• الوطنية الفلسطينية بين عبثية المنظمة ووجدان الشعب
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

    الأسير إسلام حامد -   عدد القراءات :76 -   2018-12-11

    الأسير إسلام حامد


    لماذا أعود للماضي؟

    إذا ضللت الطريق أعود إلى جذور الأرض التي أنجبتني، تتحلل أفكاري بين ذرات التراب، تصبح من تكويني، فتعيد تصنيف الأجزاء في وجداني.

    وتلتئم الجراحات، ليصبح للتاريخ عبق، استشعر به ريح أرواح أجدادي، أو قرع الطبول المغيرة على حصون العدو، أو زمجرة الأسود الصائدة.

    أعود للبيت الذي بدأت فيه كل الحكايات، إلى شجرة (السماق) الوارفة، والتي امتدت جذورها حتى خالطت حجارة البيت، فكمن الشجر بالحجر، لأكون، الثائر الذي لا تلين عزائمي، انتفض على مكامن الخضوع، أتحرر من كل القيود، من كل الأسماء القبيحة، ومن اللحظات الدامعة، كي أكون الإنسان العظيم، الذي إذا وقع في قعر الظلمة، كان معي المصباح الذي يدلني إلى فجر الانتصار، ونور الشمس، فأنا لم أكن يوما لوحدي، لأني المهاجر إلى الله، كما أرادني أن أكون حتى انتفت كل الحواجز من حولي، وسقطت كل الأوراق وأنا ما زلت بمصباحي على الطريق.

    يحنو الفجر على كي لا تطول الطريق، أليس الصبح بقريب.

    هذا أنا الفلسطيني!!

    لكن أنت ماذا فعلت؟

    الحديث عن الماضي لا يملكه الواهمون، الذين يعبثون بنصوص التاريخ، كأنه ملك لهم فيغيرون الحروف، وزوايا الأحداث، والتي قالت كلمتها فلا تغيير لها. الواهم يظن أنه وبسلطة القهر التي يملكها يستطيع إجبار الحروف أن تجتمع في كلمات زائفة، لتغطي عين الشمس،وتقلب الحق باطلاً والهزيمة نصرا. لكل الواهمين، كيف تكون المعارك التراجعية انتصاراً؟ أو أن تكون البوصلة الاشتباك مع هذا النظام العربي أو ذاك من أجل الثورة؟؟

    وأنت تعبد الاحتلال عبادة، تحميه، تدنيه، تعطيه كل ما تملك، تقتل شعبك لرضاه، أو أسره وخنقه بيسراك، كيف لك أن تكون فلسطينياً حراً؟ قد يكون لك اسماً تعبر فيه عن كل المعاني إلا أن تكون فلسطينياً.

    التقديم:

    كان لابد لهذه المقالة أن تكون على هذه القافية لأن الأدعياء اليوم يصرون على كتابات بالية، وتسطير السطور بكلمات عاتية. وهم يعرفون أن لها لحناً يجلب عليها الذباب الساقط على جيف الأموات. القارئ لها يفهم أن مغزاها، منشؤها، ومرعاها، هو لتجميل الصورة وتغيير الحقيقة. لتصبح المقاومة محظورة، والتنسيق الأمني خياراً وطنياً لا بل قل إن الخيانة اليوم أصبحت مشروعا وطنياً [لهؤلاء]، الشمس لا تحجبها الحواجز، وعين الشعب الفلسطيني تبصر كل النوازل فلا تماثل.

    طبيعة المعركة:

    المعركة اليوم هي معركة وعي وهوية، تدور رحاها بين الأفكار الحقة أمام الباطلة، أو بين المبادئ التي تنسجم مع حقائق الواقع، لا تلك التي تعكس كل الحقائق، عدا عن الواقع، ووعي يقود إلى النباهة والحصافة في التعامل مع كل جوانب الحياة، يعبر [الوعي] عن الهوية الفلسطينية التي تمتد على مدى التاريخ، ولها شخصيتها المستقلة عن كل الحوادث، والتي جعلت الوطنية علامة لها، فهي [أي الوطنية] التي ارتبطت بالنضال ضد الاستعمار قديماً وحديثاً،فتقف على النقيض منه لا تساومه أو تهادنه أو تسالمه.

    ويلزم بخلاف ذلك [أن تكون لا وطنياً] وذلك بأن تتماهى مع الاحتلال، وتعمل معه على خدمته وأمنه وراحته، على حساب الشعب الذي تدعي وصلاً به زوراً وبهتانا. عندهم الوطنية هي جعجعة الكلمات وعواصف الحروف، وقرع الطبول، تظن حين سماعها أننا على أبواب النصر والتحرير، إلا أن الإثارة الناتجة عن جوقة التطبيل تلك، ما هي إلا السم في الفنجان، تسرق التفكير، وتصرف السامع اتجاه الهاوية.

    فتحت ظل الوطنية الموهومة ذبح الشعب الفلسطيني بيد العدو الصهيوني، أو بيد "الأكلة التي تتداعى إلى قصعتها"(1) من كل حدب وصوب.

    إذاً ما بين الوعي الجمعي المقاوم الشعب الفلسطيني، وهويته الوطنية المعبرة عن كل ما تحتويه فلسطين ما بين البحر إلى النهر، من قيم تاريخية ودينية وأخلاقية.ومن جانب آخر ادعاء (1)جزء من حديث صحيح.

    البعض الحق المطلق في التمثيل الشرعي للفلسطيني، كونه خالق الوطنية الفلسطينية ومنشؤها ومبدع المشروع الوطني الحديث.

    نتبين من خلال المقارنات الموضوعية التاريخية والتحليلية من هم اليوم أصحاب القضية وممثليها، ومن هم عابري السبيل على المشروع الوطني الفلسطيني.

    الإطار النظري:

    الجملة الأولى: حتى سقوط الدولة العثمانية[التركية].

    لم يكن في عهد الدولة العثمانية وحتى سقوطها هوية قطرية لمناطق العربية. لذا كان الانتماء السياسي للدولة العليا. لكن في نهايات الحكم العثماني ولعوامل عدة، خرج على السطح من يدعوا للقومية العربية والحاجة لأن يكون لها حضور ونسبة تمثيل ونوع من الاستقلالية عن المحيط العثماني وبعيداً عن التحليل في تلك الحقبة، إلا أن أدعياء القومية العربية تحالفوا مع المحتل الانجليزي وإلى حد ما مع الفرنسي.

    لإيجاد كيانية عربية موعودة تحكمها قيادة عربية مستقلة، بمساعدة المحتل، كما حصل مع [ الشريف] حسين مكماهون لكن وفي نفس الوقت كان للمحتل وجهة نظر أخرى مخفية للأحداث. فاعتبر [أي المحتل] الحديث عن القومية العربية أنها الأداة القوية التي يمكن أن تقود إلى تمرد على العالمية الإسلامية والمتمثلة بالدولة العثمانية [التركية] فساعد المحتل وحرض وزين لها كل السبل التي تمكنها من بلوغها مبتغاها.

    وكانت كما سجلها التاريخ [أي القومية العربية] هي المطية التي من خلالها احتلت البلاد العربية الإسلامية وعلى رأسها فلسطين [بيت المقدس]، والتي ندفع ثمنها حتى اليوم كشعب تحت الاحتلال، وما زال أدعياء القومية هم الوسيلة الطيعة التي يملكها الغرب المستعمر ليدوس على كل القيم والمبادئ والأحلام العربية و الإسلامية.

    الجملة الثانية: ما قبل عام 1948م.
    تبين أن ما بعد الحرب العالمية الأولى، وسقوط الخلافة العثمانية [التركية] أنه تم ترسيم خطوط طول وعرض جديدة في المنطقة العربية، وقسمت البلاد بشكل أساسي بين الاحتلالين الإنجليزي والفرنسي، ووضعت البلاد العربية إلى حد كبير تحت الوصاية الإنجليزية الفرنسية مع وصاية إيطاليا وإسبانيا والبرتغال على بعض الدول العربية في إفريقيا.

    داخل خطوط التقسيم الجديدة ظهرت خارطة فلسطين لأول مرة على هذه الشاكلة من رأس الناقورة شمالاً إلى أم الرشراش [ ايلات] جنوباً، ومن البحر الأبيض المتوسط غرباً إلى نهر الأردن شرقاً.

    في هذه المرحلة الزمنية تصدر المشهد الوطني زعماء العائلات الكبيرة ومشايخ الإفتاء والقضاء الشرعي، ورئاسة الكنائس المسيحية وخصوصاً الشرقية منها. فقادوا البلاد إلى رفض الاحتلال الإنجليزي لفلسطين [بالحدود الحديثة]ومن ثم الانتداب عليها. عدا عن رفض الهجرات اليهودية وتملكهم الأراضي الفلسطينية، وخصوصاً الزراعية منها. وعليه بدأت مظاهر الرفض تأخذ أشكالاً عدة. تحريضية سلمية وصولاً إلى العسكرية، كما في ثورة البراق والقسام وثورة عام 1936م، مروراً بالجهاد المقدس وجيش الإنقاذ وصولاً إلى عام 1948م [عام النكبة].

    والنظرة السريعة للحالة المقاومة في هذه المرحلة يتبين أنها ذات نزعة دفاعية واصطلح عليها [بالفزعة] والتي كان رائدها هو الفلاح الفلسطيني. وهي [أي الفزعة] التي تحمي الأرض والعرض، لا يوجد دافع فكري لذلك بل هي الفطرة الإنسانية السليمة التي تقود الفلسطيني إلى ردة الفعل هذه. وهذا لا ينفي وجود قناعات سياسية، ودينية ومصلحية عند البعض الفلسطيني، فكان هناك من تبنى الاتجاه الإسلامي كما هو الشيخ المجاهد عز الدين القسام وجمعية الشبان المسلمين والإخوان المسلمين وأنصارهم ممن يدعوا للعودة إلى الأمة الإسلامية،[والجامع لها هو الخلافة] هذا من وجهة. ومن وجهة أخرى كان هناك آل الحسيني وأتباعهم وأحلافهم من العائلات الفلسطينية الذين دعوا إلى سوريا الكبرى، والتي من ضمنها القطاع الجنوبي[فلسطين] التابع لسوريا. وآخر يدعو للانضمام إلى الأسرة الهاشمية وهي مناطق [ الشريف حسين وأولاده] إمارة شرق الأردن ولاحقاً العراق.حتى اللحظة كانت [الهوية الفلسطينية] كمصطلح تائهٍ بين الولاءات المتعددة، ولم يكن لها شخصيتها المحورية بعد. مع تحذير جماعة الإخوان المسلمين منذ البداية [التاريخ] من خطر اليهود ووجودهم على الأرض الإسلامية[ بيت المقدس].وأهمية هذه الأرض الدينية بالنسبة للمسلمين واضحة في السور القرآنية، والأحاديث النبوية، فهي قلب الأمة ومركز الصراع كما هو معلوم في فكر وتوجهات الإخوان المسلمين إلا أن الحالة العربية والفلسطينية لم تكن تسمح فكريا وثقافيا وموضوعيا لإيجاد تعريف واضح للهوية الفلسطينية، عدا عن جذورها [الوطنية الفلسطينية].

    فهول الهزيمة وتشتت المجتمع العربي، وولاء الدول العربية العاشقة لبريطانيا وفرنسا منع إيجاد الصيغة المعبرة عن الهوية الفلسطينية عدا عن شكل الهوية الفلسطينية.

    الجملة الثالثة : عام 1948 م المعركة والسقوط

    لم تكن المعركة!! سوى طلقات الخلاص والبحث عن الحرية الصادرة عن حرارة الروح الصاعدة إلى بارئها.هم رجال الأرياف اللذين تجمعوا في مناطق الاشتباك الممتددة من شمال فلسطين إلى جنوبها بأقل القليل، لا يدفعهم شيء لذلك سوى ريح التراب المجبول بعرق الأجداد، فهم أهل النخوة والعزيمة. أو ذاك الأسد الهصور الذي تنقل بين حواري القدس يعلن النفير، ويشحذ الهمم بين الأهالي والرجال الرجال الذين سطروا بدمائهم تعريفا جديدا للمقاومة والجهاد في زمن التخاذل والإذلال، هو المجاهد القائد عبد القادر الحسيني الذي ترك فلسفة السياسة ومجاجتها لأصحابها، وأعلن أن المحتل لا حديث معه إلا بالرصاص ودوي التفجير فسار معه الأبطال نحو الثغور المتقدمة، التي شهدت بأس الرجال وصنيعهم، فسقطوا جميعا شهداء في معركة الفصل بين الثابتين على جمرتي الوطن والدين ، وأشباه الرجال الذين تلبسوا أشكال الرجال.

    وكتائب الإخوان التي صالت وجالت على الأرض الفلسطينية، تبث صيحات الجهاد فوق الجبال والوديان. تحث الخطا نحو ميدان المعركة، فهم قد تربوا على نصرة الدين وفلسطين مركز الصراع في أفكارهم، وها هي جولات القتال تناديهم فثبتوا وانتصروا في كل المعارك، وزفوا أحبابهم شهداء للأرض المقدسة، عشقوها فعشقتهم فلسطين.

    ومن جهة أخرى كانت الجيوش الهلامية جيوش العرب بقيادة جلوب باشا- الإنجليزي الأردني هو الضابط الاستخبارات البريطانية الذي مكن البريطانيين اليهود على الأرض الفلسطينية، كما تم تمكين الأسرة الهاشمية في الأردن والعراق –تقود فلسطين إلى الهاوية، فالمحيط العربي بمئات الملايين من البشر والآلاف المؤلفة من الجنود لم تستطع أن تقف أمام شرذمة من الناس سموا أنفسهم[ جيش الدفاع الإسرائيلي] وهم شرذمة من الجماعات الإرهابية التي تربت على قتل كل أنواع الحياة كما تأمرهم أسفار الدم اليهودية [المحرفة عن التوراة] كأنها مسرحية كوميدية سوداء لا طعم لها ولا ريح، سوى قباحة أشكالهم يرميهم التاريخ اليوم بأقذع النعوت والصفات، حتى ينتبه قارئ التاريخ لهم فيتحاشى أن يكون منهم أو مثلهم.

    الجملة الرابعة: النكبة وما بعدها، تشرد الشعب وضياع الوطن ومئات الألوف من الناس يهيمون على وجوههم إلى المنفى القسري بلا وجه تقودهم أرجلهم إلى أبعد مدى، شعور بالغدر والخيانة ممن ادعى العروبة والخوف من المستقبل، تيه جديد يكتب في التاريخ ليس لأنهم عصوا ربهم كما فعل قوم موسى بل لأنهم لم يكتشفوا ذواتهم ولم يحملوا معها البندقية ففقدوا البوصلة وضاعت بهم السبل، سموا باللاجئين الفلسطينيين وعلى الأرض كانت تفرض حقائق، لقد تم إعلان قيام دولة الاحتلال الصهيوني على ما حصلت عليه من أرض فلسطين ولم يكن ليحدث الأمر لولا عدة عوامل منها لا على الحصر وجود نوع من الناس يتبنى أفكار وعقائد دينية تحثهم على إقامة دولتهم، وتوحد الميليشيات الإرهابية اليهودية تحت أهداف واضحة ومحددة أدت إلى قيام دولتهم، ودعم الحركة الصهيونية العالمية، ومن وقف معها من الدول الغربية والشرقية جعل هذه الخطط أمرا واقعا. في حين كان الفلسطينيون محارَبون من كل الجهات وحالت تناحر طبقية وعائلية بينهم وعدم وقوف المحيط العربي الرسمي مع الشعب الفلسطيني بل كما شهد التاريخ تواطؤهم مع السيد البريطاني والمحتل اليهودي لإطفاء نور الشمعة التي أشعلها الأحرار من الشعب الفلسطيني، ضاع الوطن، الأرض، كل ما نملك، وأصبح للقطاء اليهود القادمون من كل أنحاء العالم[ دولة] على الأرض الفلسطينية وعلى حساب الدم الفلسطيني.

    الجملة الخامسة: قيام الشعب والبحث عن الهوية بين يوم وليلة، أنت لا تملك أرض ولا بيت أنت الآن ساكن خيمة تعيش حالة من الفوضى الكيانية، تفكك الكون من حولك، لم تعد تؤمن بشيء، لا يوجد لك في هذه الدنيا شيء وأنت الضحية، تشعر بالانحطاط حتى لامست الحضيض، وتختنق، فلا هواء يكيفك، هبط الليل عليك ولم يعد هناك فجر، الشعب كله ينظر إلى نفسه، والصدمة المهولة التي دفعت على وجوه الناس، تحدث مشاهدها بلغة الصمت. حتى هذه اللحظة لم يكن "الوطنية القطرية كشعار" تربط الناس بقيم وعادات الأرض الفلسطينية حضور. كون الفاجعة كانت عميقة جدا كأنها جمعت الناس في المحشر،لكن في ثاني أيام التشريد (اللجوء)استيقظ الناس على تساؤل مشترك من نحن؟ هنا كان البحث عن الإجابة الشافية والتي ستقود إلى البحث عن الهوية والمفقودة وعن السبل التي تؤدي إليها.

    وجد الفلاح –لا على الحصر- نفسه أمام مجتمعات عربية تستضيفه كلاجئ تساعده ،وتعطيه كل ما تملك، فالشعوب العربية كانت وما زالت السند القوي للشعب الفلسطيني، لكن اللاجئ الفلسطيني لم يكن يريد المساعدة من الغير فقط ، فبعد العودة من سكرة الموت ليجد نفسه في واقع اللجوء جعله يتساءل عن عوده الذي سلب الروح من الجسد المتعب!؟ ومن خان فلسطين؟ وكيف أعود إلى بيتي إلى[ سقيفتي]؟ تداعت – القومية العربية الجديدة [التابعة لمصر] والحركة العلمانية لاحقاً فتح ،واليسارية ومعها البعثية التابعة للشيوعية السوفيتية، والحركة الإسلامية، تبنت الأمة وحفيدة الخلافة هذه الحركات والتوجيهات الفكرية للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، وعليه أصبح الفلسطيني علمانيا أو يساريا أو قوميا أو إسلاميا، وذلك حسب الإجابات التي لامست الحقيقة التي يبحث عنها ،ومنه أصبح لديه أفكار وجماعة يؤمن بها، تدله على الصواب والخطأ، وعلى الطريق التي ستقوده للعودة إلى الوطن، كما يظن!!هنا وإلى حد ما حصل اللاجئ على الإجابات التي عرفته بالهوية الوطنية الفلسطينية من منظور كل تيار فكري، [البعض تمسك بكل ذرات التراب واعتبرها ذات قيمة عظيمة وتعبر عن كل المعاني التي تقود إلى شكل الهوية الفلسطينية، في حين أن البعض الآخر تخلى عن كل القيم والعادات والتقاليد الفلسطينية، وزرع بدلاً منها أفكارا شاذة مستوردة من الغرب المنحرف واعتبر أن مسمى فلسطين يشمل فقط 22% من مساحتها الكلية حسب الخطوط الجديدة ، وباقي الأراضي ملك وحق للشعب اليهودي، كما تبين من رسائل الاعتراف المتبادلة بين ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية في حينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي "إسحاق رابين" حين كتب عرفات بأنه يعترف بأحقية وجود الشعب اليهودي على الأرض الفلسطينية، والذي اعتبر أن الأمن مقابل السلام ومنه حماية اليهود من خلال التنسيق الأمني المقدس كما ذكره عباس لاحقاً،هو التعريف الجديد للمشروع الوطني الفلسطيني وللهوية الفلسطينية. فمن مقاومة الاحتلال الصهيوني بالأمس أصبح اليوم يقاوم المقاومة ويحارب الشعب الفلسطيني لصالح الاحتلال الصهيوني. تبدلت المفاهيم والقناعات وتحولت أسماؤهم من اللغة العربية إلى العبرية وأصبحت قبلتهم الجديدة تل أبيب" انتهى.

    وعليه تكونت الفصائل الفلسطينية وتجمع اللاجئون تحت ظلالها بحثا عن لحظة التحرير. سنوات من المآسي والمعارك والدماء مرت على اللاجئ الفلسطيني في سبيل العودة لكن لم يعد اللاجئ حتى اليوم إلى بيته وما زال البحث عن الهوية الوطنية مستمراً عند الأحرار من أبناء الشعب الفلسطيني، في حين تقوم الحركة السلولية*بتجهيل وإلهاء الشعب الفلسطيني عن قضاياه المصيرية واستبدالها بثقافة التنسيق الأمني والانهزام.

    الجملة السادسة:حركات التحرير الفلسطينية

    تحزب اللاجئ الفلسطيني في حركات عدة لها امتداد عربي ودولي، لما جعل اللاجئ ينتمي أيضاً إلى الجهات الخارجية، المنشئة لجماعة والداعمة لها . وهذا في حقيقة الأمر جعله يبتعد أكثر عن الهوية الوطنية الفلسطينية وذلك حسب تعريف هذه الحركات لها، وأيضاً ابتعد أكثر عن التحرير الموعود، وظن أن حمل السلاح هو الذي يعطي الشرعية لحامله،وأن يكون صاحب الحق في تقرير كيف نعّرف [فلسطين].
    فوضى الأفكار والولاءات لجهات عدة وليست فلسطين واحدة منها –قادت إلى الكثير من الانشقاقات، وهذا أوجد ثورة داخل الثورة التي ستقضي على المرض الثوري، وحالة التشرذم الفكري والاجتماعي والسياسي.

    وهنا حصل الكثير من التحيزات العقائدية والفكرية [التي] قادت إلى انقسامات وانشقاقات فيما فلسطين تذهب تحت نير الاحتلال"**.
    *. نسبة لابن سلول
    **. يزيد صايغ/ الكفاح المسلح والبحث عن الدولة/ص111

    هذا من جانب الفكر والعقيدة، وفي السلوك المقاوم تبين أن هناك مغامرات لا حصر لها تحت ظل هذه الحركات، في التحليل تبين بأن حالة" الخواء هذه ناجمة عن ضعف المبنى الأخلاقي لحركات التحرر الوطني"***.

    ***.ماجد كيالي/23-1/2016/عن خواء حركات التحرر الوطن.[مقال]
    ويأتي المبنى الأخلاقي من القيم والمفاهيم التي تتجذر في مفهوم الثقافة ، والثقافة هي الواجهة الأخرى للسلوك ، فإذا انعدم السلوك السليم والثقافة والمعنى الأخلاقي حينئذ يصبح لدينا كيان وظيفي يعمل كالمرتزقة عند من يدفع أكثر ، وأيضاً تميزت هذه الحركات ب"قلة الحساسية وقلة الحصانة السياسية"1"، وكان واضحاً "قلة حساسية هذه الحركات إزا ء جرها شعب فلسطين إلى بذل التضحيات من دون حساب منذ [أكثر] من 50 عاماً. بل الذهاب إلى حد الاقتتال الجانبي، أكثر من مرة في لبنان[الأردن_ أيلول الأسود 1970]وكما حصل في صيف 2007 في غزة وفي الانخراط في الحرب الأهلية اللبنانية، والمشاركة في القصف المدفعي الأعمى لمناطق مؤهلة بالسكان بدعوى أنها مناطق [انعزاليين]"2". حيث امتصت سنوات الحروب الفاشلة والشعارات الفارغة والجماهير غير المعبأة، وانعدام الكفاءة ، وانتشار الفساد، حيوية مجتمعاتنا /إدوارد سعيد/.

    ومن قلة حصانة هذه الحركات "نقص حمولات الحرية في إدراكات حركات التحرر الوطني إذ أنها تحابي النظم الاستبدادية__واليوم تحابي الاحتلال كما يفعل العبد مع سيده_ التي تستمد الدعم المادي والتسليحي والسياسي منها،وما يضر بقضيتها___ إن كان لها قضية أصلاً، فلقد تبين أن هم هذه الحركات اليوم هو السعي الدائم لحماية الاحتلال الصهيوني ومستوطنة، كأنه جندي الارتزاق الذي يعمل عند من يشغله، من أجل الحفاظ على الأمن الإسرائيلي تحت مظلة السلام الموهوم—أكثر مما يفيدها، كما أن ذلك يؤدي بها إلى تأجير قضيتها وتضحيات شعبها لمصلحة هذه الأنظمة[أو حتى لمصلحة العدو الصهيوني نفسه].[3]

    فحالة الارتزاق بالأمس لصالح العراق ضد الكويت ولصالح ليبيا في إفريقيا،واليوم حالة التنسيق الأمني المقدس لصالح العدو الصهيوني،تعبر بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الحركات وما تمثله ما هو إلا الهزيمة والغثائية المحضة بعينها، لذلك لن يجلب المهزوم أبدا النصر لشعبه. [1] ماجد الكيالي/23-1-2016/عن أضواء حركاتنا التحرر الوطني[مقال].
    [2]مرجع سابق.[3] نفس المرجع

    هذا ما برعت به منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة حركة فتح، وعليه ومن كل ما سبق نقول: سقطت الوصاية الوطنية "الزائفة" لمنظمة التحرير على المفاهيم الفلسطينية وعلى رأسها [الوطنية والهوية كمفهومين] وذلك بما تم إقراره وتنفيذه من قبل المنظمة: من عمالة وارتزاق وخدمة للسيد الصهيوني،ومن التنازل عن فلسطين للأغراب ومقاومة المقاومة ....الخ.

    فاليوم المنظمة الحاصلة على ترخيص مزاولة مهنة تحرير فلسطين من قبل الاحتلال الصهيوني والمتواجدة تحت ظله وحمايته في رام الله،ومنها سلطتها الأمنية اللا وطنية ما هي إلا الإرث والامتداد الاستعماري والمقدم بالنسخة العربية.

    سقطت المنظمة في كل المحطات، تراجعت على الأرض المرة تلو الأخرى، وفي الفكر والثقافة والقيم أصبحت أكثر اضمحلالاً كلما مر عليها الوقت.

    ففي المنظمة ولسنوات طويلة لم تكن الوطنية الفلسطينية حقيقة، بل كانت كالسلعة التي يتم الاتجار بها لصالح القيادة ومن معها من التجار.

    لذلك بقيت الوطنية الحقيقة في حالة من الضياع ،حتى البعث الجديد للمقاومة الفلسطينية، والتمثيل بخروج حركة المقاومة الإسلامية" حماس" إلى السطح[وريثة جماعة للإخوان المسلمين]. هذه الحركة التي أعادت البوصلة إلى القدس وجعلت من العودة القضية التي لا تنازل عنها، وتحرير فلسطين وكل التراب، الهدف الاستراتيجي،والأفعال تدل على ذلك، وما تحرير قطاع غزة بقوة السلاح ،والانتصار في الحروب اللاحقة ،ليس عنا ببعيد

    الخلاصة":

    تناولت هذه الورقات سرد مختصر لتاريخ فلسطين العامر فيما يتعلق بالوطنية وتقلباتها فهناك فصل بين الوطنية المشاعر تربط الفلسطيني بالأرض وما تحتويها ، وهي [أي الوطنية] على هذه الشاكلة ممتدة منذ أن أقام الكنعانيون حضارتهم على هذه الأرض حتى يومنا المعاصر والذي يدفع أحفاد الكنعانيين الأوائل الدماء الزكية ثمناً لحريتهم وكرامتهم. في حين عاصرنا خلال العقود القليلة الماضية نشوء الوطنية القَطرية، وكيف تم تفسيرها حسب المدارس والاتجاهات الفكرية المعاصرة.فمنها من تاجر بالوطنية حتى تماهت مع الاحتلال وثقافة الغرب، ومن جهة أخرى كانت الحركات الإسلامية التي ربطت الوطنية بالدين فأصبح لها قداسة وحرمة لا يمكن الاعتداء عليها . ففلسطين لها مكانة دينية خاصة في قلوب المسلمين، فهي المذكورة في آيات القرآن كما في سورة الإسراء، وهي القبلة الأولى للمسلمين والأحاديث تطول في فضل بيت المقدس وما حولها، وما الرابط بين الكعبة والمسجد الأقصى في حادثة الإسراء والمعراج ما هو إلا زيادة وتأكيد على هذه المكانة المقدسة. لذلك توافقت الوطنية الفِطرية كمشاعر موجودة في تكوين الناس مع طرح الحركات الإسلامية- وعلى رأسها حركة حماس- للوطنية من منظور ديني، هذا التوافق أكد على طهارة وأصالة هذا المصطلح في حين الطرف الآخر الذي تلبس بلبوس الوطنية ونادى لها في المنابر وصرخ حتى أزعج الأموات في القبور، تبين أنه عميل للاحتلال الصهيوني يسعى بكل ما يملك لحمايته وخدمته والسهر عليه.

    وللحقيقة بقية......


    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة