• تحت المجهر رحلة السنة الأولى من ولاية ترامب
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

    معتصم حمادة -   عدد القراءات :18 -   2017-12-07


    مع ترامب، في سنته الأولى، باتت السياسة الأميركية مكشوفة تماماً، كما باتت السياسة الرسمية الفلسطينية هي الأخرى مكشوفة أيضاً

    الرحلة إبتدأت مع ترامب حتى قبل أن يصل إلى البيت الأبيض. فمنذ أن رشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة، بدأ يلوح بشكل فظ بعزمه على نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس المحتلة بإعتبارها عاصمة إسرائيل. وعندما وصل إلى المكتب البيضاوي، واصطدم «بالمؤسسة» الأميركية، التي نصحته بالعدول عن رأيه، وتأخير قراره، لما سيحدثه في المنطقة من ردود فعل، قد تعود على الولايات المتحدة بالضرر. حاولت إدارته أن تقدم «حلاً وسطاً» يقضي بإبقاء السفارة في تل أبيب، على أن ينتقل السفير الأميركي إلى القدس ليقيم في مقر القنصلية العامة، والتي كانت الولايات المتحدة قد أقامتها هناك، قبل حرب حزيران (يونيو) 67. وعلى خطى أسلافه، وجد نفسه، تحت الضغط المختلف، مرغماً على توقيع قرار إداري يقضي بتعليق قرار الكونغرس بنقل السفارة إلى القدس، وهو قرار يبقى ساري المفعول ستة أشهر، يعود بعدها رئيس الولايات المتحدة لتجديده. بما يعني أن الكونغرس، كان قد سبق رؤساء الولايات المتحدة، بقرار نقل السفارة إلى القدس، وإن كان قراراً غير نافذ، بإمكان رئيس البلاد أن يجمد تنفيذه.

    المحطة الثانية مع رحلة ترامب، كانت عندما قررت إدارته أن تحسم من المساعدة الأميركية إلى خزينة السلطة الفلسطينية ما يعادل المبالغ التي تدفعها مؤسسات السلطة وم.ت.ف لعائلات الأسرى والشهدء، وللأسرى أنفسهم في سجون الإحتلال، بدعوى أن هؤلاء تنطبق عليهم صفة «الإرهابين»، وأن السلطة الفلسطينية بدفع رواتبهم وتعويضاتهم الشهرية، إنما تعمل على تشجيع الإرهاب. والمسألة، كما هو واضح، تتجاوز حدود المال وحدود المساعدات المالية، لتطال مسألة جوهرية تتعلق بالتاريخ النضالي لشعب فلسطين وبحاضره ومستقبله، وهي تقوم على مبدأ أميركي يقول إنه إرهابي كل فلسطيني يكافح ضد الإحتلال ولأجل قضيته الوطنية، وحقوق شعبه في الحرية والكرامة الوطنية. الضغط المالي، هنا، يندرج في سياق سياسي شديد الخطورة، هدفه الضغط على الشعب، وعلى السلطة وعلى م.ت.ف، لإعادة صياغة موقفهم من الإحتلال، على قاعدة الإستسلام الكامل، والقبول بالمشروع الإسرائيلي للحل.

    المحطة الثالثة كانت في حفلة الإبتزاز المكشوفة بإشتراط تجديد تفويض مكتب م.ت.ف في واشنطن، بوقف كل التحركات السياسية الفلسطينية نحو المؤسسات الدولية، بما فيها محكمة الجنايات الدولية، والتخلي عن هذه الورقة، وورقة الشرعية الدولية، في الصراع ضد الإحتلال والإستيطان، والقبول بالإشتراطات الإسرائيلية ـــــ الأميركية، لإستئناف المفاوضات، وبذريعة أن اللجوء إلى المؤسسات والمنظمات الدولية، بما فيها محكمة الجنايات الدولية، من شأنه أن يشوش على الدور الأميركي في «رعاية» المفاوضات، كما يشكل «خرقاً» لمبادئ العلاقة مع إسرائيل، لأن مثل هذه التحركات تشكل إستباقاً للمفاوضات، وعامل تأثير على نتائجها (!).

    * * *

    ولعل أكثر المحطات خطورة مع ترامب وإدارته، هي محطة التحضير للعملية التفاوضية. فقد قدم جيسون غرينبلات، مبعوث ترامب إلى المنطقة، تسعة شروط إلى القيادة الرسمية الفلسطينية، بإعتبارها ملزمة لها، للدخول في المفاوضات. من ضمن هذه الشروط القبول بالإستيطان، بإعتباره لا يشكل خطراً على المصالح الفلسطينية، على إفتراض، أميركي، إسرائيلي، أن المستوطنات، في نهاية المطاف، سوف تضم إلى إسرائيل.

    كذلك إشترط غرينبلات دخول الفلسطينيين المفاوضات، رافعي الأيدي، بدون شروط مسبقة إن بما يتعلق بالإستيطان، أو بقرارات الشرعية الدولية كأساس للمفاوضات، أو بحدود 4 حزيران 67 أساساً لرسم الحدود، أو برسم سقف زمني للمفاوضات. أي، كخلاصة، القبول بمفاوضات جرت هندستها وفقاً للشروط الإسرائيلية بشكل كامل، نتائجها معروفة مسبقاً، وهي فرض الحل الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني. ثم بعد أن وقعت فتح وحماس على إتفاق المصالحة في 12/10/2017، أضافت الولايات المتحدة شروطاً ثلاثة إضافية، هي الشروط نفسها التي كانت قد فرضتها الرباعية الدولية على حكومة حماس الأولى، وهي الإعتراف بإسرائيل، وقف «الإرهاب» وإدانته، والإعتراف بالإتفاقات الموقعة مع تل أبيب، ثم أضافت شرطاً رابعاً، هو تجريد المقاومة في قطاع غزة من سلاحها.

    وأخيراً، وليس آخراً، أثار البيت الأبيض، مرة أخرى زوبعة القدس، من خلال تسريبات متناقضة. بعضها يؤكد أن ترامب يدرس التوقيت المناسب لنقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، وبعضها الآخر ينفي مؤكداً أن هذه القضية ليست على جدول أعمال رئيس الولايات المتحدة. بعضها يتحدث عن خطاب مرتقب لترامب ليعلن إعتراف بلاده بالقدس «الموحدة» عاصمة لإسرائيل. وبعضها الآخر ينفي ذلك، في لعبة إبتزاز مكشوفة، وهي تحمل في طياتها أكثر من معنى.

    أول هذه المعاني أن مسألة القدس، مازالت على جدول أعمال الإدارة الأميركية، وأن نيتها الإعتراف بها عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلادها إليها لم تسقط، رغم تأجيل القرار.

    ثاني هذه المعاني، عملية إبتزاز مكشوفة، للحالتين العربية والفلسطينية. أولاً لإستكشاف ردود فعلها ومدى جديتها في إتخاذ موقف من القضية. ثانياً لجر هاتين الحالتين إلى مزيد من التنازلات، في إطار مقايضة خاسرة.. تنازل و«ليونة»، فلسطيني وعربي، مقابل تأجيل قرارات ترامب بشأن القدس وقرار نقل سفارة الولايات المتحدة.

    * * *

    مما لاشك فيه أن إدارة ترامب تدرك مدى قابلية هاتين الحالتين، الفلسطينية والعربية الرسميتين، لتقديم التنازلات والتصرف «بليونة».

    فعلى الصعيد الفلسطيني، على سبيل المثال، نلاحظ:

    • إن القيادة الفلسطينية لم تسقط رهانها على دور الولايات المتحدة في رعاية جديدة للعملية التفاوضية، رغم كل ما ذكرناه من شروط وأسس أميركية مرسومة في وجه المفاوض الفلسطيني. ورغم أن الجانب الأميركي، وإلى جانبه حكومة نتنياهو، يؤكدان سقوط «حل الدولتين»، ويرفعان بدلاً منه حلولاً أخرى لا تتجاوز الإدارة الذاتية للسكان، ومع ذلك تبقى القيادة الرسمية الفلسطينية تعلل نفسها بحل الدولتين، بإعتباره خشبة الإنقاذ الوحيدة لمشروعها السياسي المستند إلى إتفاق أوسلو.

    • أن القيادة الفلسطينية الرسمية تقابل الضغوط الأميركية بردود فعل باهتة وهابطة، بل وتذهب في كثير من الأحيان إلى الرضوخ لهذه الضغوط. مثال ذلك أنها أوقفت نشاطها السياسي على الصعيد الدولي، إن في الأمم المتحدة، أو في محكمة الجنايات الدولية، إستجابة لشروط واشنطن بشأن مكتب م.ت.ف، وبحيث تصبح وظيفة المكتب الوحيدة هي التنسيق مع الولايات المتحدة، تحضيراً لعملية تفاوضية يرسم أسسها وآلياتها الطرفان الأميركي والإسرائيلي، مع تهميش كامل للطرف الفلسطيني المفاوض.

    في كتابه الشهير «الحياة مفاوضات» يعترف صائب عريقات، بشجاعة، أنه ليس هناك ما يمكن تسميته بالراعي الأميركي النزيه للمفاوضات. ويؤكد أن الجانب الأميركي، منحاز على طول الخط للجانب الإسرائيلي. وأن المفاوض الفلسطيني، إنما يفاوض طرفين معاً، هما الإسرائيلي والأميركي. وإن الطرفين ينسقان معاً، ويرسمان معاً العملية التفاوضية، ويضعان الجانب الفلسطيني، على الدوام، أمام الأمر الواقع.

    هذا القول، في زمن الإدارات السابقة، التي كانت تحاول أن تتبع خطأ تريده أن يبدو متوازناً، كالقول مثلاً بلاشرعية الإستيطان، أو أن الإستيطان «يشكل عقبة في طريق السلام»، أو أن تطلب من إسرائيل «ألا تلجأ إلى القوة المفرطة» وغير ذلك من المواقف الإعلامية، التي لم تكن تترافق مع خطوات عملية للضغط على إسرائيل للإلتزام بها.

    الآن، باتت لعبة ترامب مكشوفة تماماً. وبات موقف الجانب الفلسطيني مكشوفاً تماماً هو الآخر.

    فهل تدرك القيادة الرسمية الفلسطينية أن الغطاء الوحيد، الذي من شأنه أن يحميها من الضغوط والشروط الأميركية والإسرائيلية، وأن يعيد إليها مكانتها السياسية، هو البرنامج الوطني الذي أعيد التأكيد عليه في إجتماع القاهرة في 22/11/2017 من ضمن محطات وطنية أخرى؟.■

    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة

معرض الصور