‏ الشبكة‏ في‏ تنفيذ‏ عمل‏ حقيقي‏ ومؤثر‏ لصالح‏ الموساد وكان‏ أداؤها‏ طوال‏ فترة‏ المراقبة‏ ضعيفاً. وقد‏ نجحت‏ الشبكة‏ في‏ التنفيذ، ‏ولكنها‏ فشلت‏ في‏ الفرار.

    ‏5- قدرة‏ حزب‏ الله‏ والأجهزة‏ الأمنية‏ على‏ اكتشاف‏ الشبكة‏ وتفكيكها‏ بعد‏24 ‏ساعة‏ من‏ التنفيذ، مما‏ يعني‏ أن‏ لدى‏ الحزب‏ جهازاً‏ متخصصاً‏ ومدرباً‏ ويتحلى‏ بالوعي‏‏ واليقظة.

    5- لم‏ يتخذ‏ الحاج‏ فؤاد‏ الإجراءات الأمنية حول‏ نفسه :‏ لأنه يحيا‏ كتاجر، ‏ولم‏ يخامره‏ الشك‏ أن‏ آخر‏ من‏ يسلم‏ عليه‏ سيكون‏ أول‏ من‏ يقتله .

    7- ‏الحياة‏ العلنية، والأمكنة الثابتة، ‏والروتين‏ اليومي، وعدم‏ التغيير‏ والتجديد‏ المستمر، ‏هي‏ السبب‏ المباشر‏ لاغتياله‏ واغتيال‏ كثير‏ من‏ المناضلين‏ والشرفاء، إنها مقتل‏ الجميع.

    8- ‏إن‏ الموساد تنشط‏ لجمع‏ أكبر‏ قدر‏ من‏ المعلومات‏ والتفاصيل‏ عن‏ هذه‏ العناوين‏ الثابتة، ‏وتضعها‏ كأهداف‏ ناضجة‏ جاهزة‏ للقطف‏ في‏ اللحظة‏ التي‏ يريدون، ‏كما‏ حدث‏ مع‏ الحاج‏ فؤاد‏ مغنية ولا‏ فائدة‏ للتعلم‏ من‏ العبر‏ بعد‏ فوات‏ الأوان لذا، ‏يجب‏ أن تعتمد‏ القوى‏ الوطنية‏ والإسلامية على‏ إنشاء مقرات‏ ومنازل‏ سكن، ‏ومكاتب‏ عمل‏ سرية‏ والمعرفة‏ بها‏ محصورة‏ بأشخاص محدودين‏ وموثوقين‏ ولهم‏ علاقة‏ عمل‏ بهذه‏ الأمكنة، وإلغاء المقرات‏ والمنازل‏ والمكاتب‏ العلنية‏ المنتشرة‏ بشكل‏ غير‏ مبرر.

    9- ‏العناوين‏ الجديدة‏ لا‏ تحتاج‏ إلى كثير‏ من‏ الإجراءات الأمنية‏ الاستعراضية‏ المنتشرة‏ الآن، ‏وستكون‏ تكاليف‏ حمايتها‏ أدنى‏ بنسبة‏ كبيرة‏ مع‏ التكاليف‏ الباهظة‏ الموجودة‏ الآن.

    10- ‏يجب‏ البحث‏ عن‏ عناوين‏ أمنية‏ من‏ الصعب‏ الدخول‏ إليها، ومن‏ السهل‏ حمايتها.

    11- ‏يمكن‏ وضع‏ أعمدة‏ حديدية‏ قائمة‏ على‏ قواعد‏ إسمنتية على‏ مستوى‏ الأرض على‏ بعد‏ أمتار‏ من‏ أي‏ عنوان‏ مهم‏ لكي‏ لا يسمح‏ بالتوقف‏ لأي ‏سيارة‏ غريبة‏ وأجنبية ولا‏ يجوز‏ السماح‏ لأي‏ سيارة‏ مجهولة‏ بالوقوف‏ على‏ الأرصفة القريبة‏ من‏ المكتب، وأي‏ سيارة‏ تتوقف‏ يجب‏ الشك‏ بها.

    12- من‏ المفيد‏ أن يكون‏ المكتب‏ أو‏ المقر‏ في‏ وسط‏ تجمع‏ سكاني‏ وليس‏ في‏ مكانٍ‏ منزوٍ.

    13- ‏اختيار‏ أمكنة‏ بها‏ ساحات‏ أرضية تعزل‏ المكان‏ عن‏ الطريق.

    13- ‏وضع‏ كاميرات‏ مراقبة‏ تلفزيونية‏ بشكل‏ غير‏ لافت‏ للانتباه‏ على‏ مداخل‏ وحول‏ الأماكن‏ التي‏ تستخدم‏ للعمل‏ العسكري‏ أو‏ لمقرات‏ القيادة .

    15- ‏لا‏ يستمر‏ العمل‏ والبقاء‏ في‏ مكان‏ يمكن‏ تفجيره‏ يعتبر‏ ساقطاً‏ أمنياً ‏أكثر‏ من‏ نصف‏ عام .

    وقد‏ يتمكن‏ الأعداء‏ عبر‏ الاختراق‏ المسبق‏ من‏ إدخال العبوة‏ المتفجرة‏ إلى غرفة‏ للاجتماعات‏ الخاصة‏ أو‏ ساحة‏ للاحتفالات‏ أو قاعة‏ للمهرجانات، كما‏ حدث‏ في‏ تفجير‏ مبنى‏ مجلس‏ الشورى‏ الإيراني وقتل‏ اكثر‏ من‏ "80" من‏ أعضاء الشورى، وقد‏ توضع‏ العبوة‏ في‏ أقرب‏ سقف‏ أو جدار‏ للقاعة‏ أو الغرفة‏ كما‏ حدث‏ للشهيد‏ محمد‏ علي‏ رجائي، ومحمد‏ جواد‏ باهونار، ‏حيث‏ غرست‏ العبوة‏ في‏ سقف‏ القاعة‏ التي‏ تقع‏ أسفل‏ المبنى‏ الذي‏ يتم‏ تفجيره في‏ الحالة‏ الأولى‏ يتم‏ إخفاء العبوة‏ جيداً‏ داخل‏ القاعة‏ أو الغرفة، وفي‏ الحالة‏ الثانية‏ يتم‏ إلصاقها بالسقف‏ أو الأرضية أو الجدار، ‏وتكون‏ الموجة‏ الانفجارية‏ موجهة‏ نحو‏ القاعة، لذلك‏ لابد‏ في‏ الحالتين‏ من‏ عمل‏ التالي:

    ‏المسح‏ الأمني الشامل‏ للقاعة‏ في‏ حذر أمني‏ لا‏ يتجاوز‏ خمس‏ ساعات‏ قبل‏ اللقاء.
    ‏وضع‏ القاعة‏ تحت‏ حراسة‏ أمنية‏ مشددة‏ ومتواصلة‏ حتى‏ بداية‏ اللقاء، ‏والاستمرار‏ بالحراسة‏ والمراقبة‏ حتى‏ انتهاء‏ اللقاء.
    ‏تفتيش‏ الحقائب‏ التي‏ يحملها‏ أي‏ شخص‏ يدخل‏ القاعة.
    ‏منع‏ وقوف‏ أي‏ سيارات‏ غريبة‏ بجوار‏ الأرصفة‏ الموازية‏ للقاعة.
    إذا كانت‏ القاعة‏ في‏ بناية، ويوجد‏ طوابق‏ أسفل‏ منها‏ أو‏ أعلى‏ منها‏ أو‏ بجوارها‏ وتشترك‏ معها‏ بجدار يجب‏ التأكد‏ من‏ نقاء‏ سكان‏ هذه‏ الشقق، ‏وعدم‏ وجود‏ ارتباطات‏ مشبوهة‏ أو‏ سوابق‏ أمنية‏ أو خلقية‏ لهم والتدقيق‏ في‏ حركة‏ الزوار‏ والضيوف‏ إلى هذه‏ الشقق.


    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة