• اغتيال المبحوح: متى يحال الموساد الإسرائيلي إلى «الجنايات الدولية»؟
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

    محمد بهلول -   عدد القراءات :689 -   2010-02-09

    تفترض الواقعية السياسية أن تعترف أن جهاز الموساد الإسرائيلي بارع بعمله الإجرامي بطريقة تعجز عنها عصابات المافيا العالمية، فهو يتعاون مع مختلف الدول والعديد من العصابات و الشركات الأمنية «الخاصة» المحترفة، وتقدم له هذه الدول، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية أحدث الوسائل والأجهزة العلمية الدقيقة التي تمكنه من الوصول بنجاح تام إلى أهدافه وغاياته، كما أن لديه إمكانيات علمية وعسكرية هائلة، ويستخدم معظم أنواع التكنولوجيا الحديثة وغير المعروفة «التي تتطور باستمرار» سواء في إسرائيل نفسها، أو في دول لا تبخل على إسرائيل بأي شيء. وقد استخدم الموساد البصمة الإسرائيلية في اغتيال يحيى عياش أحد قادة حماس، عندما كانت طائرة حربية تتابع ترددات صوته على الهاتف النقال، كما زرعت في أحشاء عماد عقل أجهزة تتبع ومراقبة، كذلك الأمر بإلقاء ملايين أجهزة التنصت وتسجيل الأصوات لمقارنتها مع البصمات الصوتية لجيش المطلوبين لها.
    أما الأسلوب المتبع في كل عمليات الاغتيال والتفجير التي يقوم بها الموساد، فيعتمد على أساس القانون الرئيسي للجرائم الجنائية والمتمثل بأن لا جريمة مكتملة، فيترك بصماته الواضحة لكن دون أن يتبنى رسميا أيا من العمليات، محققا هدفين بذات الوقت، الردع والتخلص من انعكاسات ومضاعفات العملية التي غالبا ما تكون في بلدان صديقة، أو لها علاقات مع إسرائيل. و كثيرا ما يلاحظ أن إسرائيل تتعمد عدم الاعتراف بنفس القوة التي تتعمد فيها الادانة لمثل هذه العمليات، بما في ذلك الذي لم ينفذ في الواقع، ذلك لأن القائمين على السياسة الأمنية والمخابراتية الإسرائيلية يعتقدون أن تحميل الموساد هذه العمليات (دون تبينها أو إدانتها في الواقع) يرفع من شأنه ويحقق الردع الذي يعتبر أحد أهم المبادئ التي ترتكز عليها العقيدة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية.
    عشرات عمليات الاغتيال التي نفذها الموساد، خارج مناطق الصراع الأساسية, لم يعترف رسميا بأي منها حتى وإن كانت بصماته واضحة ولا تحتاج إلى أي دليل, كعملية اغتيال خالد نزال, أمين سر اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وقائد قواتها في الوطن المحتل في أثينا عام 1986، أو اغتيال فتحي الشقاقي الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في مالطا عام 1995. المرات النادرة التي يحصل فيها الاعتراف الإسرائيلي وإن بشكل ملتبس، هي عندما يقدم المنفذون على ارتكاب أخطاء لوجستية فاضحة كإغتيال أبو يوسف النجار، كمال ناصر وكمال عدوان، عندما واجه مقاتلو الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ببسالة قوات الموساد المهاجمة وأفشلوا الجزء الثاني من خطتهم باغتيال قياده الجبهة الديمقراطية عام 1973.
    اليوم تتكرر السياسة الأمنية – الإستخبارية الإسرائيلية مع اغتيال القيادي في الجناح العسكري – الأمني لحركة حماس محمود المبحوح يوم 20/1/2010 في غرفته بفندق البستان في دبي وقد تأخر الإعلان عن اغتياله لمدة تزيد عن عشرة أيام إفساحا في المجال للقيام بالتحقيقات الأولية بما في ذلك تشريح الجثة، كما أعلنت مصادر قيادية من حماس. ويلاحظ في هذا السيّاق الارتباك – لدى الطرف الفلسطيني – الذي رافق عملة الاغتيال،  حيث نشرت بعض الصحف (21 كانون الثاني) خبر وفاة المبحوح نتيجة مرض عضال ، وقد بررت حماس ذلك، بالقول انه لتسهيل نقل الجثمان من الامارات، حيث ان السلطات المحلية لم تكن تعرف هوية المبحوح خصوصاً ان المعلومات الطبية الأولية لشرطة دبي والمستشفى الذي نقل إليه المبحوح ، أكدت ان الوفاة نتجت عن جلطة دماغية ، إلا أن حماس عادت و أكدت عملية الاغتيال واتهمت صراحة الموساد الإسرائيلي بذلك، وبررت مصادر قيادية في حماس الوقت الطويل نسبياً بين عملية الإغتيال والإعلان عنها، بإجراء تحقيقات أولية وتشريح الجثة، إلا أن مصادر مطلعة، أكدت أن التحقيقات تركزت داخل أوساط الحلقة المقربة من المبحوح وأن هذه التحقيقات لم تسفر عن نتائج ملموسة، بسبب توسع الدائرة، حيث تبين أن المبحوح «معروف لكافة أوساط حماس»، القيادية والقاعدية، ولعدد واسع من كوادر و قيادات الفصائل الحليفة لحماس، والمثير للاستغراب ـ بحسب المصادر نفسها ـ أن المهارات الأمنية للمبحوح كانت معروفة «لكل هذه الدائرة الواسعة والمتنوعة، وإن دل ذلك على شيء ، فإنه يدل على حاله من الإرتخاء والاستسهال الأمني».
    عملية الإغتيال فاجأت حماس، ويبدو ذلك واضحاً وجلياً لاي مراقب، فعدا عن التصريحات المتناقضة لقياداتها، فإن تضارب المعلومات وكثرة التصريحات، كماً ونوعاً تؤكد على عدم حرفية في التعامل مع مثل هذه الحالات، و هو ما أفاد كثيراً الموساد، الذي بفضل ارتباك حماس ، استطاع بسهولة أن يرمي الكرة في ملعبها ويحول الجريمة من عملية إرهابية موسادية بامتياز إلى كونها تصفية حسابات داخلية بين تجار سلاح .
    احد قيادي حماس ، طلال نصار أكد في مقابلة مع صحيفة «ناشونال» الإماراتية ان المبحوح لعب دوراً رئيسياً في امداد الفلسطينيين بالاسلحة والأموال، بما في ذلك أسلحة خاصة إلى غزة، وأن المبحوح كان عرضة للخطر في دبي لأنه على عكس رحلات سابقة، استخدم جواز سفر يحمل اسمه الحقيقي، و سافر بلا حراس. مثل هذا التصريح عدا عن كونه يعطي المبرر السياسي لاسرائيل لاستهداف المبحوح، فإنه يتناقض مع تصريح آخر لموسى ابو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس حين أكد «ان المبحوح كان محاطاً بفريق حماية أمني و لم يكن وحيداً»، وهو أيضاً يتناقض مع تصريحات الناطق باسم شرطة دبي الذي اكد أن المبحوح جاء للامارات بجواز سفر لا يحمل اسم عائلته.
    لا شك أن مثل هذه المعلومات وكثرة التصريحات المتناقضة فيما بينها هيأت الفرصة المناسبة للموساد الاسرائيلي للتنصل من هذه الجريمة، أو على الاقل التذاكي للتهرب منها، خوفاً من تداعيات الموضوع حول  العلاقة النامية بين كل من تل أبيب والامارات، خصوصاً بعد الزيارة التي قام بها وزير البنية التحتية عوزي لنداو للامارات (15-17 كانون الثاني ).
    المعلومات شبه النهائية للمصادر الامنية والطبية في الامارات أكدت  أن المهاجمين دخلوا الشقة بطريقة عادية ، و ان المبحوح هو من فتح لهم الباب، ما يؤكد انه اما كان ينتظر زواراً، أو أنه تم استخدام، وبشكل طوعي او إكراهي، أحد المقربين منه لطرق الباب.
    عملية الاغتيال، تمت عن طريق «صعقات كهربائية»، إذ تلقى جسده صفعات متعددة من عصي كهربائية أدت إلى خروج الدم من أنفه و فمه، فاضعفت قوته الجسدية وشلّت حركته وبعدها تم خنقه بالوسادة.
    ونقل أحد كوادر حماس وهو شخصية مقربة من الشهيد، ان المبحوح تعرض لأكثر من عملية اغتيال، منها واحدة جرت قبل حوالي العام في دبي نفسها، عندما دس له سم من نوع خاص في أكله و شربه، وهذا النوع من السموم لا تظهر أعراضه فجأة، بل يبقى كامناً في الجسم لفترة طويلة ، وهو ما سبب له لاحقاً غيبوبة لمدة أربعة أيام. هذه المعلومات معروفة على نطاق واسع داخل أوساط حماس. و بحسب المصدر نفسه، وهو ما أكده أيضاً مختبر فرنسي اجريت فيه فحوص لعينة من دم المبحوح بعد قتله، أكدت وجود آثار السم حتى الآن في جسده، ما يبرر المعلومات الطبية الأولية عن وفاة ناتجة عن جلطة دماغية، حيث ان هذا النوع من السموم يؤدي إلى فقدان التروية الصحية للدم في الجسم المصاب.
    الارتباك الواضح لدى حماس في التعامل مع جريمة اغتيال المبحوح، أفاد كثيراً الأوساط السياسية والاعلامية والامنية في إسرائيل فقد حاول الضابط السابق في الموساد رام ييفرا أن يموه على الجريمة الاسرائيلية  وان يحولها الى نزاعات لا صلة لاسرائيل بها بالقول «انه ربما اختلف مع تجار السلاح و من المعقول و لا شك أن الشخص الذي قتله كان واحداً من التجار». لكنه عاد وأقر، وإن ضمناً، أن الاسلوب الذي اغتيل فيه المبحوح هو من أساليب الموساد المعروفة عندما أوضح أنه «عندما لا يكون هناك مجال للخطأ، تنجز الأمور سريعا، وليس بإتباع طرق التعذيب والاساليب المشابهة»، وقد حاول أن يبرئ إسرائيل وأن ينفي أن يكون لمرافقي لنداو الذي زار الامارات صلة بالجريمة فقال «ان العملية توضح انه لم يستغل فيها ساسة زائرين كشعار»، تباهى عدد من وزراء إسرائيل وصحفها الرئيسية بأن العملية تنسب إلى جهاز الاستخبارات الخارجية «الموساد» واستذكرت بعض الصحف عمليات اخرى نسبت الى الموساد في الماضي القريب والبعيد ، من دون أن يؤكدها او ينفيها، لكن استعراضها جاء من منطق التباهي «بالذراع الطويلة» للاستخبارات الاسرائيلية. وهو العنوان الذي غطت فيه كبرى الصحف الاسرائيلية «يديعوت أحرونوت» حادثة الاغتيال تحت عنوان «الذراع الطويلة للموساد» إلى جانب صورة لوالدة الجندي الاسرائيلي القتيل ايلان سعدون تحمل صورة ابنها الذي اختطف مع جندي اسرائيلي اخر وقتلا عام 1989، في عملية نسب تخطيطها وتنفيذها  الى المبحوح.
    الصحافي الاسرائيلي روبن برغمان أوضح في «يديعوت احرونوت» السياسة الاستخبارية الامنية بقوله «ان اسرائيل لن تقر أبداً بان لها علاقة بتصفية المبحوح ولا يوجد سبب يستدعيها لتحمل المسؤولية» واضاف «انه في عالم  الظلال والحرب الاستخبارية لا احد يتحمل مسؤولية عن أي شيء، وإذ كان هناك حاجة لتوزيع أوسمة، فإن ذلك يتم في الغرف المغلقة». وأضاف «ان تحذيرات رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية من ان لدى حماس صواريخ ذات مدى 6-7 كلم لا تأتي لمجرد تزويد الفضوليين بها، بل علينا أن نفترض ان هناك من يقوم بعمل ما لمعالجة هذه المسألة – وراء تصريح كهذا جهودا استخبارية واعلامية لمنع تهريب هذه الصواريخ».
    مما لا شك فيه ان عمليات الموساد تحمل في طياتها الانتقام من جهات أو اشخاص وجهوا ضربات موجعة لاسرائيل، الا ان الاساسي في عمل الموساد انما يستهدف تحقيق هدفين مهمين، «افشال عمليات والردع» وهذه هي عقيدة الاجهزة الاستخبارية الاسرائيلية.
    سؤالان اساسيان يبقيان مطروحين على الساحة الفلسطينية، هل تستفيد المقاومة الفلسطينية ولا سيما في  نضالها العسكري والأمني من التجارب الناجمة للاعداء والأصدقاء، وتبتعد عن الضجيج الاعلامي وترتقي الى الوسائل المهنية والعلمية ، والى توحيد الجهود وسريتها؟.
    أما السؤال الاخر، فموجه  للمعايير المزدوجة التي لا ترى بالجرائم الاسرائيلية الا «وسيلة دفاعية» بعيدة كل البعد عن الارهاب المنظم.

    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة