• العاصمة الفلسطينية التي تقلقهم
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

    محمد السهلي -   عدد القراءات :22 -   2017-12-07


    تسعى واشنطن إلى وضع القدس في ميزان المقايضة مع شروطها على الحالة الفلسطينية

    بعد عام فقط من تشكيل السلطة الفلسطينية، وانهماكها في مفاوضات ماراتونية مع الاحتلال وفق «أوسلو»، قرر الكونغرس الأميركي أن القدس عاصمة إسرائيل، وطالب بنقل سفارة واشنطن إليها.

    يحمل هذا القرار من الدلالات ما يكفي لأن تدرك السلطة منذ ذلك الوقت مآل المفاوضات التي انخرطت بها، وتعرف أن الولايات المتحدة قدمت للاحتلال غطاء سياسياً لتكثيف حملات تهويد المدينة، وإخراجها من سياق البحث في مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

    ومنح الكونغرس الرئيس الأميركي صلاحية تأجيل تنفيذ القرار مرتين في السنة. وكان هذا بمثابة امتحانات نصف سنوية تدرس عبرها الإدارات الأميركية المتعاقبة حسن أداء السلطة والتزامها قواعد التسوية ومحدداتها؛ ويتخذ بالتالي الرئيس قرار تأجيل التنفيذ، أو يرى غير ذلك.

    ومنذ العام 1995، تطمئن السلطة نفسها بأن تكرار التوقيع الرئاسي الأميركي على تأجيل التنفيذ مؤشر على أن الأمر بات أتوماتيكياً، حتى وجدت نفسها أمام اجتماع شروط واشنطن وتل أبيب، والتي يؤدي التزام تنفيذها إلى نتائج لا تقل خطورة على نقل السفارة فعلياً.. إن لم تكن أخطر.

    شهد العامان الماضيان محاولات إسرائيلية مكثفة لفرض إجراءات احتلالية على القدس وسكانها تمس مكانة المدينة وهويتها الوطنية. وقوبل سعيها إلى تقسيم الأقصى مكانياً وزمانياً بهبة شعبية واتسعت فيها جبهة المواجهة مع الاحتلال من الضفة إلى أراضي الـ48. وفي هذا العام شهدت القدس هبة قام بها المقدسيون رفضاً لإجراءات الاحتلال على بوابات الأقصى ومحيطه، واستطاعوا حمل تل أبيب على التراجع عن هذه الإجراءات.

    ردات الفعل القوية هذه، جددت قناعة واشنطن وتل أبيب بأن مسألة الدفاع عن القدس في مقدمة الأولويات الوطنية الفلسطينية، وأن معركة الدفاع عنها ستحوز اهتماماً لا تستطيع العواصم العربية والإسلامية تجاوزه، بغض النظر عن مساهماتها العملية في دعم هذه المعركة.

    ومن الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان وضع هذه القضية الهامة والحساسة في ميزان المقايضة مع تنفيذ شروطهما التي ألقاها المبعوث الأميركي غرينبلات على مسامع قيادة السلطة الفلسطينية، دون أن يعني ذلك أن مشاريع الاحتلال تجاه المدينة وأهلها قيد التجميد؛ ويؤكد صحة هذا الاستخلاص، القرار الذي اتخذه الكونغرس بالإجماع قبل أيام ويخفض فيه قيمة المساعدات الأميركية المقدمة إلى السلطة الفلسطينية بمقدار ما تدفعه منظمة التحرير كرواتب لأسر الشهداء والأسرى، والتي كان وقفها أحد تلك الشروط.

    وبحكم التجربة، مع الاحتلال والولايات المتحدة، يأخذ الطرفان حصتهما من أية مقايضة يطرحونها على السلطة؛ عبر المزيد من التنازلات السياسية في عملية التسوية، دون تقديم الشق الخاص بهما في هذه المقايضة.

    حصل ذلك مع إطلاق الجولة الأخيرة من المفاوضات في العام 2014، عندما وعدا السلطة بإطلاق سراح أربع دفعات من الأسرى الفلسطينيين في مقدمهم قدامى المعتقلين، وعندما لم يستطع المفاوض الفلسطيني إكمال عملية التفاوض بسبب إفراغها من مضمونها على يد الاحتلال واستمرار نشر الاستيطان في الضفة والقدس، أوقفوا عملية إطلاق سراح الأسرى وبقي المعتقلون القدامى في زنازينهم. وقبل نحو عشرة أعوام، كان تخفيف الحصار على التجمعات الفلسطينية في الضفة وإزالة الحواجز العسكرية يشكل بوادر زرع الثقة من قبل الاحتلال تجاه الفلسطينيين، باتت هذه المسألة «إنجازات» يجب على السلطة أن تلتزم تنفيذ العديد من الشروط كي تحصل عليها.

    والأمر ذاته ينطبق على وعود تخفيف الضغط الاقتصادي والسماح بإطلاق مشاريع اقتصادية تنعش الاقتصاد الفلسطيني وتحسين من اوضاع الفلسطينيين. وأصبحت هذه المسألة العنوان الأبرز للتسوية التي قدمها بنيامين نتنياهو تحت عنوان «السلام الاقتصادي»، وبالتالي ختام هذه التسوية دون المرور على قضية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة؛ وقد وجدت خطة نتنياهو قبولاً من إدارة ترامب التي تعد مشروع التسوية وفقاً لهذه الرؤية وتعميمها على المستوى الإقليمي، وهو ما أكدته التسريبات المقصودة عن الأفكار والبنود الرئيسية لخطة إدارة ترامب المسماة «صفقة القرن».

    وسط هذه المحددات الأميركية والإسرائيلية، أطلق الرئيس الأميركي ترامب تصريحاته الاستفزازية تجاه مدينة القدس ومكانتها وهويتها الفلسطينية. وتعمد إبلاغ رؤساء عدد من الدول العربية والإقليمية عن عزمه (أو نيته) الموافقة على نقل سفارة بلاده إلى القدس من زاوية الاستفادة القصوى من حالة الارتباك التي يمكن أن يخلقها في أوساطهم هذا الإبلاغ؛ وحالة الهلع التي سوف تتولد في حال هب الشعب الفلسطيني في انتفاضة جديدة رداً على القرار الأميركي. وفي هذا الوضع، تنتقل الإدارة الأميركية إلى مقايضة بمعادلة مختلفة عنوانها التعامل مع الشروط الأميركية ـ الإسرائيلية مقابل تأجيل تنفيذ قرار نقل السفارة او مجرد الحديث عن آليات مديدة كي ينفذ القرار؛ والحفاظ على الاعتراف الأميركي بأن القدس عاصمة للاحتلال.

    وما يمكن أن يقلب هذه المعادلة يرتبط بالضرورة بقوة ردة الفعل الفلسطينية شعبياً وسياسياً على مستوى السلطة والقوى والفصائل الفلسطينية، ليس فقط دفاعاً عن مدينة القدس وهويتها، بل بالأساس في مواجهة المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي برمته، بدءاً من عناوين التسوية مروراً بمحاولات الإخضاع المتكررة التي يحاولها تجاه الحالة الفلسطينية السياسية والشعبية؛ والالتفات إلى المهام الملحة المتراكمة على جدول أعمال الحالة الفلسطينية وفي المقدمة إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة عبر القطع مع السياسات الفئوية والجهوية التي أدت لوقوع الانقسام واستمراره وتفاقمه.

    لقد شكل اتفاق أوسلو انقلاباً على المشروع الوطني الفلسطيني، وهو السبب الأساس في تمكين الاحتلال وراعيه الأميركي من تنفيذ سياسة فرض الأمر الواقع، وتقييد الفلسطينيين بالاتفاقات السياسية والأمنية والاقتصادية المضرة بمصالحهم. وبات هذا الاتفاق سيفاً مسلطاً حتى على الذين وقعوه في العام 1993، من زاوية التهديد بوقف المساعدات المشروطة التي تقدمها الدول المانحة وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وحجز إيرادات السلطة على يد الاحتلال في كل محطة لا يُرضى فيه عن موقف ما للسلطة.

    من هذه الزاوية، شكلت قرارات المجلس المركزي الفلسطيني (5/3/2015) خطوات متقدمة نحو تصويب السياسة الفلسطينية الرسمية عندما دعا إلى عدم اعتماد أية تسوية دون استنادها إلى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وفي المقدمة القرار 194، الذي يكفل للاجئين الفلسطينيين حق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، كما دعا إلى وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال ومقاطعته اقتصادياً، وإطلاق المقاومة الشعبية وحمايتها في السياسة والميدان، والتوجه إلى الأمم المتحدة ومؤسساتها وتقديم شكاوى أمام محكمة الجنايات الدولية، والتقدم بطلب العضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة.

    عبر هذه السياسة الوطنية المسؤولة، يمكن التعامل بجدية مع المخاطر الكبرى التي تمثلها مشاريع واشنطن وتل أبيب، والتي تسعى إلى إقفال الباب في وجه الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في العودة والاستقلال، والتعامل مع الفلسطينيين كمجموعة سكانية بلا حقوق وطنية، ووضعهم على هامش الخريطة السياسية التي تعمل واشنطن على إعادة تشكيلها في المنطقة ربطاً بمصالحها التي تتوافق مع مصالح الاحتلال.

    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة

معرض الصور