• المؤسسة العسكرية الإسرائيلية
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

    تل ابيب -   عدد القراءات :30 -   2019-07-03

    المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ليست كياناً مستقلاً عن الإطار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في إسرائيل، فهي تستمد من هذا الإطار جذورها التاريخية ومقومات بقائها وحدود تطلعاتها والإطار الطبيعي لهذه المؤسسة هو التجمع الاستيطاني الصهيوني.
    ومستقبل المؤسسة العسكرية بعد ما يسمى باتفاقيات السلام الذي تريده إسرائيل، أي وفق الرؤية الإسرائيلية، ومكانتها داخل إسرائيل، له

    علاقة عضوية بالصهيونية ومشروعاتها في فلسطين والوطن العربي.
    في البداية يجب أن ندرك أن هناك صلة جوهرية بين الجيش والنظام السياسي في إسرائيل فهو دعامة النظام السياسي في وظائفه الأساسية بجانب الأدوار الاجتماعية والاقتصادية المختلفة التي يلعبها في العلاقات المتشابكة مع الدولة الإسرائيلية بكافة مؤسساتها وأيضاً مع المجتمع الإسرائيلي من حيث الدور المدني للجيش وعسكرة الاقتصاد وتنامي المجتمع الصهيوني العسكري ودور المؤسسة العسكرية في صنع القرار السياسي.

    فالجيش يلعب دوراً رئيساً في تشكيل الترابط الاجتماعي وفي الفوز بتأييد السكان للنظام السياسي، كما أنه يبرر تأييد النظام السياسي ويدعم التعاطف مع الجماعة سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات داخل المجتمع حيث العلاقة الوثيقة بين القيادة السياسية وقدرة الجيش على الإبحار، وحدوث غير ذلك ينتج أزمة في علاقة الجيش بالمجتمع، فالرؤية الخاصة بالدور الحيوي للقدرة العسكرية في تأمين الوجود القومي وأهمية هذا العامل في توفير المشروعية للنظام السياسي يؤدي إلى ضغط متواصل نحو اتفاق سياسي في إسرائيل.

    ويعكس التشابك، العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة ممثلة في الأحزاب، مدى حرص الأخيرة على دور الجيش ومؤسساته في الحديث عن الأمن والسلام، وقضايا التسلح وبناء القوات والتدريبات الأمنية الفلسطينية ـ الإسرائيلية، والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني والذي كان مطروحاً بقوة في انتخابات الكنيست 1999، والتصدي لانتفاضة الأقصى أيلول/ 2000، سيُطرح على أولوية القوائم الانتخابية في إسرائيل، خصوصاً بعد إخفاق حكومة باراك.

    على الرغم من التحولات الهامة التي أحدثتها الانتخابات الإسرائيلية على الخريطة السياسية في إسرائيل حتى يومنا هذا، كذلك على التوازنات السياسية إلا أن هناك تحولات بالغة العمق تشهدها المؤسسة العسكرية على الأصعدة كافة، التكنولوجية والاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية وذلك في إطار ما يعرف بالثورة في الشؤون العسكرية الإسرائيلية، ومن ثم فإن التزامن ما بين التحولات السياسية والثورة في الشؤون العسكرية في إسرائيل ربما يؤدي إلى تسريع عملية التغيير الجذري في سياسة الأمن الإسرائيلية وفي خطط وبناء القوات وترتبط هذه التغييرات بصورة أساسية بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما ترتبط بتحولات الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط وبالتطور في أوضاع السلام والاستقرار في المنطقة الذي يمكن أن ينهي حالة الحرب كما يمكن أن يقلل من قيمة المؤسسة العسكرية نفسها ولكن بالتأكيد سيبقى على العمليات العسكرية المفتعلة والمحدودة. كما هو الحال في الجنوب اللبناني حتى بعد الانسحاب شبه الكامل باستثناء "مزارع شبعا"، وكما هو الآن من انتفاضة الأقصى وإعادة انتشار القوات الإسرائيلية في أراضي السلطة الفلسطينية بهدف السيطرة على الانتفاضة وليس هناك فارق بين ما إن كان القائم في الحكومة حزب العمل أو حزب الليكود، فكلاهماله مصالح في استمرار تلك العمليات إما لكون الحرب وسيلة للحصول على السلاح (الليكود) وإما لكونها سياسة ردع التهديدات الخارجية في اعتماد كامل على التحالف الدفاعي مع أمريكا أو الإبقاء على المناطق الأمنية الحيوية والمستوطنات في تلك المناطق (العمل) ولكن يظل القاسم المشترك بين الأحزاب اليمينية واليسارية في إسرائيل هو الحفاظ على توازن القوى الاستراتيجية في صالح إسرائيل (1).

    تعود هذه التحولات في الأساس إلى تضافر أربعة تطورات منفصلة أدت إلى تقويض المفهوم التقليدي للأمن القومي الإسرائيلي يتمثل أولها في التطورات الهائلة الجارية في مجال التكنولوجيا العسكرية على الصعيد العالمي ووصول تكنولوجيا عسكرية متطورة إلى العديد من دول الشرق الأوسط وبالذات فيما يتعلق بالقدرات في مجال الصواريخ البالستية والأسلحة الدقيقة الموجهة مما يهدد بإمكانية استخدام هذه القدرات ضد إسرائيل في أية مواجهة عسكرية مقبلة، أما التغيير الثاني فيتمثل في تطور عملية التسوية العربية ـ الإسرائيلية رغم ما يبدو من نسف في العملية السلمية خاصة بعد انتفاضة الأقصى على أثر ما حدث في كامب ديفيد الثانية والاقتحام المفتعل لشارون بحرّاسه المسجد الأقصى وما تتمتع به إسرائيل من مستوى غير مسبوق من الأمن في مواجهة أية هجمات تقليدية إلا أن إسرائيل ما زالت تواجه طائفة من المشكلات الأمنية أوسع من تلك التي واجهتها من قبل تتراوح ما بين الإرهاب والحرب التقليدية الواسعة وحروب المدى البعيد من جانب دول تعتبرها إسرائيل خطر على أمنها مثل إيران وليبيا، أما التغيير الثالث فيتمثل في المتغيرات الاقتصادية التي تترك انعكاسات مباشرة على القدرة العسكرية حيث أدت إلى ازدياد الاتجاه نحو خفض مستويات الإنفاق الدفاعي وهذا التطور أحدث تغييراً جذرياً في طموحات ودوافع الشباب الإسرائيلي من التحول إلى القطاع الخاص والعمل الحر والبعد عن قطاعات الدولة خاصة المؤسسة العسكرية وتطرح التحولات الاجتماعية تحدياً أكثر أهمية في المجتمع الإسرائيلي وتياراته واتجاهاته التي تؤثر في العملية السلمية في المستقبل لصالح التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة (2).

    يتضح من الأدبيات العسكرية والاستراتيجية الإسرائيلية أن مسيرة السلام لم تسهم حتى الآن على مستوى المؤسسة العسكرية في تكوين توجه نحو البدء بالانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلام، بل يمكن القول أن الفكر العسكري الإسرائيلي يتجه نحو التخطيط لتصورات واحتمالات تندرج جميعاً في خانة حالة الحرب والنزاعات المسلحة (انتفاضة الأقصى ـ أمثولة) وليس هناك ملمح أو دليل في الفكر العسكري الإسرائيلي يوحي بأن حالة السلم التي كانت وفق الرؤية الإسرائيلية قد تركت أي أثر أو تغيير يذكر في فكر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وثمة مرجع استراتيجي يلقي الضوء على الفكر الاستراتيجي العسكري خاصة فيما يتعلق بمستقبل هذه القوة والاتجاهات العامة له حيث يؤكد أن عملية السلام لن تؤدي إلى تغيير الاتجاهات الموجودة حالياً في المنطقة وإذا ما تمت ستؤدي إلى تطور في اتجاهين متوازيين: أولهما زوال الدوافع العربية لشن هجوم عسكري على إسرائيل، وثانيهما أن الانسحاب الإسرائيلي من أراضٍ محتلة سيولد إغراءً لاستغلال ضعف إسرائيل النسبي في المعطيات الإستراتيجية الجديدة التي ستنشأ في حال شن هجوم مفاجئ ضد إسرائيل وعليه فإن تسوية النزاع لا يعني أن التناقضات الأساسية قد أزيلت وخاصة أن عملية التسوية لا تنطلق من تحول تاريخي لدى الطرف العربي الذي حدث لديه تحول ناجم عن روح براجماتية على أساس معايير الجدوى لذا فإن القوة العسكرية القادرة هي الأساس الذي يضمن ردع العرب عن الصراع العسكري (3).

    ويعني هذا أن السلام لا يشكل ضمانة لعدم قيام حرب بأي صورة وعلى أي شكل، حيث أن السلام يمكنه أن يفرض صعوبات على شن الحرب، لكنه لن يكون عائقاً يحول دون نشوبها (4).

    من يتتبع الأدبيات العسكرية والسياسية والاستراتيجية الرسمية والإعلامية والثقافية العامة، وبخاصة أقوال وأفعال وسياسات الحكومات الإسرائيلية يلاحظ أن هناك إجماعاً إزاء صياغة الاستراتيجية العسكرية وإعادة بناء الجيش على أساس "الخيار الأسوأ" وأن الوسيلة الوحيدة إلى ذلك هو التفوق العسكري، سواء بنوعية الجندي أو نوعية السلاح أو احتكار السلاح النووي. ويرى هذا الإجماع أن التفوق القادر على الردع هو المؤهل لمواجهة أسوأ الاحتمالات التي قد تطرأ على موازين القوى، سواء في مرحلة التفاوض أو في ما بعد السلام (5).

    يشهد الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، في ظل المتغيرات الحادة التي ظهرت على الصُعُد العالمية والإقليمية وبخاصة على صعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي، منذ حرب الخليج الثانية 1990-1991, حتى يومنا هذا عملية مراجعة شاملة، بغية تحقيق التلاؤم مع تلك المتغيرات وتوظيفها لمصلحة المشروع الصهيوني وزيادة الخلل في ميزان القوى العربي ـ الإسرائيلي وتعزيز موقف المفاوض الإسرائيلي في عملية التسوية السلمية.
    في ظل هذه المتغيرات، يركز الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي على مجموعة من التهديدات التي يمكن أن يتعرض لها الأمن الإسرائيلي في تبرير من الحكومات الإسرائيلية لتطوير القدرات العسكرية لديها بالرغم من أن جملة المتغيرات الحادثة في المنطقة تقلل بصورة عامة، من إمكانات نشوب حرب عربية ضد إسرائيل في المديين القصير والمتوسط، ولكن الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي لا ينفي أن تكون هناك مجموعة من التهديدات الماثلة أمام إسرائيل سواء كانت تهديدات محتملة أو كامنة أو متصورة.

    لقد طرأت نوعيات جديدة من التهديد العسكري لأمن إسرائيل (6) من مخاطر تكمن في العراق وليبيا وإيران وباكستان، وإنه من الصعب توصيف هذه التهديدات فيما إذا كانت ذات طبيعة دفاعية أو هجومية أو مشتركة وأبرز الأمثلة على ذلك الانتفاضة الفلسطينية 1987 بمراحلها وأشكالها المختلفة، والانتفاضة الحالية بأشكالها المختلفة والأسلحة البيولوجية، والصواريخ البالستية وربما احتمالات التسلح النووي مع تركيز الفكر الإسرائيلي العسكري على مجمل من التهديدات يمكن أن يتعرض لها الأمن الإسرائيلي رغم التفوق النوعي والكمي في إسرائيل سواء كانت تلك التهديدات مستمرة أو متوازنة أو وليدة المتغيرات المستجدة الحادثة التي سبق أن أشرنا إليها في الوضع الإقليمي. أما التهديدات المباشرة والمحددة التي تتعرض لها فمن أبرزها الإرهاب الذي تربطه إسرائيل بنمو الأصولية الإسلامية سواء في فلسطين أو في الدول العربية المجاورة وغير المجاورة ويتضح ذلك من الاغتيالات التي تتم للقيادات العسكرية في حماس في ظل انتفاضة الأقصى، وتعمل إسرائيل على توظيف هذه الظاهرة لتحقيق عدة مكاسب عسكرية واقتصادية من الولايات المتحدة والدول الأوروبية ولعل أهم الأمثلة على ذلك ما حدث في الأردن من تقويض الحركة الإسلامية "حماس" وطرد زعمائها وإغلاق مكاتبها صيف 1999، ناهيك عن ما تم مع السلطة الفلسطينية من اتفاقيات (واي ريفر1998) الذي يقوض الحركة الإسلامية السياسية في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، بل تتصور إسرائيل إمكانية حدوث نوع من المشاركة بينها وبين الدول العربية التي تعاني الظاهرة نفسها بما قد يساعدها على الاندماج فعلياً في منطقة الشرق الأوسط (7).

    ومن جملة التهديدات التي تتصورها إسرائيل امتلاك بعض الدول العربية نوعيات متطورة من التقنيات العسكرية الأمريكية والأوروبية مما يعرض التفوق النوعي الإسرائيلي للتآكل وازدياد أعداد الدول المالكة للصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في الشرق الأوسط والقادرة على إصابة أهداف استراتيجية في إسرائيل وازدياد كميات وأنواع الصواريخ في دول المنطقة مما يؤدي إلى اتساع التهديد الإستراتيجي التقليدي وغير التقليدي النابع من دول تقع وراء خط المواجهة (8).

    وعليه تسعى إسرائيل إلى تطوير القوة العسكرية لتواكب تلك التصورات حول التهديدات الممكنة من خلال جعل جيشها "جيش صغير وذكي" مستندة في ذلك إلى أربعة عوامل حافزة رئيسة:
    1ـ المتغيرات العربية والإقليمية والدولية.
    2ـ حساسية المجتمع الإسرائيلي تجاه الخسارات البشرية التي يقدمها في الحروب.
    3ـ التطور المتسارع في أنظمة الأسلحة بمختلف أنواعها، بحيث أصبح قسم كبير من هذه الأنظمة "ذكياً" وغزير النيران وطويل المدى.
    4ـ قدرة إسرائيل الصناعية والعلمية والتقنية (التكنولوجيا) المستندة إلى اللون الأمريكي المتنوع والغزير (9).

    وبالرغم من هذا التطوير في الفكرة السالف ذكرها فلم تبلغ بعد مستوى "النظرية المتكاملة" بقدر ما بلغ "عتبة النظرية" ذلك أن فكرة الجيش الذكي الصغير مع فترة التسوية التي بدأت منذ عام 1991 لم تبرز إلى حيز التطبيق العملي بشقيها معاً الذكي والصغير.
    حيث تدل الإحصاءات والمعلومات على أن الجيش الإسرائيلي يتجه إلى الحفاظ على حجمه وإلى التصاعد في تفوقه بشرياً ونوعياً وسلاحياً وتقنياً، ليصبح أكثر ذكاءً، دون أن يكون في المرحلة الراهنة أصغر حجماً.

    وترمي خطة تطوير الجيش الإسرائيلي إلى تحديث الجيش وتحسين نوعيته وتعزيز تفوقه من خلال توظيف الطاقات العلمية والثقافية الإسرائيلية وتشغيلها في مشروعات تطوير الأسلحة والاعتدة العسكرية وتوسيع دائرة الاكتفاء الذاتي من حاجة الجيش إلى الأسلحة والاعتدة بمختلف أنواعها ومن أجل ذلك وظفت لها ثلاثة موارد رئيسة:

    أولها الإنتاج المحلي للصناعة العسكرية الإسرائيلية وبخاصة أنظمة الأسلحة الهادفة إلى تعزيز القوة وأنظمة الذخائر،

    وثانيهما ما تقدمه الترسانة الأمريكية إلى إسرائيل من أسلحة ومعدات قتالية وذخائر متقدمة.

    أما المورد الثالث فهو الجندي الذي تم التركيز في الخطة على رفع كفاءته النوعية وتحسين مستواه الثقافي وتخصصه العسكري تحسيناً يبلغ درجة رفيعة (10) ومن أجل ذلك جرى التفكير في مقاربة هذا الهدف من المداخل التالية: تعديل المذهب العسكري وبخاصة جانبه القتالي من خلال التركيز على النوعية والتطور في بناء القوة العسكرية، بشقيها البشري والسلاحي، ومواصلة تطوير القوات الجوية بشرياً وسلاحياً حتى أعلى مستوى ممكن لتصبح القوة الضاربة الرئيسة والذراع الطويلة التي تستطيع بلوغ أبعد الأهداف في الدول العربية وسائر الدول المعادية في المنطقة وإعادة تنظيم الجيش على أساس منظومة من المبادئ المتكاملة والمترابطة منها تجنيد وتعبئة جميع الموارد الوطنية، تشكيل القوات الجوية والبحرية ووحدات الاستخبارات العسكرية، القدرة على القيام بالضربة الاستباقية الاجهاضية ونقل الحرب إلى أرض العدو فوراً، اعتماد استراتيجية الاقتراب غير المباشر وهو ما يتطلب تطبيق أسلوب الحرب الخاطفة وعناصرها كالسرعة والحركة والمناورة، القدرة على القتال في أكثر من جهة، من خلال تثبيت إحدى الجهات والتكامل مع الجبهة الأخرى، الارتقاء بنوعية الجندي الإسرائيلي، وتحسين نوعية الأسلحة واغزار النيران وتركيز تصويبها، مع الإقلال من الخسائر البشرية بكل وسيلة ممكنة (11).

    وتهدف الخطة أيضاً إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الإسرائيلي، وفي هيكلة الجيش، قيادةً وتشكيلات، والانتقال بالقوة المسلحة من حالة الحرب حكماً وحتماً إلى حالة الحرب أو اللاحرب احتمالاً، ومن القرن العشرين الزاخر بالحروب والنزاعات المسلحة إلى القرن الحادي والعشرين المتميز بالعولمة والفضائيات وثورة المعلومات ومن مذهب عسكري تقليدي يعتمد على النيران والتشكيلات العسكرية الكبيرة إلى مذهب عسكري يزداد اعتماده على الابتكارات التقنية والصاروخية والفضائية القادرة على الإسهام في شؤون الحرب وتصنيع أسلحة دقيقة ذكية تتولى صد هجوم عربي محتمل من مدى بعيد.

    لقد كانت خطة تطوير الجيش الإسرائيلي تقتضي بأن يمر الجيش في مرحلة تطور وسطية يستطيع فيها أن يملك قوة نيران جد كبيرة وغزيرة وكثيفة وقدرة متزايدة على توجيه الضربات دقيقة وبعيدة المدى، أعماق العدو، وعلى استيعاب الأسلحة الذكية مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالأسلحة التقليدية ذات المستوى التقني الرفيع، وكان عام 2000 هو الموعد لإنجاز المرحلة الوسطية، لهذا تناولت خطة التطوير للمرحلة الوسطية حوالي 600-700 مشروع وبرنامج، شملت الأسلحة والمنظومات والتشكيلات وبخاصة الصواريخ ومنظوماتها (12) ولعل الانتفاضة الحالية مختبر لهذه المرحلة الوسطية ومدى نجاحها.

    لنا أن نتصور أن القيادة العسكرية الإسرائيلية التي تقع تحت عدة عوامل مؤثرة، كمثل المتغيرات الإقليمية والأخص مسيرة التسوية السلمية، توجه نحو ضغط الإنفاق العسكري، إحياء المفاهيم الصهيونية والتوسعية العنصرية، إحياء مفهوم ضم الأراضي العربية المحتلة عن طريق استمرار الاحتلال والاستيطان ومد السيطرة والهيمنة الإسرائيليتين سياسياً واقتصادياً وأمنياً إلى أبعد مدى ممكن على ساحة الشرق الأوسط، وغير ذلك من العوامل لنا أن نتصور أن القيادة العسكرية الإسرائيلية التي تقع تحت تأثير هذه العوامل، ستجد أمامها عدة بدائل يشكل كل منها مفهوماً أمنياً هو إطار لتطوير إستراتيجيتها العسكرية أو، على الأقل، لتطوير بعض جزئيات تلك الإستراتيجية.

    البديل الأول، هو المفهوم الأمني الدفاعي، والأساس الذي ينطلق منه هذا المفهوم هو الحجة القائلة بأن الجيش الإسرائيلي يواجه مهمة جد صعبة، فمهمة اختراق خطوط العدو بهدف نقل الحرب إلى أرضه ستكلف الجيش الإسرائيلي ثمناً باهظاً جداً من الخسارات البشرية والمعدات، وحدود هذه المهمة محصورة في الوقت الراهن بالجبهة السورية التي تزخر بالأسلحة والقوات وفيها القدرة على المناورة، أما الجبهة اللبنانية فإن تجربة حرب 1982 يمكن أن تعيد نفسها ولو بصيغة أخرى، ومن المنتظر أن تظل الساحة الفلسطينية مفتوحة لعودة الاحتلال إليها وانتشار قواته في بعض أطرافها وهذا ما تجلى لنا في انتفاضة الأقصى 2000، وأما الجبهتان المصرية والأردنية فتحكمهما معاهدتا سلام. وسوف يعتمد تفوق إسرائيل في مسرح العمليات القادمة وبقدر كبير على سلاحها الجوي، كما حدث في حرب 1967 (13).

    أما البديل الثاني: هو المفهوم الهجومي، وهو يخضع لظروف الضغط الاقتصادي ومدى قدرة إسرائيل على تحمل أعباء جيش ذي حجم كبير، بالرغم من أن أساس هذا المفهوم يبقى الاعتماد على النوعية، بشراً وسلاحاً وتدريباً وأداءً وغزارةً في النار وعلواً في الكفاءة وحداثةً في التجهيز، ويأتي هذا كله ضد مفهوم تصغير حجم الجيش حيث يتعرض الاقتصاد مع هذا المفهوم الهجومي لاستنزاف طويل، وتنموا مع الجيش الكبير مفاهيم الضربة الاستباقية والحرب الوقائية وتكثر ذرائعها وتتولد مجموعة من الذرائع "الخطوط الحمراء" التي يؤدي اجتيازها التلقائي إلى عمليات عسكرية. وعليه سيجهز الجيش الإسرائيلي بمجموعة من الأسلحة والأنظمة المتطورة حيث تكون الطاقة التدميرية أقوى بكثير من الطاقة التدميرية للأسلحة العربية وفي غير هذه الحال سينزف الجيش الإسرائيلي قبل أن يتمكن من حسم المعركة (14).

    والبديل الثالث: الجيش الذكي الصغير: وهو الخيار الذي يستمد مقوماته من تجارب وخبرات صراع مسلح من نصف قرن من الزمن ويمثل خلاصة ما توصل إليه المجتمع الإسرائيلي المفرز أصلاً من الحضارة الغربية والمرتبط معها جذرياً وعضوياً ويضيف إليه ما تنتجه طاقاته العلمية التكنولوجية من انجازات.

    وأخيراً يبقى البديل الرابع هو الخيار النووي حيث تفيد التقارير الإسرائيلية أنه أصبح جاهزاً للاستعمال والخلاف يدور حول ما إذا كان من الضروري أن يوضع هذا الخيار في الجهيرة أم يبقى سراً كما هي الحال الآن، وفي جميع الأحوال، فإن إسرائيل ستحتفظ بسلاحها النووي سلاحاً رادعاً وحاسماً حين الحاجة ووسيلة للضغط والمساومة وضمان الأمن المطلق، وجاهزاً لتحقيق توازن نووي إقليمي إذا ما امتلكت إحدى دول المنطقة سلاحاً نووياً مشابهاً وعجزت إسرائيل عن تدميره.

    إن التسوية السلمية مبدأ تستفيد منه إسرائيل لاختيار السلام من ناحية ولاستمرار أيديولوجيتها المبنية على القوة والعنف من ناحية أخرى، وليس بالضرورة أن تدخل إسرائيل في حروب جديدة ولكنها بالضرورة ستشترك بقوة في صنع السياسات العسكرية في المنطقة من منطلق الشريك والخبير والمنتج للسلاح الذي تحتاجه المنطقة، وستحرص على ضرورة وجود عدو للمنطقة يتمثل في العراق ثم إيران، كما يتمثل في الأصولية إلى غير ذلك من نماذج للعدو حتى لا يوجد مبرر لأي هدوء يسود المنطقة، بجانب صياغة دور جديد للمؤسسة العسكرية يتمثل في التحالف مع الرأسمالية الصاعدة بهدف تحقيق التوسع الصناعي والسيطرة الاقتصادية على المنطقة في ظل مناخ السلام.

    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة