• الصهيونية.. المحرقة الأكبر بحق اليهودية (1)
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

    عماد أبو عوّاد -   عدد القراءات :117 -   2018-04-16

    تُحيي الدولة العبرية، في كل عام ذكرى المحرقة النازية، التي ارتكبتها ألمانيا النازية بحق اليهود في أوروبا، خلال الحرب العالمية الثانية، وجعلت ""إسرائيل"" من تلك المحرقة، شمّاعةً استطاعت من خلالها، تحقيق الكثير من المكاسب السياسية، وكذلك الاقتصادية من خلال قبولها التعويض من ألمانيا[1]، تعويض وجّه بنقض كبير من أوساط يهودية وازنة.

    لا تكمن المشكلة فقط بطبيعة التعويض، وإنّما في سهولة قبول التعويضات، وتوقيت القبول، حيث لم يكن قد مضى على المحرقة سوى بضع سنوات، الأمر الذي يدفع للتساؤل، لماذا بهذه السهولة تم قبول التعويضات؟، وكيف استطاع بن جوريون الذي ربما سيصنف الشخصية الأكثر تأثيراً في تاريخ الحركة الصهيونية، أن يتجاهل تلك الجراحات التي لم تندمل ويوقع ذلك الاتفاق؟.

    في هذه السلسلة من التقارير، التي سنقدمها في مركز القدس، ستتمحور حول الصهيونية، وانعكاساتها السلبية على الديانة اليهودية، وعلى مجموع من يدينون بها في العالم، وكيف مثلت الصهيونية عبئاً إضافيا على يهود العالم، وتحديداً الشرقيين منهم، والجزء الأكبر من الغربيين، في صورة باتت أكثر اتضاحاً في السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد صعود الصهيونية الدينية، للسيطرة على المشهد الإسرائيلي، وعلى مفاصل حساسة في الدولة.

    وإن كانت الأعمال تُقاس بالنتائج، ستتركز الزوايا التي ستطرقها هذه السلسلة، حيال تأثير الصهيونية على اليهودية في جوانب متعددة، أولاها أنّ الصهيونية قادت اليهودية إلى مسارات جديدة من العداء العالمي، وإن كان اليهود قد خسر الغرب منذ زمن بعيد، على خلفية الخلافات العقائدية، المؤسسة على النظرة لمسيح عليه السلام، فقد عاش اليهود حياتهم في الشرق، وكما اعترف اليهود أنفسهم، بالصورة المثالية، التي جعلت منهم جزءاً من فسيفسائه، ومركباً أساسياً من مكوناته، إلّا ما بعد تأسيس الحركة الصهيونية، وبدء تقارب التيارات اليهودية الشرقية مع الدول الاستعمارية، والتي ساهمت ببدء تدهور النظرة لليهود، كما يُشير لذلك جلعاد منيب[2].

    التقارب اليهودي مع الاستعمار، وإن كان في البداية، سُلك على يد مجموعة ضيقة من اليهود، لم يكن وليد طبيعة التعامل الاستعماري مع اليهود فحسب، ورغبة من بعضهم للطعن في الدول العربية والإسلامية، بل كان بناءً على وعد الدولة اليهودية، والتي بدأت تداعب أحلام اليهود، فدفعت جزءاً منهم للحضن الاستعماري، كخطوة أولى في تأسيس حلم الدولة، والذي لم يكن وليد بنات أفكار الحركة الصهيونية، بل كما هو معلوم فإنّ فكرة الدولة العبرية، هي فكرة غربية انتقلت من الغرب للعقلية اليهودية[3].

    من جانب آخر، فقد ساهمت الصهيونية بفرض تيارات دينية مختلفة على اليهودية، تلك الديانة التي عرفت تجانساً عبر تاريخها الطويل، رغم وجود شخصيات علمانية ظهرت من رحم اليهودية، إلّا أنّ الصهيونية، فرضت على اليهود، بزوغ نجم تيارات جديدة، تيار يتبنى تطويع الدين للطموح الصهيوني، وتيار آخر متمسك بالتشريعات الدينية كما وردت، وبات يُعاني من نظرة عدائية داخلية، وتياران آخران، إصلاحي ومحافظ، لا تعترف الدولة بهم كتيارات رسمية[4].

    هذه الخلافات لم تتوقف عند حدود المألوف في طبيعة التعاطي معها، بل دفعت رجالات الدينية الصهيونية، كالراب شلومو ابينار وغيره، إلى اعتبار أنّ التيار الغالب من يهود العالم، وتحديداً غالبية يهود الولايات المتحدة، اللذين يُشكلون 40% من مجموع يهود العالم[5]، على أنّهم ليسوا يهودا، وغير مرتبطين باليهودية والدولة العبرية.

    جانب آخر، خلقت فيه الصهيونية نوعاً من الحرق الداخلي لليهودية، تمثل في إيجاد طبقية داخلية واضحة، جعلت اليهودي ذي الأصول الغربية، رأس الهرم فيها، فيما كان للشرقيين النصيب الأكبر من المعاناة والاضطهاد، حيث اعتبر ايلاي امينوب، أنّ استجلاب اليهود الشرقيين للدولة العبرية، لم يكن من منطلق الحلم المشترك لليهود، بل كان لسدّ حاجات السوق من اليد العاملة، والتي كانت تحتاج لفئة من درجة أقل[6].

    هذا الاضطهاد، والذي هو جانب من جوانب الصهيونية، التي جعلت الطبقية مكوناً أساسياً رافقها منذ نشأتها، من حيث السيطرة المطلقة لفئة غربية عليها، أوصل الشرقي لقناعة الدونية في دولته، بعد أن كان مواطناً، كغيره في دولته الأمّ، فبات يكتوي بنيران الصهيونية، تحت شعار لا مناص، علينا الاستمرار ويكفي للتدليل على ذلك، أنّ الشرقيين اللذين باتوا أغلبية الدولة لم يصل أيّاً منهم لرئاسة الوزراء، أو حتى الشاباك أو الموساد.

    الأبعد من ذلك، ما طرحه الراب مروين انتلمان، بأنّ الصهيونية جاءت لتغيير الديانة اليهودية، وتحديداً ليهود الشرق[7]، والهدف من ذلك، كان تطويع هذه الفئة للأهداف الصهيونية، التي في ظاهرها مصلحة يهودية، وفي باطنها عبءٌ كبير على الصهيونية، ستظهر آثاره بشكل أكبر كلّما ضعفت الدولة العبرية، وشارفت على الانهيار.

    فهل كانت الحركة الصهيونية هي مجرد أداة استعمارية، تسعى لتحقيق مصالح ومكاسب لفئة معينة، أو لمشروع معين، قد يظهر ذلك بوضوح، فيما كتبه يوسي جوربيتس، بأنّ الحركة الصهيونية عطّلت عمل الولايات المتحدة، من أجل منع المجازر الهتلرية بحق اليهود، خوفاً من نزول فكرة إقامة الدولة العبرية من أجندة يهود الغرب[8]، الأمر الذي يدعوا للتساؤل، إن كانت المصلحة اليهودية فوق كل اعتبار، فلماذا أقدمت الحركة الصهيونية على ذلك؟، يُمكن القول، لأنّ الدولة العبرية، هي مصلحة صهيونية، وليست بالذات مصلحة يهودية، وإن التقت اليهودية أو جزء من تياراتها مع الحركة الصهيونية.

    ختاماً، الصهيونية واليهودية ليستا أمراً واحداً، وربما تبدأ الصهيونية من لحظة القضاء على اليهودية، والصهيونية ليست استمرار لليهودية، بل كما يصفها حاييم هزاز، هي تدمير واقتلاع لليهودية[9]، وربما ستثبت الأيام إلى أيّ درجة كانت الصهيونية، بزرة آخرين، أرادوا من خلالها، تحقيق مصالح، وضرب مشاريع، وإن كان بشعارات يستأنس بها بعض اليهود.

    لا يُفهم من هذه السطور، إعفاء اليهودية من كارثة الصهيونية، فقد كان التيار الغالب من اليهود، مرجحاً الكفّة لصالح الحركة، وإن كان ذلك في كثير من الأحيان، بفعل أعمال مسبقة، انتهجتها الصهيونية، لدفع اليهود لقبولها، وللتماشي مع طبيعة الحراك الذي انتهجته، كما ستستعرض الحلقات القادمة من هذه السلسلة.


    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة


دراسات عسكرية

الصحافة العبرية

لنؤدي التحية لغزة
بقلم جدعون ليفي هآرتس - 15/7/2018

عرس الدم
بن كسبيت -معاريف 15/7/2018


شاهد المزيد