• دراسة جديدة لمركز بيسان :المؤسسات المالية الدولية ونظام المعونات وأثرها على التنمية والعدالة الإجتماعية
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

    مؤسسة الدراسات الفلسطينية -   عدد القراءات :56 -   2017-11-22

    يبدو أن التنظير لدعم نظرة البنك الدولي وصندوق النقد لم يعد حالة شعبية سواء في الدول النامية أم في الدول المتقدمة، إن حالة النقد التي تسود الأدب العالمي حول العولمة والنيوليبرالية خاصة بعد أزمة عام 2008 قد أظهرت أن هناك قصدية من الدول وأن ما كتب حول كون المساعدات ضرورة لاستمرار النهج الاستعماري بثوب جديد هي نتاج قراءة واقعية للنتائج الكارثية لتدخلات هاتين المؤسستين، وأن مفهوم الcorpocracy هو حقيقة، فيما لم يكن الدفاع عن منطق المساعدات القائم سوى دفاع عن تقنيات وتعلق بحالات وقصص جزئية لنجاحات لم تكن شاملة وعامة، الامر الذي يشير إلى أن الحالة العامة هي نقد مؤسسات التمويل وسياسات العولمة الاقتصادية والنتائج الكارثية التي أدت إليها.

    لذا فإن أية مقاربات أخرى حول السياسات النيوليبرالية يجب أن تنطلق من نقد هذه السياسات وبيان آثارها على المجتمعات وعلى العالم، إننا نعيش اليوم في عالم انهكته حروب شديدة نقلتها الدول المتقدمة إلى اراضي الدول الفقيرة، وذلك بحثا عن استمرار الهيمنة على موارد الدول الفقيرة واحتكار اسواقها، ولأجل تجنب هذه الحالة طرحت عدة حلول تتجاوز سياسة البنك الدولي وصندوق النقد، فحيث طرح انطوني غدينز تحديثا للكنزية عرف بالطريق الثالث، تطرح افكار أخرى لتجاوز هيمنة النيوليبرالية في العالم سواء عبر تحديث المفاهيم اليسارية حول اقتصاد السوق الاجتماعي أو سيادة خطاب الحقوق الاقتصادية الاجتماعية إلى جانب خطاب القوق المدنية والسياسية.

    ان ذلك يحتاج عدا عن نقد السياسات النيوليبرالية التي شكل انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي ومن ثم صعود ترامب الى الحكم ردة فعل نحو سياسة حمائية لها غلافها الشوفيني القومي الى طرح نظرية بديلة تنطلق من تسييد خطاب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتحويل منطق المساعدات من منطق موجه للاستهلاك الى منطق موجه للانتاج، مع فرض قيود على تصدير رأس المال المحلي المتراكم في البلدان الضعيفة إلى خارج أسواقها.

    أما في فلسطين فان الأساس الذي يجب أن تنطلق منه الرؤية الحقيقية للمساعدات هو إنهاء الشرط الاستعماري القائم من خلال استمرار الاحتلال والاستيطان والسيطرة الاحتلالية على الموارد الوطنية أولا، ومن ثم توجيه المساعدات إلى مشاريع تؤدي إلى مراكمة رأس مال وطني إنتاجي يستطيع أن يوفرر مقومات الصمود لشعب يعاني من أقسى انواع الاحتلال الكولونيالي، ومن نمو طبقة أو تحالف طبقي بين البيروقراطية الحكومية والقطاع الخاص وخضوع الإثنين معا لشروط التمويل النيوليبرالي وانتهاج هذا التحالف سياسة اقتصادية غير تنموية تقوم على تعزيز الجباية العامة واخلاء مسؤولية الحكومة عن قطاعات خدمية وحقوقية كثيرة، في ظل حالة إفقار متزايدة وانهيار كبير في الطبقة المتوسطة.

    ما يجعل فلسطين حالة متميزة عن الدول موضع المقارنة هو خضوعها للشرط الاحتلالي الكولونيالي، وهذا يؤكد ضرورة البحث في تمايز الحالة الفلسطينية دون اغفال للتشابهات في المظهر العام للسياسات التي تتبناها السلطة الفلسطينية مع الدول موضوع المقارنة.

    خلال استعراض تجارب كل من الحالة الفلسطينية ومصر والأردن وتونس، في مجال دعم السلع، والاعتماد على المساعدات الخارجية نجد:

    • أولا: رغم وجود عوامل مشتركة في قضايا المساعدات الخارجية وأوجه استخدامها، إلا أن هناك فروقات بين هذه الدول في التعامل مع دعم السلع داخليا، فالمشترك ناتج عن انتهاج سياسة نيو ليبرالية قائمة على وصفات ميثاق واشنطن التي وضعها صندق النقد الدولي ونفذتها السلطة السياسية حسب ظروف كل بلد، لكن نتائج هذه السياسة، تظهر فشلا في تحقيق التنمية، كما تُظهر استشراءً للفساد واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء. فيما تم تخليق طبقة اجتماعية كاملة تستفيد من المساعدات الخارجية.
    • ثانيا: لم تسهم كل المساعدات الخارجية في سد العجز في الموازنة بشكل حقيقي، اذ تم تغطية العجز في الغالب من جيوب الفقراء عبر سياسة رفع الدعم الكلي أو الجزئي عن السلع، وتقليص الخدمات الاجتماعية، واطلاق حرية السوق إضافة إلى توسيع القاعدة الضريبية.
    • ثالثا: لم تسهم الأوضاع الأمنية في هذه البلدان في جذب الاستثمارات الخارجية، بالعكس، فان من نتائج "ثورات الربيع العربي" كان تقلص الاستثمار سواء الداخلي او الخارجي، الأمر الذي أسهم في تراجع النمو الاقتصادي والركود أحيانا.
    • رابعا: في مصر وتونس، لعبت خصخصة القطاع العام دورا هاما في تفكيك البنية الإنتاجية المحلية والاعتماد على الاستيراد من الخارج، الأمر الذي أضعف من تراكم الثروة المحلية، كما خلق مظاهر فساد عديدة نتجت عن عمليات الخصخصة، التي لم تسهم في سد العجز أو المديونية.
    • خامسا: عدا الحالة الفلسطينية التي تقع تحت ظرف احتلالي كولونيالي، فإن أسباب الاضطرابات الاجتماعية في البلدان الأخرى لا زالت قائمة وهي في تنامٍ بسبب استمرار السياسات الليبرالية والنيوليبرالية وعدم الانتقال الى سياسات اخرى تحافظ على النسيج الاجتماعي عبر تحقيق العدالة الإجتماعية.
    • سادسا: ثبت أن الدعم الموجه للسلع الأساسية لا يشكل عبئا كبيرا على الموازنات في هذه الدول، حيث لم يستطع رفع الدعم وكل السياسات النيوليبرالية القاضية بتقليص دور الحكومة في الاقتصاد واطلاق يد السوق في سد العجز! ولا زالت هذه الدول تسعى لمزيد من الاقتراض لسد هذا العجز مما يثبت فشل السياسات التي ترى في دعم السلع عبئا على الموازنة والاقتصاد الوطني.
    • سابعا: رغم ذلك، ليس الحل في بقاء الدعم أو فرضه، بل الحل يكمن في سياسات اقتصادية تأخذ بالأثر الاجتماعي لها من خلال توفير شبكة الأمان الاجتماعي التي تسعى السياسة الاقتصادية النيوليبرالية الى تقويض ما وجد منها أو تحويلها إلى مجرد اعمال خيرية، وليس حقوقا اقتصادية واجتماعية تفرضها المواطنة.
    • ثامنا: إن ما أظهرته حقائق البحث في المجال السابق تفترض من صانع القرار اعادة النظر في السياسات القائمة، واذا كان صانع القرار غير مستعد لإعادة النظر في سياساته فإن وظيفة المجتمع المدني هنا أن يضغط لأجل سياسات اقتصادية اجتماعية عادلة، إن ذلك لا يمكن دون التسلح برؤية نقدية شاملة للوضع السياسي الاقتصادي الاجتماعي القائم وسياسات الحكومات.
    • تاسعا: ورغم كل الدلائل التي تشير ليس فقط إلى فشل سياسات البنك الدولي النيوليبرالية، بل إلى الآثار المدمرة لها، لا زال العالم بحاجة لرفع الصوت من أجل سياسات اقتصادية كونية عادلة بعيدة عن تحكم المؤسسات التمويلية الدولية في ذلك. إن ذلك مرهون بخلق كتلة اجتماعية عالمية قادرة على وقف التدهور الحاصل في منطق العدالة الاجتماعية في العالم، وهذه مهمة ليست سهلة أمام الحائق التي فرضتها النيوليبرالية، ولكنها ممكنة وأضحت حاجة ملحة.

    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة

معرض الصور