• القضية الفلسطينية في مرحلة الرئيس ترامب ( 1+2 ) *
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

    احمد عيسى -   عدد القراءات :33 -   2017-04-22

    تضمن خطاب الرئيس ترامب الانتخابي خلال حملته الانتخابية، وكذلك تصريحاته الصحفية ما بعد اعلان فوزه بالرئاسة، كل ما من شأنه ان يثير قلق ومخاوف الفلسطينيين من امكانية مواصلة العملية التفاوضية مع الاحتلال الاسرائيلي بشأن حصولهم على حقهم في دولة مستقلة تفاوضوا عليها لأكثر من عقدين وفق مبدأ حل الدولتين.

    اذ اعلن ترامب عن عدم التزامه بمبدأ حل الدولتين المجمع عليه دوليا، وهدد بنقل سفارة بلاده من تل ابيب للقدس، واعتبر ان الاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية والتي جرى احتلالها من قبل اسرائيل في العام 1967، والتي تعتبر مع قطاع غزة اقليم الدولة الفلسطينية المنشودة، لا يمثل عقبة امام السلام، الامور التي شكلت انقلابا على ثوابت السياسة الخارجية الامريكية لعقود مضت.

    ومنذ تسلمه مهامه رسميا في العشرين من يناير الماضي وحتى تاريخ كتابة هذه الورقة استقبل الرئيس في البيت الابيض خمسة من زعماء المنطقة، كان اولهم الملك عبدالله الثاني ملك الاردن، والسيد نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي، وولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

    وكان الرئيس ترامب قد اجرى كذلك عددا من الاتصالات مع زعماء المنطقة، كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس من بينهم، اذ دعاه خلال هذا الاتصال رسميا لزيارة البيت الابيض للتباحث بشأن استئناف عملية التسوية المتوقفة منذ فترة طويلة.

    وتأسيسا على ذلك هناك حاجة لاستشراف ماذا في جعبة الرئيس ترامب للقضية الفلسطينية في هذه اللحظة من الزمن. الامر الذي قد يبدو مجازفة، خاصة وان كثيرين من السياسيين والباحثين في الشأن السياسي قد اعربوا عن صعوبات منهجية قد واجهتهم في قراءة عقل الرئيس ترامب السياسية وماذا يمكن ان يتمخض عنها داخليا وخارجيا، وتعتبر عديد المقاربات المختلفة والمتناقضة احيانا التي قدمت في هذا الشأن من قبل الباحثين من اهم الشواهد على هذه الصعوبة.

    في محاولتها الاجابة على السؤال اعلاه، ستسعى هذه المقالة الى مقاربة الموضوع من منظور دراسة محركات السياسة الامريكية في عهد الرئيس ترامب، الامر الذي يتطلب دراسة الوضع الجيوسياسي للولايات المتحدة الامريكية في هذه المرحلة من الزمن، التي ينهار فيها النظام العالمي الذي انشأته الولايات المتحدة وقادته لوحدها لأكثر من ربع قرن، وفي لحظة وصلت فيها مشاعر الخوف والغضب داخل المجتمع الامريكي الى نقطة الذروة. وذلك من خلال القاء الضوء ابتداء على حالة التحول لدى الناخب الامريكي، هذا التحول الذي تحركه مشاعر الخوف من القادم والغضب على ما هو قائم، وكذلك حالة التحول في النظام العالمي، ودور الولايات المتحدة الامريكية في توجيه عملية التحول هذه لا سيما على الصعيد العالمي، لغايات ايصالها الى المألات التي تخدم شعار "امريكا اولا"، ومن ثم فهم ما يدور في منطقة الشرق الاوسط كأحد مكونات النظام العالمي والتي تعيش بدورها حالة تحول جذرية، علاوة على فهم تأثيرها وتأثرها بما يحدث في الاخير، ومن ثم تحديد احتياجات كل من الفلسطينيين والاسرائيليين كطرفي الصراع الأساسي في المنطقة، من كل من النظامين العالمي والاقليمي في سياق سعي الاخير للاستقرار والمساهمة في بناء نظام عالمي مستقر، و تأسيسا على ذلك ربما يصبح من السهل استشراف المحددات الاساسية والمبادئ العامة التي ستحكم سياسة الرئيس الجديد في معالجة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

    لتحقيق ذلك ستحاول هذه المقالة الاجابة على مجموعة الاسئلة التالية: هل انتهى النظام العالمي الذي نشأ بعد نهاية الحرب الباردة في العام 1991؟ ما هو النظام العالمي الجديد الذي لا زال في طور التشكل وبدت ملامحه في خطاب الرئيس ترامب الانتخابي وقراراته التنفيذية؟ ماهي غايات الرئيس الداخلية والخارجية؟ ما هي اولويات الرئيس ترامب في الشرق الاوسط؟ ما هي التهديدات الانية والمستقبلية التي تواجه اسرائيل في اقليم متغير؟ وما مدى حاجة اسرائيل لمحيطها الاقليمي والدولي لمواجهة هذه التهديدات؟ اين تكمن قوة الفلسطينيين في هذه اللحظة التاريخية؟ وما هي نقاط ضعفهم؟

    للإجابة على هذه الاسئلة وما قد يتفرع عنها من اسئلة اخرى سيجري تقسيم هذه المقالة الى مقدمة وخاتمة وثمانية عناوين بحيث يجري الاجابة على كل سؤال تحت عنوان من هذه العناوين، وتحت العنوان ادناه ستحاول هذه المقالة فهم حالة التحول لدى الناخب الامريكي التي اسفرت عن فوز الرئيس ترامب غير المتوقع، وعلى ضوء اجابة السؤال اعلاه ستحاول هذه الورقة فهم عقل الرئيس ترامب وكيف يفكر سياسيا.

    ترامب يجيد قراءة المجتمع الامريكي الخائف والغاضب

    في معرض قراءتهم لفوز الرئيس ترامب في الانتخابات الرئاسية الامريكية الخامسة والاربعون، الامر الذي فاجأ كل المتابعين لهذه الانتخابات حول العالم، بما فيهم ترامب نفسه، قال البعض: "ان من شعر نفسه فائزا في هذه الانتخابات، هم هؤلاء الامريكان البيض في الارياف الذين لم يكن صوتهم نافذا، سواء المؤيدين للحزب الجمهوري، ام الديمقراطي، وهم يشعرون ان ترامب اوصل لهم صوتهم وغضبهم وشعورهم العميق بالتهميش" .

    وتعتبر الولايات المتحدة الامريكية دولة تقليديا بيضاء، صحيح انها تتحول مع الوقت الى دولة ملونة نتيجة الهجرة الواسعة اليها، ولكن حتى اللحظة لا زالت الكتلة البيضاء المشار اليها تمثل الاكثرية في المجتمع الامريكي.

    وكانت الولايات المتحدة الامريكية، الامبراطورية الوحيدة في العالم، وغيرها من الدول الصناعية الغربية الكبرى قد شهدت نموا اقتصاديا هائلا خلال ربع القرن الماضي الذي تربعت فيه الولايات المتحدة على عرش النظام العالمي، الا ان الثروة العائدة من هذا النمو كانت قد تركزت في ايدي الشريحة الغنية التي لا تتجاوز نسبتها 1% من المجتمع.

    كما ادت العولمة وتوسع اتفاقيات التجارة العالمية الى ذوبان عدد كبير من الوظائف الصناعية التقليدية نتيجة نقل اصحاب المنشآت الاقتصادية الكبرى مراكز عملهم الى بلدان مثل الصين، والمكسيك، وماليزيا، وغيرها من الدول، حيث الايدي العاملة الرخيصة، الامر الذي كان على حساب شريحة العمال ووظائفهم، اذ فقد معظمهم وظائفهم نتيجة لذلك، او اصبحوا من ذوي الدخل المحدود.

    ولقد ادى الوضع الاقتصادي المتهاوي لشرائح كبيرة من المجتمع الامريكي، خاصة اولئك المتذمرون منه والغاضبون عليه، الى زيادة شعورهم بأن بلادهم تصادر منهم، حتى اصبحوا يجدون صعوبة في التعرف اليها، وباتو على قناعة انهم يمولون تأمين صحي للكسالى الذين لا يعملون، ويشكون ايضا انهم يمولون بضرائبهم هجرة غير منضبطة .

    وقد تقابلت مشاعر الغضب هذه مع مشاعر غضب وتذمر بدأت تتنامي لدى شرائح اخرى من المجتمع تحركها عوامل اخرى منبعها لونهم الابيض، وقناعاتهم الدينية، وموقفهم من المرأة، وزواج المثلين.

    وكان نعوم تشومسكي، المفكر الامريكي المشهور، قد عبر ببراعة عن مشاعر الخوف والغضب التي تتراكم داخل شرائح واسعة في المجتمع الامريكي منذ اكثر من عقدين، علاوة على تحذيره من تداعيات تراكم هذه المشاعر بقوله: “ما زلت اكتب واتحدث عن خطر بروز ايديولوجيا وكاريزما في الولايات المتحدة، يمثلها شخص يمكنه استغلال الخوف والغضب اللذين يختمران منذ مدة طويلة في اغلب شرائح المجتمع، وصرفهما بعيدا عن الاسباب الحقيقية للضائقة، وتوجيههما نحو اهداف سهلة، اذ يمكن ان يؤدي ذلك الى ما يسمى بالفاشية اللطيفة، لكن ذلك يقتضي منظرا صادقا على شاكلة هتلر، وليس شخصا ايدولوجيته الوحيدة المعروفة هي "الأنا" ، في اشارة منه للرئيس ترامب.

    يشير ما تقدم ان شرائح واسعة من المجتمع الامريكي ممثلة بالعمال ذو اللون الابيض، والفلاحين في الارياف، واولئك المتذمرين من فوز باراك حسين اوباما ذو الاصول الافريقية في الانتخابات الرئاسية السابقة، والمعارضين لقيادة امرأة للولايات المتحدة، والمحتجين على زواج المثليين، قد تملكتهم مشاعر الغضب على ما آلت اليه احوالهم واحوال بلادهم، وسيطر عليهم الاحساس بالخوف على مستقبلهم ومستقبل ابنائهم، وتملكتهم مشاعر التذمر من الشريحة السياسية الامريكية التقليدية لعدم اصغائها لهم ولمطالبهم، تلك المشاعر التي بلا شك ستقود الى تغيرات وتحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية داخل المجتمع الامريكي الامر الذي بدوره سيكون له اثاره على السياسات الامريكية الداخلية والخارجية.

    وفيما غابت هذه الكتل الانتخابية الضخمة وما يحركها من مشاعر عن اجهزة رادار الحزبين الذين يتناوبان على حكم الولايات المتحدة الامريكية، نجح الرئيس ترامب والفريق العامل معه في الوصول الى هذه الشرائح المنسية وغير المدرجة على لائحة اهتمام السياسيين التقليديين، كما نجح في تصميم خطاب انتخابي يلامس ويحاكي مشاعر خوفهم وغضبهم وتذمرهم، الامر الذي كان من اهم اسباب فوزه في الانتخابات.

    يرى تشومسكي في هذا السياق ان ترامب كان كاشفا لهذه الحقائق المتأصلة في المجتمع الامريكي وليس منشأ لها ، ويرى اخرون ان فوز ترامب هو نجاح شخصي له على حساب الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه، والحزب الديمقراطي المنافس له .

    ولكن هل يكفي ما تقدم من اكتشاف ترامب وفريقه للحقائق المتأصلة في المجتمع الامريكي منذ عقود والتي اشار اليها تشومسكي في معرض تعليقه على فوزه، فضلا عن نجاح هذا الاخير في تصميم خطاب انتخابي يحاكي رغبة المجتمع الامريكي في التغيير، في قراءة عقل الرئيس السياسي؟

    وفي محاولة الاجابة على السؤال اعلاه، اجاب جيرمي شابيرو، مدير الابحاث في المجلس الاوروبي للعلاقات الخارجية، ان احدا لا ينبغي له ان يعتقد انه يعرف ما سيقوم به ترامب، حتى لو كان هذا الشخص هو دونالد ترامب نفسه .

    ويرى اليوت كوهين مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية في جامعة جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، واحد كبار المستشارين السابقين في وزارة الخارجية في ادارة الرئيس الاسبق جورج بوش الابن، ان لدى ترامب اقتناعا قويا حول عدد من القضايا في حقل السياسة الخارجية، لكن هذه القناعات لا ترتقي الى مستوى وجهة النظر المتماسكة للعالم، وهذه واحدة من المشكلات في الحكم على زعيم لا يقرأ، ولا يشعر انه بحاجة الى تثقيف نفسه اصلا حول النظام الدولي الذي انشأته الولايات المتحدة على مدى نصف القرن الماضي .

    وثمة من يرى ان ترامب ليس ايديولوجيا، فهو ليس محافظا، ولا هو من المحافظين الجدد، كما انه ليس واقعيا، ولا مثاليا، ولا حتى انعزاليا، ويضيف هؤلاء ان ترامب براغماتي يملك غريزة تجارية بحتة، وثقة لا حدود لها بقدرته على التفاوض على أي شيء وتحقيق نتائج افضل لأمريكا .

    وذهب الخبير السياسي والمؤرخ والتر راسيل ميد، للقول ان ترامب يتمثل التقاليد "الجاكسونية"، نسبة للرئيس الامريكي الاسبق جاكسون، في السياسة الخارجية، ويحدد ميد تلك التقاليد في الشعبوية، والقومية، وعدم الثقة بالعالم الخارجي، والاستعداد لاستخدام القوة ان لزم الامر .

    وبناء على ما تقدم يمكن القول ان اهم مؤهلات الرئيس الجديد هي خبرته الاقتصادية وقدرته على التفاوض المربح في هذا المجال، لا سيما وان المعروف عن سجله الاقتصادي هو قدرته على التعافي الاقتصادي والعودة من جديد بعد تعرضه لأزمات اقتصادية مدمرة خلال مسيرته الاقتصادية الطويلة، وتأسيسا على ذلك ترى هذه المقالة ان الخبرة الاقتصادية التي يتمتع بها الرئيس الجديد بما في ذلك قدراته التفاوضية التي كانت من اهم عوامل نجاحه الاقتصادي على الرغم من الكبوات الاقتصادية التي المت به، اذا ما اقترنت بفريق عمل محترف، الامر الذي حرص الرئيس على تحقيقه سواء قبل نجاحه في الانتخابات ام بعد دخوله للبيت الابيض، سيوفران له شروط النجاح السياسي.

    هذا على صعيد الداخل الامريكي بما في ذلك قدرات الرئيس السياسية، فماذا على صعيد النظام العالمي الذي بدوره يمر في حالة تحول منذ العام 2008، وهل اجاد ترامب قراءة هذه التحولات وصمم بناء على ذلك خطابا وخطة تضمن له تحقيق شعاره الانتخابي "امريكا اولا"، كما فعل في قراءة الوضع الداخلي الامريكي، هذا ما سيتم تناوله في العنوان ادناه

    ترامب رئيسا للبيت الابيض في مرحلة فشل الولايات المتحدة الامريكية في بناء نظام عالمي مستقر، ومجتمع امريكي آمن

    تشير دراسات العلاقات الدولية، والقانون الدولي، ان العالم قد شهد ثلاثة انماط من الانظمة منذ مؤتمر فينا العام 1815. بدء بالنظام متعدد الاقطاب الذي انبثق عن مؤتمر فينا العام 1815، والذي اسست له معاهدة وستفاليا العام 1648، التي بدورها انشأت الدولة الامة .

    ثم النظام ثنائي القطبية الذي انبثق عن معاهدة يالطا بعد الحرب العالمية الثانية . واخيرا النظام احادي القطبية الذي نشأ في الفترة الممتدة بين عامي (1989-1991)، اذ انهار في هذه الفترة الاتحاد السوفييتي، وانتهت خلالها معجزة الاقتصاد الياباني، وجرى فيها التوقيع على معاهدة ماسترخت التي انشأت الاتحاد الاوروبي، وعرفت فيها الصين نفسها كسوق اقتصادي عملاق يدار من قبل الحزب الشيوعي الصيني .

    و في هذ الصدد يرى اخرون من خبراء الجيوستراتيجية ان الولايات المتحدة الامريكية بصفتها القوة الاكبر في العالم اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا، لم تنجح في قيادة وادارة النظام العالمي احادي القطبية لاسيما بعد العام 2001، الذي جرت فيه هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة الامريكية، مما ساهم في نشأة مرحلة عالمية جديدة عرفت بمرحلة "Global Chaos"، او العماء العالمي .

    ويرى خبراء العلاقات الدولية والقانون الدولي، ان النظام العالمي ومنذ العام 2008، الذي نشأت فيه ازمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الامريكية، قد دخل في دائرة تشبه تلك التي شهدها في العام 1989، اذ توقف في هذه المرحلة، الاتحاد الاوروبي عن اداء وظائفه بالشكل الذي اعتاد عليه في السنوات الخمس التي سبقت ذلك العام، نتيجة للازمة المالية التي ضربت العالم على اثر ازمة العقارات في امريكا، وكانت منطقة اوروبا ولا زالت اكثر المناطق في العالم تأثرا من تداعيات هذه الازمة، والتي يرى البعض ان مآلاها النهائي سيكون تفكك الاتحاد الاوروبي، ويدللوا على ذلك بخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي في اعقاب استفتاء الشعب البريطاني الذي جرى بتاريخ 23/7/2016 لصالح الخروج من الاتحاد الاوروبي .

    كما دخلت الصين بعد ذلك العام في مرحلة اجتماعية واقتصادية صعبة نتيجة الركود الاقتصادي العالمي، خاصة وان نموها الاقتصادي يقوم على التصدير والتجارة العالمية وليس على الاستهلاك المحلي .

    وفي ذات السياق اعلنت الولايات المتحدة الامريكية عن خطتها لسحب قواتها من العراق وافغانستان لغايات التوجه شرقا حيث تكمن التهديدات الاستراتيجية بعيدة المدى للولايات المتحدة الامريكية ، الامر الذي بدوره اخل بتوازن القوي في منطقة الشرق الاوسط، التي بدورها دخلت في حالة لا زالت متواصلة من الفوضى الداخلية كان من نتائجها انهيار وتدمير عدد من دول المنطقة، وتهديد الاستقرار الداخلي في ما تبقى من دول، وفوق ذلك كله الاعلان عن نشأة دولة جديدة في المنطقة متمثلة بدولة داعش.

    وتأسيسا على التحولات في كل من اوروبا والصين ومنطقة الشرق الاوسط المشار اليها اعلاه، فُتحت الابواب امام اطار دولي جديد بدل ذلك الاطار "نظام القطب الواحد" الذي نشأ في الفترة ما بين 1989-1991 ، وما اعقبه من اطار العماء العالمي الذي نشأ بعد العام 2001 .

    وكانت الولايات المتحدة الامريكية كإمبراطورية وحيدة في العالم قد تربعت على عرش النظام العالمي "نظام القطب الواحد"، وكذلك في مرحلة العماء العالمي، لأكثر من ربع قرن أي الفترة الممتدة ما بين (1991- 2008)، الا انها لم تنجح في توفير الامن والامان لمواطنيها، اذ نجحت منظمة القاعدة وهي منظمة لا دولتيه ومصنفة لدى كثير من دول العالم كمنظمة ارهابية، في ضرب رموزها السيادية والاقتصادية في العام 2001 ، علاوة على فشلها في تأمين رفاهية مستدامة للمواطن الامريكي ، نتيجة الى حالة الانكماش الاقتصادي الذي نشأ ما بعد ازمة الرهن العقاري واضطرار البنك المركزي الامريكي الى خفض قيمة الفائدة على القروض الى ما بين 0% و0,25%، الامر الذي يعني بلغة الاقتصاد ان الانكماش الاقتصادي الامريكي اصبح بنيويا وليس انكماشا عابرا .

    هذا الى جانب فشلها في بناء نظام عالمي مستقر، الامر الذي عبر عنه وزير الخارجية الامريكي الاسبق هنري كيسنجر بقوله "نفتقد اليوم الى نظام عالمي مستقر، على غرار الاستقرار الذي امنه النظامان السابقان، النظام متعدد الاقطاب، والنظام ثنائي القطبية" .

    ولا زالت الولايات المتحدة الامريكية هي الامبراطورية الوحيدة في العالم بلا منافس رغم الفشل المشار اليه اعلاه، اذ لا زال اسطولها البحري يسيطر على كل المحيطات حول العالم، ولا زال اقتصادها مسؤول عن ربع كل شيء منتج في العالم، وعندما ننظر للعالم من وجهة نظر الصادرات والواردات، يذهلنا عدد البلدان التي تعتمد على الولايات المتحدة في ما بين 5-10%، من اجمالي ناتجها القومي .

    ويرى بعض علماء السياسة والاستخبارات العالمية انه في غياب الحرب المدمرة الكبيرة، فإن أي اعادة اصطفاف للنفوذ الدولي تقوم على الاقتصاد لوحده سوف تستغرق اجيالا، هذا ان تمت اصلا. ويقال في هذا السياق ان الصين هي القوة القادمة، وربما يكون الامر كذلك، لكن الاقتصاد الامريكي اكبر من الاقتصاد الصيني ب 3,3 مرة، ولا بد للصين من استدامة معدل النمو المرتفع على نحو غير عادي زمنا طويلا كي تسد الفجوة بينها وبين الولايات المتحدة الامريكية. ففي العام 2009، كانت الولايات المتحدة مسؤولة عن 22,5% من كل الاستثمار المباشر الاجنبي في العالم، وهو ما يجعلها طبقا لما ذكره مجلس التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة، مصدر الاستثمار الاكبر الوحيد في العالم، وكانت الصين في المقابل مسؤولة عن 4,4% من الاستثمار المباشر الاجنبي في العالم .

    ويشكل هذا التفاوت الهائل في توازن القوى بين الولايات المتحدة الامريكية من جهة، ومنافستها الاقتصادية الاولى "الصين" من جهة اخرى، كما وتشكل الفوارق العسكرية الكبيرة بين امريكا من جهة، ومنافستها العسكرية الاولى "روسيا" من جهة ثانية، هذا الى جانب استفراد الولايات المتحدة الامريكية تقريبا في مجال التكنولوجيا والسايبر، الضمانات الكافية لبقاء الولايات المتحدة الامريكية على رأس النظام العالمي الجديد لمرحلة طويلة قادمة، في حال عدم قيام حرب مدمرة كبيرة على شاكلة الحربين العالميتين الاولى والثانية.

    وكان بعض خبراء السياسة والجيوسياسية حول العالم من الامريكيين وغير الامريكيين قد قدموا مساهمات اكاديمية بشأن حالة تحول النظام الدولي المتواصلة منذ العام 2008، ومن هي القوة المرشحة لقيادة النظام الجديد، اذ يكاد يكون هناك اجماع فيما بينهم على ان النظام الجديد سيكون نظاما متعدد الاقطاب، وفيما استعرض البعض ما يتوجب على الادارة الامريكية عمله لضمان تموضعها على رأس النظام الجديد، وضع البعض الآخر الشروط التي يجب ان تتوفر في القوة التي ستتربع على عرش النظام الدولي.

    وتضمنت مساهمة وزير الخارجية الامريكي الاسبق، واحد رواد المدرسة السياسية الواقعية "هنري كيسنجر" والتي وسمت بعنوان "نظام عالمي جديد"، جملة من التوجيهات التي يتوجب ان تشكل اسسا للاستراتيجية الامريكية في مواجهة التهديدات التي انتجتها حالة الفشل في بناء نظام دولي مستقر، يتوجب استبداله بنظام جديد مستقر، بقوله: "اذا كانت اميركا راغبة في لعب دور مسؤول، وعليها ان تفعل، في تطور النظام العالمي، فما الذي ينبغي عليها بالضبط ان تمنع حدوته مهما كلف الامر ولو بمفردها من دون مشاركة الآخرين؟ وما الذي ينبغي ان تسعى لتحقيقه حتى لو تمنع هؤلاء عن دعمها؟ وبطريقة عكسية ما الذي يجب عليها ان تمتنع عنه ولو اصر عليه الاخرون من دول وتحالفات؟ وما طبيعة القيم التي تسعى للوصول اليها؟ وكيف يمكنها الجمع بين تجارب تاريخية مختلفة وقيم متباينة في نظام عالمي مشترك" ؟

    اما مساهمة جورج فريدمان، المفكر الاستراتيجي الامريكي ومؤسس مركز ستراتفور في مجال الاستخبارات العالمية، عبر كتابه الذي حمل عنوان "الامبراطورية والجمهورية في عالم متغير"، والذي نقله للعربية المترجم البارز احمد محمود، والصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، اذ اكد فريدمان في هذا الكتاب ان الولايات المتحدة الامريكية هي امبراطورية حقاً، لاتساع اقتصادها عالميا، ولقوة جيشها وتواجده وانتشاره العالمي، ونتيجة لذلك اصبح تخليصها من النظام العالمي امرا مستحيلا، ومحاولة تخليصها من هذا النظام لن يزعزع الاقتصاد في الولايات المتحدة فقط، بل سيتم زعزعة النظام العالمي ككل.

    ولمواجهة التحديات والتهديدات التي ستنشأ نتيجة تبني استراتيجية بديلة لاستراتيجية الانسحاب من النظام العالمي، قدم فريدمان جملة من التوصيات التي يتوجب العمل من خلالها في السنوات العشر القادمة، والتي تضمن حسب رأي فريدمان عدم زعزعة الاقتصاد الامريكي والعالمي، علاوة على انها تضمن بقاء الولايات المتحدة الامريكية كإمبراطورية تقود النظام العالمي، ويمكن تلخيص هذه التوصيات بالتالي: اولا: اعادة التفكير بالتاريخ الذي اوصلنا الى هذه اللحظة الحاسمة. وثانيا: مواصلة عمل كل شيء يمكن عمله، لمنع الوفاق الروسي الألماني، والحد من الاثر الذي يمكن ان يكون لمجال تأثير روسيا في اوروبا، لأن وجود روسيا القوية عسكريا نفسه يغير الطريقة التي تتصرف بها اوروبا.

    وثالتا: لا بد ان تكون الاستراتيجية الامريكية مرة اخرى خادعة، لكن بوعي، اذ يتوجب على الادارة الامريكية خلال العقد المقبل ان تدير الفوضى في العالم الاسلامي، وروسيا الناهضة، واوروبا العبوس والمقسمة، والصين الضخمة وشديدة الاضطراب، واضافة لذلك لا بد لها من العثور على سبيل للخروج من المشكلات الاقتصادية، ليس من اجل نفسها فحسب، بل من اجل العالم .

    وفي مساهمة الاعلامي والباحث الاقتصادي الفرنسي جون ميشيل كاتربوان، والذي قدم كتاب بعنوان "صدام الامبراطوريات". وفي معرض سعيه للإجابة على سؤال عمن سيهيمن على دواليب الاقتصاد العالمي ويتحكم في توجيه السياسة العالمية خلال القرن الحالي؟ قدم كاتربوان تصنيفا جديدا للقوى الاقتصادية والسياسية في القرن الحادي والعشرين، ووفق هذا التصنيف تبوأت كل من اميركا والصين والمانيا الصف الاول، باعتبارها الوجه الامبراطوري الجديد للدول المتحكمة في السوق العالمية، متبوعة بروسيا واليابان في الصف الثاني، وفرنسا والمملكة البريطانية في الصف الثالث. وخلص المؤلف الى نتيجة مفادها: ان الدولة/الامبراطورية التي ستهيمن على الاقتصاد العالمي في العقدين الاول والثاني من القرن الحالي، سيكون لها حق الافضلية في توجيه السياسة العالمية في ما تبقى من القرن .

    يبدو مما تقدم ان النظام العالمي الذي نشأ في العام 1991، والذي تربعت على عرشه الولايات المتحدة الامريكية منفردة قد فشل في انتاج نظام عالمي مستقر، وكانت ازمة العقارات التي نشأت في امريكا في العام 2008، هي اول علامات الفشل، ثم توالت علامات الفشل تباعا، ممثلة في الازمة المالية العالمية التي كانت اوروبا الغربية اكثر من تأثر بتداعياتها، علاوة على مساهمتها في تراجع معدلات نمو الاقتصاد الصيني، واخيرا مساهمتها في ما يحدث في منطقة الشرق الاوسط من فوضى واقتتال وانهيار ودمار لدولها، وترى هذه المقالة ان اقوى الدلالات على فشل النظام الدولي المستمدة من منطقة الشرق الاوسط، هي دلالة ما يحدث الان في سوريا من حرب دولية طاحنة، لا زالت متواصلة منذ العام 2011.

    وفيما توافق خبراء السياسة والاقتصاد والجيوسياسية حول العالم ان النظام متعدد الاقطاب هو النظام البديل للنظام الفاشل، الا انهم نظروا للأزمة من زاويا مختلفة، وبناء على ذلك قدموا رؤى مختلفة للخروج من هذه الأزمة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، ما مدى تأثر الرئيس ترامب بهذه الرؤى، وما هي الرؤية التي حملها خطابه الانتخابي للنظام العالمي الجديد؟ الامر الذي سيجري تناوله في العنوان ادناه.

    النظام العالمي الجديد في خطاب وقرارات الرئيس ترامب

    اثار خطاب ترامب السياسي سواء خلال الحملة الانتخابية، ام بعد اعلان فوزه بالرئاسة وادائه اليمين الدستورية هواجس كثيرة، داخليا وخارجيا، اذ بدى واضحا ان الرئيس الخامس والاربعون للولايات المتحدة الامريكية يسعى لقلب المعادلات الامريكية الداخلية والدولية.

    لن تتناول هذه المقالة اثر مضمون الخطاب على المعادلة الامريكية الداخلية، اذ تناولت هذا الامر العديد من الدراسات التي تحيل اليها هذه المقالة ، وستركز بالمقابل على اثر الخطاب على المعادلات الدولية والنظام العالمي.

    وفي هذا السياق يمكن القول ان حالة التشاؤم والخوف من تداعيات فوز ترامب على النظام العالمي، هي الحالة السائدة والمسيطرة على معظم خبراء علم السياسة، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، والجيوسياسية، الذين تناولوا اثار وتداعيات فوز ترامب على النظام العالمي.

    فمنهم من اعتبر هذا الفوز بمثابة الكارثة ، واعتبره اخرون نمط من انماط العيب السياسي ، وكان البعض الاخر اكثر موضوعية بالقول ان الامر لا يتوقف على مضمون الخطاب فقط، بل يتوقف اكثر على ردود افعال المتأثرين بهذا الخطاب عندما يتحول الى افعال .

    وكان ترامب قد صمم خطابه الانتخابي حول شعار مركزي تمثل في عبارة "امريكا أولا"، وفي معرض تفسير واعادة انتاج هذا الشعار، اشار ترامب وبعض من مساعديه الاساسيين في حملته الانتخابية، ان المصالح الامريكية ستكون الاولوية العليا للرئيس ترامب (في حال فوزه)، حتى لو ادى ذلك الى المس بثوابت السياسة الخارجية الامريكية، او جاء على حساب الحلفاء الاقرب للولايات المتحدة، او ادى الى فوضى في العالم .

    فمن ذلك مثلا تصريح ترامب اكثر من مرة وفي اكثر من مكان، ان امريكا بقيادته قد تتخلى عن التزاماتها نحو حلف شمال الاطلسي، ان لم تقم الدول الاعضاء الاخرى بتحمل اعباء اكبر في نفقات الحلف .

    ويأتي في نفس السياق تعهده قبل توليه منصبه رسميا بإجراء تغيرات جذرية في السياسة التجارية الامريكية بما في ذلك اعادة النظر في التزام امريكا بالمعاهدات والاتفاقيات التجارية الدولية، مثل المعاهدات والاتفاقات التي انشأتـ منظمة التجارة العالمية، واتفاقية NAFTA التي تنظم العلاقات التجارية بين دول امريكا الشمالية، علاوة على تعهده ببناء جدار فاصل بين بلاده والمكسيك على نفقة الاخيرة، لمنع الهجرة غير الشرعية لبلاده من المكسيك التي عادة ما تكون على حساب شريحة العمال الامريكية .

    وكذلك انتقاده اثناء الحملة الانتخابية اتفاقية التجارة الحرة المخطط لها بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية المعروفة باسم "الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الاطلسي"، وبعد فوزه في الانتخابات وتوليه مهامه رسميا هدد بفرض ضرائب اضافية على الصادرات الالمانية للسوق الامريكية بنسبة 35% خاصة على قطاع السيارات.

    وجاء رد المانيا، كثالث اكبر اقتصاد في العالم بعد امريكا والصين وفق تصنيف كاتربوان المشار اليه اعلاه، واكبر اقتصاد اوروبي، واكبر شريك تجاري اوروبي للولايات المتحدة الامريكية، حيث تعتبر الاخيرة اول مستورد للصادرات الالمانية، على هذه التهديدات عبر وزير المالية الالماني "فولفجانج شيويله" اذ قال "لا اعتقد ان حربا تجارية ستندلع في الغد ولكن من الطبيعي ان نشدد على الالتزام بالاتفاقيات، واضاف ان الاقتصاد الالماني سيشعر بوضوح بأثار أي نزعة حماية تجارية ناشئة من واشنطن، لكن المانيا ستكون محمية الى حد ما، نظرا لأن النمو بها يقوده حاليا الطلب المحلي" .

    بالمقابل كان بعض خبراء الاقتصاد الالماني اقل تفاؤلا من وزير المالية شيويله اذ قال كارستين بريزينسكي الخبير الاقتصادي الالماني في مجموعة "أي ان جي" المالية الهولندية "لا استبعد تلقي الاقتصاد الالماني ضربة بسبب سياسات ترامب "، وقالت وزيرة الاقتصاد الالمانية، بريجيتيه تسيبريز، "ان السياسات التي تبناها الرئيس ترامب تسير في اتجاه خاطئ تماما، لأنها ستؤثر سلبا على النمو والوظائف في كلا من الاقتصاد الالماني والامريكي" .

    كما شملت تصريحات ترامب المؤسسات الدولية مثل مجلس الامن الدولي وهيئة الامم المتحدة والمنظمات المنبثقة عنها، متوعدا اياها بتصحيح طريقة والية عملها بعد دخوله للبيت الابيض .

    وفيما يتعلق بالصين وفور اعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية، صرح ترامب بتاريخ 8/11/2016، بانه "ليس ملزما بمبدأ صين واحدة"، هذا المبدأ الذي قامت عليه السياسة الخارجية الامريكية منذ نحو اربعين عاما مع الصين وتايوان، وكان قد ربط التزامه بمبدأ صين واحدة بشروط اقتصادية بحتة تتعلق بتعديل السياسة الاقتصادية الصينية لا سيما السياسة النقدية المتعلقة بقيمة العملة الصينية مقابل الدولار الامريكي .

    وفي مقابل ذلك تحدث الرئيس ترامب بلغة ديبلوماسية هادئة وغير معتادة في الثقافة السياسية الامريكية بشأن روسيا حيث خالف تقديرات اجهزة الاستخبارات الامريكية بان روسيا حاولت التأثير في الانتخابات الامريكية . وتجدر الاشارة هنا ان الكونجرس الامريكي يوم الاثنين الموافق 20/3/2017، قد كلف رئيس جهاز الامن الداخلي FBI البدء بالتحقيق في مدى تدخل اجهزة المخابرات الروسية في التأثير على الانتخابات الاخيرة، الامر الذي يعتبر سابقة في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية .

    وكانت التصريحات الاكثر اثارة للانتباه في خطاب الرئيس ترامب تلك التصريحات التي تعكس موقفه المتشدد من الاتفاق النووي الذي ابرمته مجموعة 5+1 مع ايران قبل عام تقريبا، باعتباره "اسوأ صفقة مرت عليه في التاريخ" اذ وعد بتصحيحها مؤكدا على عزمه عدم السماح لإيران مطلقا بتطوير سلاح نووي، الأمر الذي بدى متناقضا مع موقفه الذي اشار فيه الى عدم معارضته امتلاك سلاح نووي من قبل كل من اليابان وكوريا الجنوبية والسعودية، الدول الحليفة تاريخيا للولايات المتحدة الامريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، للدفاع عن نفسها، او ان تقوم هذه الدول بدفع ثمن الحماية الامريكية لها، معللا ذلك بان الولايات المتحدة بقيادته لن تقوم بذلك نيابة عنهم بالمجان .

    وكان ترامب كذلك قد جعل من الحرب على الارهاب احد اعمدة حملته الانتخابية، اذ وعد بهزيمة واستئصال تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" لاسيما في سوريا .

    كما تعهد في اكثر من مناسبة بأن يحمي وجود اسرائيل كدولة قائمة في الشرق الاوسط من خلال مساعدتها على مواجهة التهديدات الامنية التي تواجهها في المنطقة .

    وفيما لم يتناول ترامب في خطابه وتصريحاته النظام الدولي مباشرة، الا ان المحاور التي تضمنها الخطاب كما جرى توضيحها اعلاه، قد شملت كل مكونات النظام الدولي، كما انها عكست رؤية الرئيس لعلاقات بلاده في ظل رئاسته مع هذه المكونات، والتي تتمحور جميعها حول شعار "امريكا اولا"، أي ما هو العائد الاقتصادي على بلاده من هذه العلاقات.

    الامر الذي يعني ان الأسس التي ستبنى عليها علاقات الولايات المتحدة مع باقي مكونات النظام الدولي قد وضعت من قبل الرئيس الخامس والاربعون، وملامح النظام الدولي الجديد واليات عمله وحجم نفوذ امريكا فيه، قد عبر عنها الرئيس بوضوح وبدون مواربة وبلغة بدى فيها اسلوبه فظ ورديء على حد وصف البعض .

    والملاحظة المهمة هنا ان الرئيس لم يدعو باقي مكونات المجتمع الدولي "دولا ومؤسسات"، الى التفاوض على تطبيق وتنفيذ هذه الرؤية وفق ضوابط اللياقة السياسية، بل وضع شروطه التي تعكس ثقافته الاقتصادية في المساومة وعقد الصفقات المربحة لأطرافها، اذ يبدو هنا انه ترك تفاصيل مناقشة رؤيته مع الاطراف التي تأثرت بها لحكومته ومجموعة مستشاريه، الامر الذي لا زال متواصلا ولم ينتهي بعد.

    وكانت منطقة الشرق الاوسط قد احتلت مساحة واسعة في خطاب الرئيس الانتخابي، وتصريحاته، واتصالاته، ولقاءاته بعد فوزه بالرئاسة، الامر الذي يعكس الاهمية الاستراتيجية للمنطقة ومكانتها في النظام الدولي، اذ تحتوي المنطقة على اهم التهديدات التي تهدد الامن والاستقرار والسلم العالمي، فهي المصدر الاساسي للطاقة، وفيها اهم الممرات المائية لحركة التجارة الدولية، كما تضم دولة داعش عنوان الارهاب الاول عالميا، وتضم كذلك ايران وطموحها النووي وما يتضمنه هذا الطموح من تهديد لإسرائيل وغيرها من الدول الحليفة للولايات المتحدة الامريكية، والاهم ان فيها اسرائيل الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة، والتي لا زالت تعيش صراعا مفتوحا مع الفلسطينيين منذ اكثر من ستة عقود.

    ولمزيد من الاطلاع على مكانة الشرق الاوسط في خطاب الرئيس ترامب سيجري مناقشة هذا الموضوع تحت العنوان ادناه.

    الشرق الاوسط كما بدا في خطاب الرئيس ترامب

    لم تكن مفاجئة ان تبنى معظم النقاشات العامة في الشارع الامريكي التي رافقت الحملة الانتخابية للرئيس ترامب حول الشرق الاوسط، لاسيما لارتباط المنطقة بالدولة الاسلامية "داعش"، وايران، اللتان شكلتا بدورهما المحاور التي احتلت مساحة واسعة في خطاب وتصريحات الرئيس، الامر الذي يعني ان منطقة الشرق الاوسط ستبقى على رأس اولويات الإدارة الامريكية الجديدة على المدى القصير على الاقل .

    وفي محاولة لتحديد المبادئ الاساسية التي ستقوم عليها سياسة ترامب الخارجية، وأولوياته على صعيد كل منطقة، فثمة من يطرح ان ترامب لا يملك رؤية استراتيجية متماسكة للسياسة الخارجية الامريكية بشكل عام. فهو معدوم الخبرة، لكنه ومع ذلك يعتقد انه الاقدر على ادارة السياسة الخارجية وتوظيفها لخدمة شعاره الانتخابي "جعل امريكا عظيمة مرة اخرى"، على اساس انه رجل اعمال ناجح يتقن فن التفاوض والمساومة .

    وثمة اخرين يقولون ان اهم ما يميز ترامب هو التناقض في تصريحاته السياسية، فهو يقول الشيء ثم يناقضه بعد قليل، و يضيف هؤلاء انه على الرغم من ذلك يمكن فهم رؤيته من خلال التركيز على الخطوط العريضة في خطابه، واهم هذه الخطوط شعاره الانتخابي "امريكا اولا" .

    وركز اخرون على الفريق الذي اختاره الرئيس للعمل معه، وقال بعضهم ان رجال ادارة ترامب يرون العالم بصورة براغماتية وغير اخلاقية، وربما لن يكون لديهم مانع من عقد صفقات سرية مع قوى كبرى اخرى حول مصير هذه المنطقة او تلك من العالم .

    وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط الاكثر اضطرابا في العالم، فيمكن القول ان خطاب وتصريحات الرئيس الخاصة بالمنطقة قد تضمنت محاور محددة تشكل خطوطا عامة لسياسته المتوقعة في المنطقة، مثل الموقف من دولة داعش، وايران وطموحها النووي، والموقف من النظام السوري، وكذلك الموقف من التسوية السياسية بين الفلسطينيين والاسرائيليين.

    وفيما حافظ الرئيس في خطابه على الثبات في الموقف وعدم التناقض في التصريحات في ما يتعلق بكل من داعش وايران وكذلك الموقف من النظام السوري، ظهر هناك تناقض في التصريحات في ما يتعلق بالموقف من عملية التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين، اذ تخلى عن موقفه باعتبار المستوطنات ليست عقبة امام السلام، الى اعتبارها ليست مفيدة للسلام، كما تملص من التزامه من نقل سفارة بلاده للقدس، ثم تخلى عن موقفه بعدم الالتزام بحل الدولتين الى الالتزام بمبدأ دولتين او دولة واحدة، الامر الذي يؤكد ما ذهب اليه البعض بالقول ان الرئيس لا يملك استراتيجية متكاملة تخص الشرق اوسط.

    وعلى ضوء ذلك حاول بعض خبراء استراتيجيات الامن القومي في كلية الحرب القومية الامريكية استشراف السياسة المتوقعة للرئيس الجديد في الشرق الاوسط من زاوية، اذا ما كان الرئيس الجديد سيحافظ على السياسة الخارجية المتبعة للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة، ام انه سيحدث مسارا مغايرا بشكل جذري لهذه السياسة؟ وفي اطار الاستراتيجية الامريكية الكبرى هل ستتبع ادارة ترامب سياسة انعزالية عبر تعريف ضيق لمصالح الامن القومي الحيوية للولايات المتحدة، او انها ستتبع سياسة تدخل اكبر لمواصلة حرب شاملة ضد ارهاب داعش والقاعدة ؟

    وتأسيسا على التساؤلات اعلاه، يمكن القول ان الرئيس سيحاول الدمج ما بين احداث تغيرات جذرية في بعض جوانب السياسة الامريكية في الشرق الاوسط، وما بين المحافظة على جوانب اخرى في السياسة الامريكية التقليدية المتبعة منذ عقود.

    فعلى صعيد السياسة الامريكية نحو دولة داعش و تنظيم القاعدة، فهناك تغير جذري في السياسة الامريكية نحوهما، خاصة فيما يتعلق بإشراك قوات امريكية ميدانية في القتال ضد الدولة الاسلامية مباشرة، الامر الذي امتنعت عنه الادارة الامريكية السابقة، وسيتطلب هذا التغيير، تغير جذري اخر فيما يتعلق بتوسيع التنسيق مع القوات الروسية المنخرطة في القتال ضد داعش والتنظيمات السورية المسلحة الاخرى، الامر الذي حرصت ادارة اوباما على ابقاء هذا التنسيق في ادني مستوياته، و سيؤدي هذا التغير الى تغير في السياسة الامريكية المتعلقة بالموقف الامريكي من النظام السوري خاصة من الرئيس الاسد، واخيرا سيعقب ذلك تغير في السياسة الامريكية الخاصة بقضايا تسليح مجموعات المعارضة السورية المصنفة غير ارهابية.

    وفي هذا السياق يرى بعض خبراء الامن القومي الامريكي ان الرئيس ترامب وادارته يرون في داعش العدو رقم واحد الذي يشكل تهديدا وجوديا للولايات المتحدة الامريكية، ويضيف هؤلاء ان الرئيس ترامب لديه نوايا جدية في اعلان منظمات الاسلام السياسي، لا سيما حركة الاخوان المسلمين كمنظمة ارهابية .

    وفي هذا الشأن اشار بعض المختصين ان الرئيس ترامب وادارته قد تراجعا مؤخرا عن ادراج حركة الاخوان المسلمين في اللائحة الامريكية للإرهاب وذلك لسببين، يتعلق الاول بكون الجماعة لديها حضورا قويا وواسعا بين الجاليات الاسلامية في الغرب وقد لعبت دورا مقبولا في تكييف هذه الجاليات ضمن المجتمعات الغربية، وان تجريم الاخوان يعني الدخول في مواجهة مع عشرات المنظمات الاسلامية الغربية التي تقدم جهدا لا يستهان به في دعم عمليات الدمج في المجتمعات الغربية.

    والسبب الثاني والاهم ان جماعة الاخوان المسلمين قد لعبت دورا مهما في مواجهة السلفية الجهادية او "الجهادية الكونية"، فهي في المغرب وتونس والجزائر وغزة والاردن تحارب بشدة التنظيمات المتطرفة، وفي ليبيا تقف بقوة ضد تنظيم داعش وتتحالف مع قوات اللواء حفتر، وفي العراق تحارب ضد تنظيم داعش بقوة، وبما ان الغرب اليوم يرفع راية مواجهة ما يسميه الارهاب الاسلامي فلا مناص من احتواء الاخوان المسلمين او تحييدهم او توظيفهم في تشكيل جدار متين يحول دون خيار الشباب الاسلامي الغاضب نحو العنف المسلح او الارتماء في احضان تنظيمات عدمية شديدة العنف .

    ويرى اخرون ان ادارة ترامب ترى في دولة الخلافة "داعش" و تنظيم القاعدة التهديد الاني الوحيد لها في المدى القصير الذي يتوجب استئصاله والقضاء عليه، وترى في الصين وطموحها الاقتصادي التهديد الاستراتيجي الاساسي على المدي البعيد، و ترى كذلك انه لا يتوجب على الادارة الامريكية صرف جهدها وقوتها وقدراتها في مواجهة اية تهديدات اخرى .

    وعلى صعيد الموقف من ايران، وتأسيسا على معادلة عدم استنفاذ القوة في قضايا اخرى، فخطاب الرئيس المعادي لإيران ووفق رأي بعض خبراء الجيوسياسية، لن يقود الى تغيرات جوهرية في السياسة الامريكية نحو ايران، وستقتصر اهداف السياسة الامريكية نحو ايران على تحقيق هدفين، يتمحور الهدف الاول حول وضع خطوط حمراء لإيران لغايات عدم تجاوزها في اطار محاولاتها توسيع دائرة نفوذها على حساب توازنات القوة التي تسعي الولايات المتحدة لترسيخها في المنطقة، ويسعى الهدف الثاني الى منع ايران من التموضع على شواطئ شرق المتوسط لغايات التحكم في خطوط نقل الغاز عبر المتوسط من كل من ايران والسعودية وقطر وروسيا وكذلك اسرائيل، اذ سيكون الصراع على خطوط الغاز والاستثمار العالمي فيه هو محور الصراع في المنطقة خلال القرن الحالي .

    وعلى صعيد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي الذي انتج بدوره القضية الفلسطينية، فقد بدا خطاب الرئيس ترامب ابتداء وكأن هناك تغيرا جذريا في السياسة الامريكية، لا سيما في ما يتعلق بالموقف من الاستيطان، والموقف من حل الدولتين، والموقف من نقل السفارة للقدس، ثم طرأ تغيرا ملموسا على هذه المواقف كما سيجرى توضيحه لاحقا.

    أما بخصوص تأثر القضية الفلسطينية بتحولات النظامين الدولي والاقليمي، فقد كانت القضية الفلسطينية اكثر القضايا حول العالم تأثرا بتحولات النظام العالمي الامر الذي سيجري تناوله تحت العنوان التالي.

    القضية الفلسطينية وتحولات النظام الدولي

    تعتبر القضية الفلسطينية احد القضايا التي يمكن من خلالها دراسة تحولات النظام العالمي منذ بداية القرن الماضي، اذ كان وعد بلفور الذي اسس لما عرف لاحقا بنكبة الشعب الفلسطيني، قد صدر عن وزير خارجية المملكة المتحدة "بريطانيا" في العام1917 ، أي ما بعد الحرب العالمية الاولى التي اسست بدورها لنهاية النظام العالمي "متعدد الاقطاب" الذي نشأ على اثر معاهدة فينا في العام 1815، وبداية تشكل نظام عالمي جديد لم تكن ملامحه النهائية قد تحددت بعد في ذلك العام، وكان النظام العالمي في تلك الفترة قد شهد بناء منتظم دولي سمي "بعصبة الامم" لتنظيم العلاقات ما بين الدول الاعضاء في هذه المنظمة لغايات منع نشوب الحرب مرة اخرى.

    وقد اصدر هذا المنتظم "عصبة الامم"، في العام 1922، صكا وضع فيه فلسطين تحت الانتداب البريطاني، لتمكين المملكة البريطانية من تنفيذ وعدها بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وذلك وفق منطوق المادة الثانية من صك الانتداب. كما اعترف هذا المنتظم وفق منطوق المادة الرابعة من صك الانتداب بالجمعية الصهيونية كوكالة يهودية ملائمة لإسداء المشورة الى ادارة فلسطين الانتدابية والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الامور التي قد تؤثر في انشاء الوطن القومي لليهود .

    وأدى اندلاع الحرب العالمية الثانية الى نشأة نظام عالمي جديد على انقاض النظام القديم الذي فشل في عدم اندلاع الحرب، عرف بالنظام ثنائي القطبية، على اثر توقيع اتفاقية يالطا بين كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية والمملكة البريطانية في العام 1945 ، والذي بدوره اقام منتظم دولي جديد حل مكان المنتظم القديم عرف باسم "هيئة الامم المتحدة"، التي اصدرت بتاريخ 29/11/1947، قرار رقم (181) المعروف باسم قرار تقسيم فلسطين، اذ قسم هذا القرار فلسطين الى ثلاث كيانات جديدة، دولة عربية على ما مساحته 000،11 كيلو متر مربع، ودولة يهودية على ما مساحته 000،15 كيلو متر مربع، ويضم الكيان الثالث كل من القدس وبيت لحم، التي ستوضع تحت وصاية دولية .

    وقد شهد هذا النظام العالمي حديث التكوين نشأة دولة اسرائيل في العام 1948، على ما نسبته 78% من مساحة فلسطين الانتدابية، بعد حملة تطهير عرقي نفذتها العصابات الصهيونية المسلحة ضد السكان الفلسطينيين الاصليين، والذين اصبح ما بقي منهم على قيد الحياة لاجئين مشتتين موزعين على معسكرات اللجوء التي انشأتها لهم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة سواء في ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة)، ام في دول الجوار الفلسطيني .

    وقد شهدت فترة النظام العالمي ثنائي القطبية حربا شرسة غير عسكرية عرفت بالحرب الباردة، دارت رحاها ما بين قطبي النظام العالمي، الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها من جهةـ والاتحاد السوفيتي وحلفائه من جهة اخرى، وفي الوقت نفسه شهد الصراع العربي الاسرائيلي اعنف الحروب العسكرية الشاملة ما بين اسرائيل وحلفائها من جهة، ودول الجوار العربي من جهة اخرى .

    وتعتبر حرب العام 1967، اهم هذه الحروب، لما اوجدته من نتائج عسكرية وسياسية، فعلى الصعيد العسكري الحق الجيش الاسرائيلي هزيمة عسكرية نكراء بثلاثة من الجيوش العربية "المصرية والسورية والاردنية"، علاوة على احتلالها للضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، أي ما تبقى من فلسطين، واحتلالها كذلك لشبه جزيرة سيناء المصرية، ومرتفعات الجولان السورية، وحققت اسرائيل بذلك العمق الاستراتيجي الذي كانت تفتقد اليه نظرية امنها القومي.

    اما على الصعيد السياسي فقد نجحت اسرائيل عبر دعم الولايات المتحدة الامريكية لها في مجلس الامن، في وضع الاساس السياسي الذي شكل قاعدة التفاوض السياسي ما بين اسرائيل والدول العربية فيما بعد، ممثلا بالقرار 242 .

    وعلى الصعيد الفلسطيني شهدت مرحلة الحرب الباردة نجاح الشعب الفلسطيني في اعادة تشكيل بيئته الوطنية التي بدورها انشأت منظمة التحرير الفلسطينية كوطن سياسي للفلسطينيين، كما شهدت هذه المرحلة ولادة فصائل العمل العسكري الفلسطيني التي كانت حركة فتح من اهمها واكبرها، كما خاضت هذه الفصائل مواجهات عسكرية شاملة مع الجيش الاسرائيلي، كانت الحرب التي عرفت بحرب بيروت في العام 1982، هي اشرسها على الاطلاق، علاوة على انها كانت اطول الحروب العسكرية الاسرائيلية العربية، اذ امتدت لأكثر من ثمانون يوما، وكان من اهم نتائج هذه الحرب محاصرة الجيش الاسرائيلي لبيروت لتكون العاصمة العربية الثانية التي يحتلها الجيش الاسرائيلي بعد القدس، علاوة على احتلال الجيش الاسرائيلي لمنطقة جنوب لبنان، الامر الذي كان من اهم الاسباب التي انشأت فيما بعد حزب الله اللبناني، كما انها ادت الى خروج الثورة الفلسطينية وقواتها المسلحة الى خارج لبنان وتوزعها على عدد من الدول العربية، اما القيادة السياسية الفلسطينية فقد استقرت في العاصمة التونسية .

    كما وشهدت هذه المرحلة اندلاع الانتفاضة الشعبية الاولى التي عرفت باسم انتفاضة الحجارة والتي امتدت منذ العام 1987 حتى العام 1993، التي شهدت بدورها نشأة حركة المقاومة الاسلامية حماس، معلنة انخراطها في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، لكن ضمن اطار خارج اطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني .

    وكانت القضية الفلسطينية في اعقاب انهيار النظام ثنائي القطبية ونشأة النظام احادي القطبية، والذي دخل فيما بعد بحالة من العماء الدولي، قد شهدت تحولا جذريا في استراتيجيات معالجتها، اذ انتقلت الى المعالجة السلمية عبر التفاوض بدل المقاومة والعنف المسلح، التي بدورها اسفرت عن توقيع اتفاقية اوسلو في العام 1993، التي انشأت السلطة الفلسطينية كسلطة حكم ذاتي الى حين بدء مفاوضات الحل النهائي التي كان من المفترض ان تبدأ في نهاية العام 1999، الا انها جرت في العام 2000، في منتجع كامب ديفيد في الولايات المتحدة الامريكية وكانت نتيجتها الفشل في التوصل الى اتفاق بين الرئيس ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود براك، نتيجة لتباين المواقف حول ما طرحه الرئيس كلينتون في ذلك الوقت كأساس للحل النهائي، ويرى كثير من المراقبين للشأن الفلسطيني ان هذا الفشل كان من اهم اسباب اندلاع الانتفاضة الثانية، التي بدأت عقب الزيارة الاستفزازية لشارون للمسجد الأقصى في نهاية العام 2000 .

    وفي هذا السياق يرى البعض ان النظام السياسي الفلسطيني قد شهد تطورا جذريا في هذه المرحلة تمثل في رحيل الرئيس ياسر عرفات، وتولي الرئيس عباس قيادة الفلسطينيين بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في العام 2005، و شهدت دخول حركة حماس للنظام السياسي الفلسطيني اذ شاركت في الانتخابات التشريعية الثانية التي جرت في يناير العام 2006، بعد ان كانت قد قررت مقاطعة الانتخابات التي جرت في العام 1996، كما وشهد الانقسام الفلسطيني الذي وصل الى ذروته في صيف العام 2007، بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة بالقوة العسكرية. ويرى بعض اخر ان هذا الانقسام كان من نتائج الاختلاف على الاستراتيجية الواجبة التطبيق في معالجة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي من جهة، والصراع على النفوذ من جهة اخرى ، الا ان الحقيقة الابرز في هذا الشأن هي استمرار حالة الانقسام الفلسطيني حتى تاريخ كتابة هذه الورقة، وبقاء قطاع غزة محاصرا من قبل اسرائيل برا وبحرا وجوا، علاوة على شن اسرائيل ثلاثة حروب طاحنة عليه في الاعوام 2008، 2012، 2014.

    هذا على صعيد ما شهدته القضية الفلسطينية من تداعيات نتيجة تحول النظام الدولي من نظام الى اخر على مدار القرن الماضي.

    والان وفي هذه المرحلة التي يجري فيها تحول النظام الدولي وانزياحه نحو نظام اغلب الظن انه سيكون نظام متعدد الاقطاب بدل النظام احدي القطبية الذي ثبت فشله.

    وفي المرحلة التي يجري فيها كذلك تحول النظام الاقليمي في منطقة الشرق الاوسط الى نظام لم تتضح معالمه النهائية بعد.

    و في المرحلة التي يدخل فيها الرئيس ترامب للبيت الابيض متوعدا اعادة صياغة النظام الدولي بناء على شعار امريكا اولا، واعادة بناء شرق اوسط خالي من دولة داعش، وشرق اوسط لا تهيمن عليه ايران بمفردها، وشرق اوسط تعيش فيه دولة اسرائيل بأمن وسلام مع جيرانها العرب.

    فما هي تداعيات هذا التحول على القضية الفلسطينية؟ وهل سيقرب هذا التحول الفلسطينيين من حلمهم في الدولة الفلسطينية المستقلة التي تفاوضوا عليها طوال فترة نظام القطب الواحد؟ ام سيساهم هذا التحول في انهاء الحلم الفلسطيني في التحرر والاستقلال عبر التفاوض السلمي ويعيد الصراع الى مربعاته الاولى؟

    للإجابة على هذه الاسئلة هناك حاجة لدراسة الوضع الجيوسياسي لكل من الفلسطينيين والاسرائيليين بشيء من التفصيل لا سيما دراسة التهديدات التي تواجه كل منهما في هذه المرحلة، الامر الذي سيجري تناوله تباعا في العناوين ادناه.

    التهديدات التي تواجه اسرائيل في مرحلة تحول النظام العالمي والاقليمي

    تعتبر دولة اسرائيل حالة مختلفة عن بقية دول العالم التي انشأتها شعوبها على اقاليمها الجغرافية الاصلية، ولذلك فهي الدولة الوحيدة التي يعتبر جيرانها لا سيما الشعوب ان وجودها غير شرعي وغريب في المنطقة ، ولا زالت بعض الدول المجاورة لها تعتبر نفسها في حالة حرب معها ، كما انها الوحيدة التي يطرح وجودها وقدرتها على البقاء في المدى المنظور للنقاش علنا في الاوساط الاسرائيلية الاعلامية، والاكاديمية، والامنية .

    وفي سياق مسيرة حسم صنع الوجود كانت الحرب على لبنان في صيف العام 2006، وكذلك الحروب المتتالية على قطاع غزة في الاعوام 2008، و2012، و2014، علاوة على حربها المتواصلة على الارض في الضفة الغربية منذ بداية سبعينات القرن الماضي، والتي بدورها اظهرت ان دولة اسرائيل لم تحسن التكيف مع الوقائع الجديدة في بيئتها الاستراتيجية. ووفق بعض المحللين الاسرائيليين، يمر هذا الكيان بأزمة لم يسبق لها مثيل منذ ثلاثينات القرن الماضي .

    وكشف التقرير المرحلي للجنة فينوغراد التي كلفت رسميا بالتحقيق في حرب العام 2006 ونتائجها، عن ظواهر معضلة استراتيجية يواجهها مشروع الدولة، وهي ان الانهماك في حرب مستديمة ضد السكان الاصليين الفلسطينيين للسيطرة على كامل الارض الفلسطينية وتحويلها الى دولة يهودية، تختلف استراتيجيا عن حربها على الحدود} ...{، لذا لا يصلح استخدام الجيش في الحرب الاولى للتوصل الى حسم عسكري في الحرب الثانية .

    لذا، وبعد قرابة السبعة عقود على انشاء الدولة، فإن المشروع الصهيوني يواجه خيارين، يتمثل الاول في حسم صنع الوجود، من خلال مواصلة التطهير العرقي للفلسطينيين، ومن ثم الحصول على اعتراف دولي واقليمي بوجود الدولة كأمر واقع.

    وينطوي الخيار الثاني على استباق الفشل بالتخلي عن المشروع الصهيوني والتوصل الى شراكة مع الشعب الفلسطيني في دولة فلسطين كما جرى في جنوب افريقيا العام 1994، وفي ايرلندا الشمالية في العام 2007 .

    يتطلب الخيار الاول محاسبة داخلية للمؤسستين العسكرية والسياسية بسبب عدم قدرتهما على تحقيق حسم استراتيجي في الصراع مع الفلسطينيين منذ العام 1948، وعلى الفشل في ايصال المجتمع الاسرائيلي الى حالة من العيش الطبيعي في الاقليم كباقي المجتمعات الاخرى على الرغم من خوض الدولة اكثر من عشرة حروب وانتفاضتين كبيرتين لتحقيق هذه الغاية منذ نشأتها حتى يومنا هذا.

    اما الخيار الثاني فيتطلب تحولا جذريا في نظام الحكم الاسرائيلي بحيث يتخلى عن المشروع الصهيوني، و/او ممارسة ضغوط خارجية غير مسبوقة لإيصال المشروع نفسه الى الانهيار .

    وبعد الحرب على لبنان في العام 2006، يبدو ان اسرائيل اتبعت توجها اخر، هو محاولة التحايل على المشكلة ، أي ايجاد سبل اخرى لتحقيق الهدف من دون مراجعة جدوى تحقيق الهدف نفسه، الامر الذي يشير الى استمرارية اتباع الخيار الاول .

    وقد ادى منهج الاستمرارية في اتباع الخيار الاول، وفق فلسفة التحايل على المشكلة، كسبب من بين مجموعة اسباب اخرى ، الى انزياح اسرائيل بالكامل نحو اليمين الديني القومي المتطرف الذي يسيطر على مقاليد الدولة والمجتمع الان. وقد بدا هذا اليمين وكأنه اجرى محاسبة داخلية للمؤسستين العسكرية والسياسية لفشلهما في عدم تحقيق حسم استراتيجي في الصراع مع الفلسطينيين، الامر الذي يبدو واضحا في خطابه المعادي لكل مؤسسات الدولة السياسية والعسكرية والتشريعية والقضائية، ومعاداته كذلك لنخب المجتمع الاقتصادية والاعلامية، والاكاديمية، والثقافية، وتتجسد هذه المعاداة في خطاب زعيم كتلة البيت اليهودي نفتالي بينيت الانتخابي في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة .

    وكانت كتلة البيت اليهودي قد بنت خطابها الانتخابي حول شعار "لا داعي للاعتذار"، والمقصود بهذا الشعار هو ضرورة التحلل من الضوابط الاخلاقية الكونية والليبرالية التي تضع قيودا على لغة القوة، وتأخذ مصالح الاخرين في الاعتبار وتسعى لان تكون مقبولة دوليا، (في اشارة منه لأسباب فشل المؤسستين العسكرية والسياسية في اسرائيل لتحقيق حسم استراتيجي للصراع مع الفلسطينيين)، وجوهر هذا الشعار هو تبني سياسة تقوم على اعتبار القوة والافتنان بها وبالذات القومية الدينية، كقيمتين، واعتباران القيم الليبرالية الكونية واليسارية والانسانية ليست سوى كوابح تعيق قدرة المشروع القومي الديني على تحقيق ذاته .

    وتأسيسا على ذلك ترى هذه المقالة ان مهمة حسم الصراع وتحقيق الانتصار فيه يحمل لوائها الان اليمين القومي المتدين في اسرائيل، ومعيار النصر هنا هو حسم السيطرة على ما تبقى من الارض الفلسطينية عبر الاستيطان والتهويد لا سيما في القدس، الامر الذي يعني ان جيش المستوطنين قد حل محل الجيش النظامي في مهمة حسم الصراع على الارض بعد توفير الحماية السياسية والتشريعية والامنية لممارساته من قبل الدولة ومؤسساتها.

    صحيح ان دولة اسرائيل لم تكن بما هي عليه الان من قوة عسكرية واقتصادية منذ نشأتها في العام 1948، حيث تعتبر القوة العسكرية رقم (16) عالميا، ورقم (3) اقليميا، اذ يسبقها في الاقليم كل من تركيا ومصر، هذا وفق معايير القوة التقليدية حسب تصنيف موقع،Global Fire Power ، (جلوبال فاير باور) ، واذا ما ادخل معيار القوة العسكرية غير التقليدية تصبح اسرائيل القوة العسكرية رقم واحد اقليميا.

    ومن الناحية الاقتصادية بلغ اجمالي الناتج المحلي في اسرائيل في العام 2016، ما قيمته 299,413، مليار دولار امريكي، وبلغ نصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي ما قيمته 35,743، دولار امريكي، أي ما يعادل معدل دخل الفرد من اجمالي الناتج المحلي في ثلاثة من الدول العربية المحيطة بإسرائيل ومنها، مصر، والاردن، ولبنان، اذ بلغ نصيب الفرد من معدل اجمالي الناتج المحلي في هذه الدول في العام 2016، ما قيمته، 12,599$ في مصر، و5,292$ في الاردن، و19,116$ في لبنان وذلك وفق معطيات موقع Global Finance، (جلوبال فاينانس) .

    ربما تفسر قوة اسرائيل العسكرية والاقتصادية الموضحة اعلاه، حالة الافتنان بالقوة التي عبر عنها شعار البيت اليهودي المشار اليه سابقا، كما ان صعود القوة هذا يعتبر من اهم العوامل التي ساهمت في تحول محركات صنع السياسة في اسرائيل خلال العقد الماضي، الا ان هذا التحول وفق رأي البعض قد ادخل اسرائيل في مواجهة جملة من التهديدات الامنية غير القابلة للحل، والتي لا يمكن لكل ترسانة اسرائيل العسكرية، ولا لكل الاموال في العالم مواجهتها وحلها .

    وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق ارئيل شارون، وبناء على خبرته العسكرية قد ادرك في العام 2005، انه ليس بمقدور اسرائيل مواجهة التهديدات القادمة بنفس الاستراتيجية، التي عمادها التفوق العسكري والاقتصادي، والتي طبقتها اسرائيل بنجاح منذ نشأتها حتى تاريخه .

    اذ تضمنت تلك الاستراتيجية ثلاثة اهداف كان اولها، عدم السماح للعرب بالتوحد في قوة مؤثرة واحدة، الامر الذي نجحت فيه اسرائيل بامتياز من خلال قوتها الاستخبارية وديبلوماسيتها الفاعلة ومساعدة الولايات المتحدة الامريكية السياسية لها في توقيع ثلاث معاهدات سلام مع الدول العربية، كان اولها مع مصر وثانيها مع الفلسطينيين واخرها مع المملكة الهاشمية الاردنية.

    وثاني اهداف هذه الاستراتيجية تمثل في حرص اسرائيل على تحديد مكان وزمان وحجم النيران في أي حرب، الامر الذي لا يمكن لإسرائيل الادعاء بأنها نجحت فيه بدرجة عالية لا سيما بعد حرب العام 1967.

    وثالث هذه الاهداف كان وجوب عدم مواجهة اسرائيل حربا على حدودها، وانتفاضة شعبية فلسطينية في المناطق الفلسطينية في نفس الوقت، الامر الذي لم يحدث ابدا .

    وكان شارون في حينه قد قسم المجتمع الاسرائيلي من حيث رؤيته للصراع الفلسطيني الاسرائيلي الى ثلاثة معسكرات، معسكر اولئك المؤمنون بأن بقاء اسرائيل يعتمد بالدرجة الاولى على الانفصال عن الفلسطينيين حتى لو ادى ذلك الى فتح الابواب امام عمليات "ارهابية"، ومعسكر اولئك الذين يعتبرون العمليات "الارهابية" بأنها التهديد الجدي الأساسي الذي يواجه اسرائيل، ويرون في التهديدات الاستراتيجية بعيدة المدى بأنها ليست اكثر من تهديدات نظرية، اما المعسكر الثالث فيتمثل في اولئك الذين تفرض عليهم قناعاتهم الدينية التزاما يقضي الى عدم التخلي عن الضفة الغربية باعتبارها جزء من ارض اسرائيل .

    وفيما كان المعسكر الاول يمثل الاغلبية في اسرائيل في ذلك الوقت، كان هناك نوع من انواع الوحدة بين المعسكرين الثاني والثالث، الامر الذي عنى لشارون ان تنامي قوة المعسكرين الاخيرين على حساب المعسكر الاول امر وارد وفق ديناميكية التحولات داخل المجتمع الاسرائيلي.

    وقد زاد هذا الاحتمال من حجم المخاطر لدي شارون وحكومته، الامر الذي يعني اعاقة تنفيذ رؤيته الاستراتيجية القائمة على مدى تشخيصه لانكشاف اسرائيل الاستراتيجي، اذ كان لدى شارون فهم في غاية الوضوح كان قد تبلور لديه خلال فترة رئاسته للوزراء في ذلك الوقت، بان دولة اسرائيل تعيش في لحظة انكشاف، وان التهديد بعيد المدى الذي يهدد اسرائيل ينبع من انهيار موضعها الاستراتيجي وليس من العمليات "الارهابية"، ولذلك كان قراره: قبول الواقع ببعض العمليات "الارهابية" المحدودة من اجل تعزيز موضع اسرائيل الاستراتيجي، وكانت معادلته بأن التهديدات بعيدة المدى اكثر خطورة على اسرائيل من التهديدات "الارهابية" المحدودة اذا اهدرت اسرائيل قواها في معالجة الاخير على حساب الاول .

    وكانت تلك المفاضلة ما بين التهديدات الانية وبعيدة المدى هي المحرك الاساسي لقرار شارون بالانسحاب احادي الجانب من غزة في العام 2005، الا ان شارون قد ذهب ولم ينجح من خلفه في الحكم في تطوير واكمال ما بدأه شارون.

    وتمكن المعسكرين الثاني والثالث من تعبئة المجتمع الاسرائيلي ضد رؤية شارون المشار اليها سابقا، خاصة بعد فشل المعسكر الاول في تحقيق النتائج المعلنة لحرب العام 2006 على لبنان، علاوة على فشله في استعادة الجندي جلعاد شاليط الذي تمكنت المقاومة الفلسطينية من اختطافه واسره خلال عملية عسكرية نوعية نفذتها في صيف العام 2006، على حدود غزة الجنوبية الشرقية، تلك العملية التي جرحت عميقا الكبرياء العسكري الاسرائيلي كما جرحت ثقة المجتمع الاسرائيلي في الجيش والمؤسسة الامنية كاملة.

    وشكلت انتخابات الكنيست الاسرائيلية الثامنة عشر والتي جرت في 10/2/2009، نقطة تحول في الخارطة السياسية والحزبية الاسرائيلية، اذ اظهرت نتائج هذه الانتخابات تصاعد قوة الاحزاب اليمينية اليهودية المتطرفة .

    واستمرت قوة هذه الاحزاب في الصعود في انتخابات الكنيست التاسعة عشر التي جرت في 22/1/2013، والكنيست العشرون التي جرت في 16/3/2015 . وفيما يتعلق بسياسة الحكومات المنبثقة عن هذه الانتخابات والتي تميزت بطغيان صوت قوى اليمين القومي الديني المتطرف عليها، ظهر ان جوهر هذه السياسة يرتكز على رفض الحل السياسي مع الفلسطينيين وفق مبدأ حل الدواتين، أي الرفض المطلق لقيام دولة فلسطينية مستقلة الى جانب دولة اسرائيل .

    ويشير البعض الى ان هذه السياسة، والخطاب الاعلامي والتعبوي المرافق لها والمعبر عنها، علاوة على السياسة التشريعية المجسدة لها والمتمثلة في جملة القوانين ومشاريع القوانين الصادرة عن الكنيست والمتعلقة مباشرة في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، والتي تعكس عنصرية دولة اسرائيل، وكذلك الممارسات العملية التي تعكس ثقافة تعريف هذه السياسات لا سيما سياسة الاستيطان والتهويد في المناطق الفلسطينية، قد ساهمت في خلق جملة من التهديدات "الوجودية" لدولة اسرائيل، والتي من شأنها ان تعرض المشروع الصهيوني برمته للسقوط والانتهاء لأسباب داخلية وليست خارجية .

    وفي معرض تناولهم لواقع دولة اسرائيل الاستراتيجي والجيوسياسي، اشار بعض الاكاديميين الاسرائيليين، وكذلك بعض مراكز دراسات الاستخبارات الاسرائيلية والعالمية الى جملة التهديدات التي تواجه اسرائيل في المرحلة الحالية والمستقبلية والتي من شأنها اذا ما عولجت ان تهدد قدرة الدولة على مواصلة الوجود.

    ففي دراسته الشهيرة "اسرائيل: مستقبل محاط بالشك"، والمنشور في العام 2011، اشار الاكاديمي الاسرائيلي المعروف، ريشار لوب، " ان اسرائيل ومنذ نشأتها في العام 1948، لم تكن بالقوة العسكرية والاقتصادية، التي هي عليها الان، ولكن في مقابل ذلك لم تكن نسبة اليهود المشككين بقدرة اسرائيل على الوجود في المستقبل مرتفعة كما هي اليوم". وعلى ضوء ذلك خلص الكاتب لنتيجة مفادها ان التوصل الى تسوية سياسية مع الفلسطينيين هي العامل الوحيد الذي سيساهم في تخفيف نسبة المشككين من اليهود في قدرة اسرائيل على الوجود والبقاء في المنطقة .

    وفي التحليلات الدورية التي تصدر عن مركز ستراتفور للاستخبارات العالمية، اشار التحليل الصادر عن المركز بتاريخ 30/8/2015، والذي حمل عنوان "مشكلة اسرائيل الحقيقية" ، "ان التهديد الوجودي الاعظم لإسرائيل يأتي من داخل اسرائيل وليس من خارجها"، وفصل التحليل مظاهر هذا التهديد، بانهيار دور القانون في الدولة، وضعف المؤسسات السياسية، وفقدان الاتفاق المجتمعي على الاهداف الوطنية المشتركة.

    واعتبر التحليل ان حوادث خطف وحرق الطفل محمد ابو خضير في القدس الشرقية بتاريخ 2/7/2014، وكذلك حرق عائلة دوايشة في قرية دوما شمال الضفة الغربية بتاريخ 31/7/2015، وتلكأ المؤسسة الامنية الاسرائيلية في الكشف عن المجرمين وتقديمهم للمحاكمة وتبريرها لهذا التلكؤ بالخوف على وحدة وتماسك المجتمع من اهم الشواهد على صحة التهديدات اعلاه.

    وفي هذا السياق ترى هذه المقالة ان المشاهد المتلفزة لإعدامات جنود من الجيش الاسرائيلي لبعض الفلسطينيين العزل من السلاح والمستسلمين للجيش، لا سيما مشهد اعدام الفلسطيني عبد الفتاح الشريف من قبل الجندي إليئور أزاريا بتاريخ 24/3/2016، وما رافق هذا المشهد من انقسام واضح في المجتمع الاسرائيلي ما بين مؤيد ومعارض لما قام به الجندي أزاريا، خاصة في اوساط السياسيين، دليل على صحة ما ذهب اليه تحليل مركز ستراتفور للاستخبارات الدولية.

    وقد اظهرت استطلاعات الرأي التي اجريت بهذا الصدد من قبل مؤسسات اسرائيلية مختصة ، ان نسبة المؤيدين لما قام به الجندي أزاريا والمعارضين لمبدأ محاكمته من الجمهور الاسرائيلي قد بلغت ما نسبته 60%، وقد عبرت نفس النسبة من الجمهور ان ادانة الجندي ستؤثر سلبا على الحافز للتجند لوحدات قتالية في الجيش، من منطلق ان الجيش لا يدعم جنوده، ويعتبر هذا الانقسام وهذه النسب دليل اخر على صحة ما ذهب اليه تحليل موقع ستراتفور، علاوة على انها اظهرت مدى انخفاض نسبة ثقة الجمهور الاسرائيلي بالجيش بعد صدور الحكم على الجندي القاتل .

    وتأسيسا على حقيقة ان الوضع الجيوسياسي للدولة يتحدد من بين عوامل اخري، من ترابط مؤسساتها السياسية، ووحدة شعبها حول اهداف مشتركة، خلص تحليل مركز ستراتفور الى القول "ان الجدار الحديدي لمجموعة المبادئ التي قامت عليها الدولة بدأت بالانهيار، الامر الذي يفسر ما ذهب اليه المرشد الاعلى للثورة الايرانية بقوله ان مستقبل اسرائيل هو الزوال" .

    وفي المسح الاستراتيجي لإسرائيل للعام 2016-2017 الصادر عن معهد ابحاث الامن القومي الاسرائيلي في بداية العام الجاري ، وفي معرض استعراضه للتهديدات قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى التي تواجه اسرائيل، اشار التقرير الى ان ميزان الامن القومي الاسرائيلي يشير الى تفوق اسرائيل العسكري والاقتصادي والتكنولوجي في المنطقة، الامر الذي حافظ على قوة الردع لدى اسرائيل، والذي بدوره ساعد اسرائيل في منع نشوب حرب مباشرة معها، ومن جهة اخرى اكد التقرير ان هناك بعض التطورات السلبية في بيئة اسرائيل الاستراتيجية ينبغي على الدولة اخذها بالحسبان وتطوير حلول استباقية لها لضمان منع تطورها الى تهديدات يصعب مواجهتها مستقبلا.

    ومن هذه التحديات والتهديدات، احتمال نشوب مواجهات عسكرية مع حماس على المدى القصير، ومع حزب الله على المدى المتوسط والطويل، اضافة الى التحديات والتهديدات التي قد تنشأ من احتمال تدهور الوضع في سوريا والذي بدوره سيؤدي الى تعاظم وجود ايران وحزب الله العسكري فيها، الامر الذي سيزيد من احتمالات نشوب حرب شاملة في المنطقة، علاوة على التحدي الناشئ من تصميم ايران على امتلاك سلاح نووي رغم الاتفاق الموقع معها من قبل مجموعة (5+1)، الامر الذي يستدعي استعداد اسرائيل لكل الاحتمالات لغايات منع ذلك بكل الطرق والوسائل.

    وتضمن التقرير كذلك التهديدات الناشئة عن استمرار تراجع اهتمام ومكانة الولايات المتحدة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط، السيناريو الذي يبدو انه سيتواصل في ظل ادارة الرئيس ترامب، الامر الذي سيحدث خللا في توازن القوى في منطقة الشرق الاوسط التي تعيش حالة من انهيار نظامها الاقليمي بما سيسمح لإيران من توسيع وتعزيز نفوذها في المنطقة.

    كما تطرق التقرير الى التهديدات التي مصدرها تعاظم القوة العسكرية الروسية في المنطقة لاسيما في سوريا، الامر الذي سيحد من حرية اسرائيل في العمل، ويعزز في المقابل من قوة ايران وحزب الله.

    واشار التقرير كذلك الى التهديدات الناشئة عن توقف العملية السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين، الامر الذي يساهم في تغذية دوافع العمليات "الارهابية" الفردية ضد اسرائيل.

    واضاف التقرير ان من اهم هذه التحديات التي تواجه إسرائيل في المرحلة الحالية، استمرار ضعف وتدهور علاقة اسرائيل بأوروبا الغربية نتيجة لمواصلة اسرائيل سياسة الاستيطان في الضفة الغربية، الامر الذي لم يعد بمقدور الدول الاوروبية الحليفة لإسرائيل الدفاع عنه.

    وفيما يتعلق بالجبهة الاسرائيلية الداخلية استعرض التقرير جملة التحديات والتهديدات الداخلية التي تمثلت في ضعف روح التضامن داخل المجتمع الاسرائيلي، واتساع دائرة الانقسام المجتمعي في اسرائيل الى الحد الذي يمكن القول فيه انه لا يوجد الان في اسرائيل توافق مجتمعي على قائمة مشتركة من الاهداف الوطنية، ولا يوجد كذلك اجماع وطني على سياسة امن قومي واحدة، علاوة على ارتفاع وتيرة الهجوم المجتمعي العلني على الجيش من قبل فئات واسعة من المجتمع، الامر الذي يساهم في ضعضعة شرعية قيادات الجيش، هذا الى جانب تدهور العلاقات بين الدولة والمجتمع الاسرائيلي مع الجالية اليهودية في الولايات المتحدة الامريكية لا سيما الفئات الشابة من هذه الجالية، الامر الذي سيكون له تداعياته المهمة على مدى قناعة هذه الجالية بالسياسات الاسرائيلية واستعدادها للدفاع عنها.

    وفي ذات السياق اشار التقرير الى التهديدات التي منبعها تدهور علاقات الثقة بين الاقلية العربية في اسرائيل والدولة بسبب عدم التزام الدولة في تنفيذ الخطط المعتمدة من الدولة والتي اوصت على ضرورة تطوير المجتمع العربي في اسرائيل.

    واضاف التقرير انه يقف على رأس هذه التحديات والتهديدات مسيرة نزع الشرعية عن اسرائيل من خلال حملات المقاطعة الاخذة في التصاعد حول العالم لا سيما في الولايات المتحدة الامريكية ودول اوروبا الغربية التي تدعي اسرائيل انها تشاطرها نفس قيم ومبادئ الديمقراطية، لا سيما وان كثير من اليهود في هذه الدول منخرطين عميقا في هذه الحملة.

    ومن ابرز الملاحظات التي تستوجب التوقف امامها في معرض هذا التقرير، تلك الاشارات المتضمنة في اكثر من موضع فيه، والتي تشي بقناعة معدي التقرير في عدم قدرة القيادة الاسرائيلية الحالية (الحكومة)، على ترتيب الاولويات في هذه المرحلة، اذ يبدو انها تركز على التهديدات الانية على حساب التهديدات بعيدة المدى، خاصة في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي في ظل توقف عملية السلام على اساس حل الدولتين، الامر الذي ينطوي على زيادة احتمالات انزلاق الصراع الى اوضاع يصعب معالجتها، في اشارة الى حل الدولة الواحدة، اذ اكد التقرير ان هذا التهديد سيبقى قائما ما لم تسارع القيادة الاسرائيلية الى تطوير مبادرة سياسية ولو من جانب واحد تحافظ فيها على حل الدولتين وتمنع احتمالات انزلاق الصراع الى مسار الدولة الواحدة .

    وكان وزير الدفاع الاسرائيلي السابق، ورئيس هيئة اركان الجيش الاسبق، والباحث الاكاديمي الان في معهد ابحاث الامن القومي الاسرائيلي، موشيه يعلون، اكثر جرأة من غيره في كشف ضعف الحكومة الاسرائيلية الحالية، في كلمته امام مؤتمر معهد الامن القومي السنوي الذي انعقد بتاريخ 24/1/2017، بقوله: "القيادة عنصر اساسي من عناصر الامن القومي، واسرائيل الان بحاجة الى قيادة لا تقاد من خلال نتائج استطلاعات الرأي. فالقيادة الجيدة لا تخشى الانتقادات، ولا تهاجم قرارات المحاكم، والقيادة الصحيحة لا تلعب على وتر مخاوف الشعب ولا تغذي الحروب والعداءات الداخلية في المجتمع.

    واضاف لا توجد في اسرائيل اليوم قيادة صحيحة طالما ظلت ثقة الشعب فيها معدومة، واسرائيل تحتاج الى قيادة مسؤولة تقوي الشعب وتوحده، وباختصار اسرائيل بحاجة الى قيادة مختلفة .

    وفي سياق متصل اشار تقرير اخر صادر عن معهد ابحاث الامن القومي الاسرائيلي الى تهديد اخر لم يتضمنه تقرير المسح الاستراتيجي المشار اليه انفا، اذ تمثل هذا التهديد في تزايد اقتران دولة اسرائيل بمصطلح، ومفهوم الفصل العنصري والأبارتهايد كنموذج جنوب افريقيا، خاصة في الصحافة المكتوبة باللغة الانجليزية، وكذلك في الوثائق الصادرة عن مؤسسات دولية رسمية مثل الامم المتحدة والمكتوبة بذات اللغة .

    وقد اعتمد هذا التقرير على حقائق وردت في دراسة اكاديمية اعدت لهذا الغرض، اذ تبين من هذه الدراسة ان ظاهرة ربط اسرائيل بمصطلح الابارتهايد قد بدأت بالتزايد مع بداية القرن الحالي، لا سيما في السنوات الخمس الاخيرة، حيث تبين ان ما نسبته 10% من الصحافة الاوروبية المكتوبة باللغة الانجليزية، و16% من الصحافة الامريكية المكتوبة، تنفي تهمة الابارتهايد عن اسرائيل، وهكذا هو الحال في الوثائق الرسمية الصادرة عن الامم المتحدة .

    واعتبر التقرير ان السبب الرئيس لهذه الظاهرة هو استمرار احتلال اسرائيل للفلسطينيين على الرغم من انخراطهم في مسيرة تسوية لغايات انهاء الصراع بينهما، فيما تواصل اسرائيل بناء المستوطنات في الضفة الغربية، الامر الذي انشأ ما وصفه التقرير بطرق عنصرية، ومصادر مياه عنصرية ومناطق سكن عنصرية .

    واوصى التقرير صناع السياسة في اسرائيل بضرورة الاستمرار في التمسك بخطاب يحرص على إحلال السلام مع الفلسطينيين من خلال حل الدولتين، للتخفيف من ظاهرة ربط اسرائيل بالأبارتهايد والتهديدات الناشئة عن هذا الربط .

    وقد حسم تقرير مراقب عام الدولة في اسرائيل بشأن الحرب على غزة في العام 2014، والذي نشر في الاعلام بتاريخ 3/3/2017، الجدل حول مدي ضعف مؤسسة الحكم في اسرائيل في ظل الحكومة الحالية، خاصة في ذلك الجزء من التقرير المتعلق بآليات اتخاذ القرارات المتعلقة في التهديدات الامنية المتعلقة بأنفاق المقاومة في غزة.

    اذ اشار التقرير بوضوح الى ان المجلس الوزاري المصغر والمعروف في اسرائيل باسم "الكابينت"، ليس اطارا ملائما لاتخاذ القرارات الامنية في دولة ديمقراطية كإسرائيل، كما اشار الى عدم وجود آليات مناسبة لتمرير المعلومات من الاجهزة الامنية التي تمتلك المعلومات للكابينت رغم توفر هذه المعلومات، هذا الى جانب تأكيد التقرير على وجود عمليات حجب للمعلومات من قبل البعض في المجلس الوزاري المصغر عن الاخرين، والاهم من ذلك كله اكد التقرير على عدم وجود قائمة اهداف واضحة معدة من المستوى السياسي، يتوجب على الجيش العمل على تحقيقها خلال الحرب وترك الامر لقيادة الجيش، الامر الذي ساهم في اخطاء عملانية خلال تطور عمليات الحرب .

    وأكد هذا التقرير على ان دولة اسرائيل تعاني من ازمات بنيوية في مؤسساتها السياسية والعسكرية والعلاقة فيما بينهما، ويوضح هذا الامر ان اسرائيل لم تعالج تلك الازمات والعيوب التي اشار اليها تقرير لجنة فينوغراد التي تولت التحقيق في نتائج الحرب على لبنان في العام 2006، المشار اليه سابقا، بل على العكس من ذلك جرى التحايل على المشكلة مرة اخرى من خلال تعظيم القوة العسكرية دون اعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتنظيم عمليات اتخاذ القرار لا سيما القرارات الامنية، الامر الذي يؤكد ما ذهبت اليه التقرير الدولية المشار اليها سابقا والتي اشارت الى تآكل مؤسسات الدولة.

    من جهته اعرب الرئيس ترامب وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في البيت الابيض مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بتاريخ 25/2/2017، عن التزام بلاده في تقديم الدعم الكافي لدولة اسرائيل في مواجهة التهديدات التي تواجهها في المرحلة الحالية، وكان قد عدد هذه التهديدات، بالتهديدات الناشئة من الطموح النووي الايراني، والتهديدات التي مصدرها المنظمات الارهابية، والتهديدات التي منشأها القرارات الصادرة من جانب واحد في الامم المتحدة، وكذلك التهديدات الناشئة من حملة مقاطعة اسرائيل العالمية، وتلك التهديدات الناشئة من توقف عملية السلام في المنطقة .

    يظهر مما تقدم ان دولة اسرائيل وبعد قرابة السبعة عقود على انشائها، وبعد حسم تفوقها العسكري والاقتصادي والتكنولوجي على كل دول المنطقة، وبعد اكثر من عشرة حروب خاضتها في المنطقة، وبعد مواجهتها انتفاضتين كبيرتين خاضها الفلسطينيون ضدها، وبعد توقيعها ثلاثة معاهدات سلام مع اثنتين من دول المواجهة معها، علاوة على الفلسطينيين، الا انها لم تخرج بعد من معركة حسم الوجود، وتواجه في المقابل هذا الكم من التحديات والتهديدات الوجودية وغير الوجودية التي جرى توضيحها اعلاه.

    وفيما ترى قيادتها الحالية انها في مرحلة توشك فيها على صنع حسم الوجود، استنادا على تفوقها العسكري والاقتصادي والتكنولوجي على كل دول المنطقة، واستنادا على حالة الضعف والانهيار العربي غير المسبوق، واعتمادا على حالة التحول في النظام العالمي والاقليمي التي ترى قيادتها انه يخدم مصالحها.

    الا انها وعلى الرغم من ذلك، تواجه هذا الكم من التحديات والتهديدات الداخلية والخارجية، الوجودية وغير الوجودية، وقصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، تلك التهديدات التي تجعل من مهمة حسم الوجود امرا ليس في متناول اليد على اقل تقدير، لا سيما تلك التهديدات المتعلقة في تآكل مؤسسات الدولة والمتمثلة في ضعف سيطرة الدولة على ممارسة مواطنيها للعنف، وانهيار دور القانون فيها، الامور التي تعتبر من اهم علامات الضعف الجيوسياسي للدول، علاوة على تزايد مخاطر انزلاق مسار الصراع مع الفلسطينيين الى اتجاهات تهدد غايات المشروع الصهيوني برمته، خاصة وانها تواجه حملة متصاعدة لمقاطعتها ونزع الشرعية عنها باعتبارها دولة عنصرية بنيويا وفق تصنيف لجنة الامم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغرب اسيا (إسكوا) .

    واذا كان ما تقدم يوضح التهديدات التي تواجه اسرائيل في هذه المرحلة، فما هي التهديدات التي تواجه الفلسطينيين في المرحلة ذاتها، الامر الذي سيجري تناوله تاليا

    التهديدات التي تواجه الفلسطينيين في مرحلة تحول النظام العالمي والاقليمي

    تعتبر نكبة الفلسطينيين التي حلت بهم في العام 1948، على اثر اعلان قيام دولة اسرائيل على ما مساحته 78% من مساحة فلسطين الانتدابية، المصدر الاساسي لكل التهديدات التي واجهت الشعب الفلسطيني في حينه ولا زالت المسبب الرئيس للتهديدات التي تواجه الفلسطينيين حتى يومنا هذا.

    وكان ذلك على اثر عمليات التحول الديمغرافي القسرية التي احدثتها العصابات الصهيونية المسلحة في فلسطين والتي ما كان لدولة اسرائيل ان تقوم بدون تنفيذها، اذ تمثلت عمليات التحول الديمغرافي هذه في مصادرة ممتلكات السكان الاصليين وتهجيرهم، ثم احلال مهاجرين يهود جدد مكانهم عبر سياسة تطهير عرقي منظمة قامت بها العصابات المشار اليها اعلاه والتي كانت محمية من القوات المسلحة لدولة الانتداب.

    وهكذا نشأت النكبة الفلسطينية التي يظهر مما تقدم ان لها بعدان، بعد مادي يتمثل بالأرض والممتلكات الشخصية الأخرى، وبعد انساني كان اللجوء والشتات اهم معالمه.

    وكانت ابعاد النكبة المادية والانسانية هي المحرك الاساس للصراع الذي نشب ما بين الفلسطينيين والاسرائيليين لغايات معالجة هذه الابعاد، أي استعادة الارض والممتلكات، وتأمين عودة اللاجئين الى ديارهم وبيوتهم.

    ولما كانت التهديدات تقاس دائما على ضوء الاهداف الوطنية العليا للشعب، فيمكننا القول ان الاحتلال الاسرائيلي لما تبقى من مساحة فلسطين العام 1967، والتغيرات التي نتجت عن قيام السلطة الوطنية الفلسطينية على ارض فلسطين العام 1994، قد ساهما ايما اسهام في بلورة الأهداف الوطنية العليا التي يناضل الفلسطينيون حاليا من اجل تحقيقها، وتتلخص هذه الاهداف في تأسيس دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة وغير مقطعة الاوصال تشتمل على الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكون القدس الشرقية عاصمة لها، أي على المناطق التي احتلت من قبل اسرائيل في العام 1967، وذلك عن طريق التوصل الى تسوية سلمية مع اسرائيل .

    ولكن هدف تأسيس الدولة لا يمكن فصله كهدف وطني، عن هدف حل مشكلة اللاجئين، ولا يمكن تحقيق الاول على حساب الثاني، حيث يعتبر ايجاد حل عادل ومقبول لمشكلة اللاجئين شرطا اساسيا للحل الدائم القائم على اساس الدولة المستقلة. وما لم تحل مشكلة اللاجئين حلا مقبولا ومنصفا، سيخلق تأسيس الدولة الفلسطينية (في حال تأسيسها) توترات وانقسامات جديدة في البدن الفلسطيني، ما سيهدد حتما استقرار الدولة علاوة على تهديد استقرار الدول المضيفة للاجئين .

    وفي معرض تصنيف تصورات الفلسطينيين للتهديدات التي تواجههم والمستمدة من اهدافهم ومصالحهم الوطنية الجوهرية، صنف البعض هذه التهديدات الى، تهديدات وجودية تستهدف وجود الشعب الفلسطيني بالأساس، وتهديدات امنية جارية.

    وبالنسبة للتهديدات التي تندرج تحت النوع الاول، والتي تستهدف وجود الشعب الفلسطيني في الصميم، فهي تؤثر بالضرورة على المصالح الجوهرية للفلسطينيين.

    وفيما يتعلق بالتهديدات الجارية فقد تؤثر على المصالح الجوهرية اذا ما جرى معالجتها، وتجدر الاشارة هنا الى ان التهديدات بنوعيها ستكون حاضرة في الفترة التي تلي قيام الدولة الفلسطينية اذا ما قدر لها ان تقوم، كحضورها في الفترة التي تسبق قيام الدولة، ولكن بتغير الظروف قد تتغير او تنتفي او ترحل بعض التهديدات من مرحلة الى اخرى .

    وللوقوف على التهديدات الجوهرية التي تواجه الفلسطينيون وتستهدف مصالحهم الجوهرية هناك حاجة للوقوف على المصالح الجوهرية ذاتها في المرحلة التي تسبق وجود الدولة المستقلة.

    ويقف على رأس هذه المصالح، الحيلولة دون ابادة الشعب الفلسطيني، سواء باستخدام القوة الطاغية ضده كما حدث في العام 1948، ام باستخدام وسائل اخرى تجبر الشعب على المغادرة الطوعية بحثا عن حياة اكثر امنا، وتعتبر هذه الغاية من اهم المصالح الوطنية على الاطلاق ، ويخطئ الفلسطينيون ايما خطأ اذا ما استبعدوا هذا السيناريو من تفكيرهم الاستراتيجي، لا سيما في ظل سيطرة اليمين القومي الديني على مقاليد الحكم في اسرائيل، اذ تعتبر هذه الغاية وتحقيقها اهم محركات سياساتهم لحسم صنع وجود الدولة .

    وعلى ضوء ذلك فالتهديد الوجودي الاول المستمد من المصلحة الجوهرية المشار اليها اعلاه، هو ذلك التهديد المتضمن في جنوح اسرائيل لاستخدام تفوقها العسكري للقيام بعمليات عدوانية ضد الشعب الفلسطيني في المناطق الفلسطينية بما في ذلك المناطق التي احتلتها اسرائيل في العام 1948.

    ويضع هذا التهديد وضرورة مواجهته، الفلسطينيين في وضع حرج خاصة وانهم يدركون انهم الطرف الاضعف في المنطقة وفق كل مقاييس القوة والضعف التقليدية، لا سيما وان المجتمع الدولي والاقليمي يحرم عليهم امتلاك وسائل القوة واستخدامها.

    ويستوجب ذلك من القيادة الفلسطينية السعي الدؤوب للحصول على الوسائل الناجعة لحماية الشعب من هذا التهديد الذي يهدد وجوده.

    ويترافق مع المصلحة اعلاه مصلحة الحفاظ على ديمومة الوجود الفلسطيني على ارض فلسطين، اذ يرى البعض ان درء التهديد بالتهجير القسري او ما يطلق عليه الاسرائيليون "الترانسفير"، ومنعه مصلحة جوهرية تساوي في اهميتها مصلحة منع الابادة الجماعية المشار اليها اعلاه.

    ويستمد من مصلحة الحفاظ على ديمومة الوجود الفلسطيني على ارض فلسطين جملة من التهديدات الوجودية مثل: مواصلة مصادرة الاراضي الفلسطينية لغايات بناء مستوطنات جديدة عليها، على الرغم من مخالفة ذلك للقانون الدولي وقرارات مجلس الامن لا سيما القرار الاخير رقم (2334) الصادر عن مجلس الامن بتاريخ 24/12/2016 ، اذ قابلت اسرائيل هذا القرار بقرار تشريع مصادرة الاراضي الفلسطينية الخاصة لأغراض الاستيطان الصادر عن الكنيست الاسرائيلية بتاريخ 6/2/2017 .

    كما ويندرج في اطار هذه التهديدات، التهديد الناجم عن تهويد القدس بما فيها الاماكن المقدسة تماما كنموذج الحرم الابراهيمي، الامر الذي يضع الفلسطينيين ومعهم كل العرب والمسلمين حول العالم في مواجهة هذا التهديد.

    ويرى البعض ان مواصلة العيش على ارض الوطن تنمي الهوية الوطنية الفلسطينية الضرورية لخوض الصراع السياسي والديموغرافي التاريخي الذي يضطلع به الشعب الفلسطيني، لذلك فإن تعزيز الوجود الفلسطيني الفعلي على ارض فلسطين وضمان عدم تكرار تجربة العام 1948، يجب ان يكونا جزءا من مسؤوليات أي دولة مستقبلية واية اتفاقية للسلام يتم التوصل اليها .

    وكان بعض المختصين في الشأن الفلسطيني قد حذر من احتمال لجوء اسرائيل الى مثل هذا السيناريو بطرق غير عنيفة وقسرية من خلال المحافظة على وضع الانقسام الحالي بين الفلسطينيين، والدفع باتجاه نقل الثقل الفلسطيني لقطاع غزة، وربط السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية مع الاطار الناشئ في غزة دون ان يكون لهذا الاطار ولاية على الاراضي في الضفة الغربية .

    وترى هذه المقالة ان هذا التهديد ربما يكون اكثر خطورة من تهديد الابادة الجماعية نظرا لقناعة اسرائيل الواضحة في المرحلة الحالية بتوفر فرصة تاريخية لم تكن متوفرة من قبل لتنفيذه، تأسيسا على البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل في المرحلة الحالية، لا سيما وأن هناك تطورا في العلاقات الاسرائيلية الاقليمية التي ربما تضع الفلسطينيين في مواجهة خطر وجودي حقيقي .

    وفي سياق سعي الفلسطينيين لتحقيق المصالح الجوهرية اعلاه، اي مواجهة التهديدات المستمدة من هذه المصالح، تمكن الفلسطينيون من تطوير مصلحة جوهرية اخرى تتمثل في انهاء الاحتلال الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل في العام 1967، بما فيها القدس الشرقية، واقامة دولة فلسطينية مستقلة عليها تمكن الفلسطينيون من انهاء معاناتهم المادية التي مصدرها الاحتلال، كما تمنع هذا الاخير من فرض الحقائق التي يريدها على الارض .

    ويعتبر انهاء الاحتلال الاسرائيلي، شرطا ضروريا لتحقيق الاهداف الفلسطينية الاساسية المتعلقة بالدولة والتي جرى التعبير عنها في مشروع الدستور الفلسطيني النسخة الثالثة، كنظام الحكم، والتمية الاقتصادية، والضمان الاجتماعي وحقوق المواطن .

    وقد عبر الباحثان في شأن الامن القومي الفلسطيني "حسين اغا، واحمد الخالدي"، عن جملة من التهديدات الوجودية التي تواجه الفلسطينيين فيما اذا ما تمكنوا من انهاء الاحتلال الاسرائيلي واقامة الدولة المستقلة مثل :

    • استخدام اسرائيل لتفوقها العسكري للقيام بعمليات عدوانية وردعية وعقابية ضد الفلسطينيين.

    • التهديد الذي يواجه وحدة وسلامة الارض الفلسطينية وآفاق قيام الدولة الفلسطينية المستقلة جراء استمرار اسرائيل في سياستها الاستيطانية الاستعمارية ومواصلة استيلائها على الاراضي الفلسطينية.

    • التهديد لمستقبل الفلسطينيين السياسي الذي يمثله جنوح اسرائيل نحو اتباع سياسة احادية الجانب تتجنب مبدأ التفاوض وتحاول رسم الاوضاع على الارض لصالح اسرائيل.

    • الهيمنة الاسرائيلية على وتيرة وتوجه الحياة الاقتصادية للشعب الفلسطيني وعرقلتها لمسار التطور الطبيعي للشعب الفلسطيني اجتماعيا واقتصاديا.

    • السيطرة الاسرائيلية على الاجواء الفلسطينية وحدودها ومنافذ الدخول اليها، وسيطرتها كذلك على حرية حركة الفلسطينيين داخل ارضهم ومنها واليها.

    • سيطرة اسرائيل على الموارد الطبيعية الحيوية في فلسطين كموارد المياه والغاز وغيرهما.

    • تلويح اسرائيل المستمر باحتمال لجوء اسرائيل الى طرد الفلسطينيين قسرا من ارضهم (الترانسفير) وتطهيرها عرقيا.

    وتضيف هذه الورقة الى قائمة التهديدات اعلاه، التهديد الكامن في احتمال فشل التسوية السياسية للقضية الفلسطينية التي بدأت منذ اكثر من عقدين، في اقامة دولة فلسطينية كما يريدها الفلسطينيون، لا سيما في ظل اتضاح الاستراتيجية الاسرائيلية للتسوية التي قال عنها البعض انها تقوم على اساس "ابقاء السلطة الفلسطينية دون سلطة، واستمرار الاحتلال الاسرائيلي بما في ذلك استمرار التوسع الاستيطاني وتهويد القدس دون كلفة، وابقاء قطاع غزة خارج اطار الفضاء الفلسطيني، وتكريس نظام الدولة الواحدة بنظامين" . اذ سيصبح بقاء السلطة الفلسطينية اكثر ضررا للمصالح الجوهرية الفلسطينية من الابقاء عليها.

    وقد اضاف الباحثان المشار اليهما اعلاه، عددا اخر من التهديدات الوجودية التي تهدد المصالح الجوهرية للشعب الفلسطيني، والتي مصدرها عناصر خارجية تهدد التجمعات السكانية الفلسطينية في المهاجر والمنافي منها :

    • العنف الذي يستهدف التجمعات السكانية الفلسطينية، بما في ذلك احتمالات تعرض هذه التجمعات للهجوم الشامل كما حدث في لبنان ابان الحرب الاهلية، واحتمالات تعرضها للتهجير القسري الواسع كما جرى في الكويت بعد حرب الخليج العام 1991.

    • التهديدات الناجمة عن حروب قد تقوم بين اسرائيل واطراف اقليمية يحشر فيها الفلسطينيون في مواقع القتال بين الطرفين.

    • التهديد الذي مصدره محاولة اطراف عربية وغير عربية مصادرة القرار الفلسطيني او فرض شكل التمثيل الفلسطيني.

    • التهديدات التي مصدرها محاولات فرض شروط التسوية مع اسرائيل، او محاولة تجاوز الحقوق الفلسطينية، كأن يقوم طرف او اطراف عربية بإبرام اتفاقات منفصلة مع اسرائيل تمس حقوق اللاجئين الفلسطينيين او الحقوق الفلسطينية في المياه او الحدود.

    وفي سياق متصل ترى هذه المقالة ان حالة التحول والانهيار التي يعيشها العالم العربي منذ العام 2010 قد انتجت بدورها عددا من التهديدات الوجودية لفلسطينيي الشتات مثل:

    • اضطرار اعداد كبيرة من فلسطينيي الشتات الى النزوح والهجرة من مناطق سكنهم واقامتهم كما حدث مع فلسطينيي مخيم اليرموك، والفلسطينيين المقيمين في ليبيا.

    • التحاق عددا لا باس فيه من الفلسطينيين للتنظيمات الارهابية كتنظيمي القاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات، الامر الذي سيكون له تداعياته الخطيرة على التجمعات الفلسطينية في المهجر.

    • تحول عددا من المخيمات الفلسطينية في الشتات لا سيما في لبنان، الى قواعد آمنة تحتمي فيها العناصر الارهابية الفارة من وجه العدالة، فضلا على اعتبارها قواعد لتخطيط واعداد وتنفيذ عمليات ارهابية ضد الدول المضيقة للاجئين.

    وفيما يتعلق بالتهديدات الآنية التي تواجه الفلسطينيون لاسيما في المناطق الفلسطينية فقد حددها البعض بالتهديدات التالية:

    • التصرفات الاسرائيلية احادية الجانب التي تهدف الى فرض امر واقع جديد على الارض وتغيير اسس الصراع وحيثياته، كبناء الطرق الالتفافية، وخلق المناطق العازلة، وترسيم الحدود السياسية والامنية من جانب واحد عن طريق تشييد الجدار العازل في الضفة الغربية. ويندرج في هذا السياق جملة القوانين والتشريعات والاوامر العسكرية الهادفة الى تشريع هذه التصرفات الاحادية.

    • التهديدات الناجمة عن التصرفات احادية الجانب لا سيما الانسحاب احادي الجانب من قطاع غزة، واحتمالات تطبيق نفس الاجراء في الضفة الغربية كإجراء اسرائيلي لترسيم الحدود مع الفلسطينيين.

    • سياسات الاغتيال والاجتياح والهجمات الانتقامية وحرق العائلات في منازلها، وهدم المنازل التي تنفذها الجهات الرسمية وغير الرسمية بما فيها المستوطنون.

    • اجراءات اسرائيلية اخرى كفرض الحصار على المدن والبلدات الفلسطينية، واغلاق الحدود والطرق وتعطيل سير الحياة الطبيعية للفلسطينيين.

    • فرض اجراءات تعسفية اخرى هدفها مضايقة الفلسطينيين مثل نشر الحواجز على الطرق الرئيسة وغير الرئيسة في المناطق الفلسطينية.

    • التهديدات الموجهة الى سلامة وقدسية الاماكن المقدسة وعلى الاخص على الحرم القدسي الشريف في مدينة القدس.

    • التهديدات التي مصدرها خوف الفلسطينيين من اعادة احتلالهم كما حدث في العام 2002، ولا زال متواصلا حتى تاريخ كتابة هذه المقالة.

    كما ويتعرض فلسطينيو الشتات الى جملة من التهديدات الانية او الجارية، كان البعض قد تطرق الى بعضها في وقت سابق وحددها بالتهديدات التالية :

    • التهديد الذي مصدره حالة انعدام المواطنة، من قلق وعدم استقرار دائمين، وما يرافق هذه الحالة من صعوبة السفر والتنقل والحول على مورد رزق ثابت وضمان مكان اقامة دائم.

    • تهديدات ناتجة عن تدخل الحكومات العربية وغير العربية في الشأن الفلسطيني الداخلي، وذلك عن طريق تشجيع هذه الاطراف لوسائل الاعلام وللنشاطات العسكرية والسياسية المعارضة للإجماع الوطني الفلسطيني.

    • التمييز بين الفلسطينيين من النواحي الاجتماعية والسياسية والقانونية كما هو الحال في لبنان.

    ما تقدم من تهديدات تشير الى التهديدات التي مصدرها الاساسي والمباشر الاحتلال الاسرائيلي للفلسطينيين، وهناك بلا شك جملة من التهديدات الوجودية والآنية التي تهدد الفلسطينيين والتي مصدرها الداخل الفلسطيني، وترى هذه المقالة انها تتمثل في:

    • الانقسام الفلسطيني المتواصل منذ عشر سنوات تقريبا، الامر الذي لم يضر فقط بالوحدة الوطنية الفلسطينية بل علاوة على ذلك اضعف كثيرا المناعة الوطنية الفلسطينية، العوامل التي لا يمكن للفلسطينيين تحقيق أي من الانجازات بدون تعزيزهما.

    • وتأسيسا على التهديد اعلاه، فلا مكن للفلسطينيين الادعاء انهم يملكون استراتيجية وطنية موحدة يمكنهم من خلالها مواجهة ومعالجة مجمل التهديدات التي تواجههم.

    • كما ان حالة الانقسام التي يعيشها الفلسطينيون قد اعاقت عمل مؤسساتهم التشريعية التي تشكل بحد ذاتها تهديدا لشرعية النظام السياسي الفلسطيني برمته، فضلا عن انها تعيق عملية تجديد شرعيته عبر الانتخابات الحرة لمؤسساته الرئاسية والتشريعية والهيئات المحلية.

    • هذا وقد ساهمت حالة الانقسام في تسهيل مهمة قوى خارجية بما فيها اسرائيل لاختراق النظام السياسي الفلسطيني من خلال حالات التقت مصالحها مع مصالح تلك القوى.

    • ولا يقل اهمية عما سبق حالة اليأس والاحباط المنتشرة في اوساط الفلسطينيين لا سيما جيل الشباب الذي بدأ بدوره البحث بصورة فردية عن طرق اخرى للخلاص من الاحتلال، الامر الذي لا يخلو من دلالة على تناقص شرعية النظام السياسي الفلسطيني.

    وفيما يتعلق بالتهديدات التي مصدرها البيئة الاستراتيجية لا سيما البيئة الاقليمية والدولية والتي تعيش بدورها حالة من التحول الاستراتيجي كما جرى توضيحه اعلاه، فكل منهما يحمل في طياته جملة من التهديدات للفلسطينيين، وذلك على المستويين الوجودي والجاري.

    فعلى الصعيد الاقليمي يكمن التهديد الوجودي للفلسطينيين في حالة اصطفاف القوى العربية الوازنة في العالم العربي الى جانب اسرائيل ضد مساعي ايران وحلفائها في المنطقة لبسط وتوسيع نفوذها، الامر الذي يشكل تهديدا للمصالح الجوهرية الفلسطينية اذا ما وظف هذا الاصطفاف مباشرة لصالح هذه المصالح.

    كما ان حالة التحول التي يعيشها النظام العالمي منذ ما يقارب العقد، والتي وصلت الى اعلى مستوياتها بعد فوز الرئيس ترامب برئاسة الولايات المتحدة الامريكية، تحمل هي الاخرى في طياتها جملة من التهديد الوجودي للمصالح الجوهرية الفلسطينية لا سيما وان الرئيس الجديد للولايات المتحدة وفريقه ينحازون علنا للرؤية الاسرائيلية في معالجة الصراع.

    و الان وبعد توضيح التهديدات التي تهدد كل من الفلسطينيين والاسرائيليين، فهل سيتمكن الرئيس ترامب من مساعدة طرفي الصراع في معالجة هذه التهديدات، وايصالهما الى انجاز الصفقة التاريخية والمرضية على حد تعبيره؟

    رؤية الرئيس ترامب المتوقعة لمعالجة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي

    لا زال النظام العالمي يعيش مرحلة العماء العالمي "Global Chaos"، ولا تزال القوى العظمى العالمية التقليدية وتلك الحديثة الناشئة، تسعى للخروج من هذه المرحلة والاتجاه نحو نظام عالمي متعدد الاقطاب كما اشار كثير من الاكاديميين المتخصصين في هذا الشأن . وعلى الرغم من هذا السعي من قبل القوى المشار اليها، فلا يمكن الادعاء ان "يالطا" جديدة على وشك الوقوع والاتفاق عليها من قبل اقطاب النظام المنشود، اذ لا زال كل منها يسعى لتحقيق غاياته وموضعه الاستراتيجي في النظام الجديد.

    وقد ساهم فوز الرئيس ترامب المحمول على خطابه ومواقفه التي يستمد منها رؤيته لمكانة الولايات المتحدة الامريكية في النظام الجديد، في تصعيد وتيرة الصراع ما بين القوى العظمى في العالم، هذا الصراع الذي يمكن الادعاء انه كان خفيا ويسير ضمن وتيرة منخفضة قبل فوز الرئيس ترامب، الامر الذي يعني ان حالة الصراع ما بين القوى العالمية الاقتصادية الكبرى ستستمر وتتواصل لفترة يصعب على المراقبين توقع مدتها ونتائجها .

    من جهتها الولايات المتحدة الامريكية لا زالت القوة العسكرية والاقتصادية الاكبر في العالم، الا ان حجم نفوذها حول العالم، والاهم حجم عوائدها الاقتصادية من النظام الاقتصادي العالمي، لا يناسبان حجم قوتها، فهما اقل بكثير من حجم هذه القوة، وتعتبر غاية تعزيز النفوذ الامريكي حول العالم بما يعادل قوتها وما ينتج عن هذا النفوذ من عوائد اقتصادية لأمريكا، هي الغاية الاساسية للرئيس ترامب.

    ولتحقيق هذه الغاية قسم الرئيس ترامب التهديدات الخارجية التي تواجه الولايات المتحدة الامريكية، والتي ينبغي عليه عدم اهدار أي من قوة الدولة على مواجهة غيرها، الى تهديدات انية تتمثل في تنظيم داعش، واخرى بعيدة المدى تتمثل في الصين وطموحها الاقتصادي.

    كما وحدد الرئيس ترامب مهمة اعداد وتهيئة المجتمع الامريكي لتحقيق غاية تعزيز النفوذ بما يعادل القوة، والتهديدات الواجب مواجهتها لتحقيق هذه الغاية، كتحدي لا يقل خطورة عن التهديدات اعلاه، لا سيما وانه يواجه في هذا المجال معارضة معظم مؤسسات الدولة، البرلمانية والقضائية والامنية والاعلامية علاوة على معارضة نسبة عالية من الشعب الامريكي.

    وفيما يخص منطقة الشرق الاوسط، فنظامها الاقليمي الذي انشأته القوى المنتصرة في الحروب العالمية الاولى والثانية يعيش حالة من الانهيار لم تصل بعد الى مداها النهائي.

    ومن حيث خارطة التحديات والتهديدات التي تواجه امريكا في منطقة الشرق الاوسط، وفق تحديد الرئيس ترامب لها، والتي جرى الاشارة اليها اعلاه، فيبرز من هذه الخارطة حتى كتابة هذه الورقة، ان مهمة تدمير دولة داعش هي المهمة الاولى للولايات المتحدة بصفتها التهديد الآني الذي يتوجب البدء فيه، وتأسيسا على ذلك ستكون منطقة الشرق الاوسط هي منطقة العمليات الاولى لإدارة الرئيس ترامب، الامر الذي يعني ان الصراع في المنطقة سيتواصل لفترة اخرى قادمة، ترى هذه الورقة ان مداها لا يقل عن عشر سنوات، شأنها في ذلك شأن الصراع على الصعيد الدولي، وهي الفترة الزمنية التي تضمنها الاتفاق النووي لمجموعة 5+1 مع الجمهورية الاسلامية الايرانية للحكم على نجاعة هذا الاتفاق.

    وفيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي الذي كان قد نشأ قبل مئة عام من الان، والذي ولد مع تحول النظام الدولي والاقليمي، والذي اختلفت وتيرة معالجته صعودا وهبوطا مع تحولات النظام الدولي، ها هو اليوم وفي لحظة تحول النظامين العالمي والاقليمي يعيد طرح نفسه في الصدارة ويفرض ذاته على القوى الدولية والإقليمية، ويضعها في موضع الخيار والقرار ما بين "ان هناك دولة ناقصة في الاقليم على العالم ان يسارع في ايجادها، او ان هناك شعبا فائضا في الاقليم على العالم ان يسارع في استئصاله من المنطقة "، لاستكمال عملية التحول الديمغرافي في فلسطين، الامر الذي لم يكتمل في العام 1948، عند قيام دولة اسرائيل، أي حسم صناعة وجود اسرائيل وفق رؤية اليمين القومي المتدين الذي يحكم اسرائيل الان.

    وفي هذا السياق كان الرئيس ترامب قد اعرب خلال مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي عقد في البيت الابيض في الخامس والعشرون من شهر فبراير الماضي عن ثقته العالية بقدرته على انجاز اتفاق رائع بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي .

    وكان قبل ذلك قد اكد في مقابلة مع صحيفة "اسرائيل اليوم" انه يسعى للتوصل الى صفقة مرضية بين اسرائيل والفلسطينيين، واضاف في ذات المقابلة ان العديد من الاشخاص الاذكياء الذين يعملون معه يقولون انه ليس بالإمكان تحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين، اما انا فأعتقد انه بالإمكان التوصل الى سلام بينهما، وينبغي فعل ذلك .

    وللتأكيد على تعهده بإنجاز صفقة مرضية بين الطرفين كان قد استقبل عددا ذو دلالة من زعماء المنطقة، كما اجرى عددا من الاتصالات الهاتفية مع عدد آخر من زعماء المنطقة، كان الرئيس عباس من بينهم، وذلك في شهر مارس الماضي.

    وقد اعرب في هذا الاتصال عن ثقته العالية بالرئيس عباس وجديته وصدقه واستعداده لا نجاز تسوية تنهي الصراع في المنطقة ، وكان كذلك قد ارسل موفديه للمنطقة لاستكشاف المواقف قبل تطوير مبادئ عامة يجري على اساسها استئناف عملية التسوية العالقة منذ نهاية عهد الرئيس السابق باراك اوباما.

    وفي مقابلته مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي استقبل في واشنطن بحفاوة كبيرة لا تخلو من دلالة، ووفق تصريحات وزير الخارجية المصري محسن شكري، لوسائل الاعلام خلال هذه الزيارة، فقد افصح الرئيس ترامب عن نيته عقد مؤتمر موسع في واشنطن في صيف هذا العام تحضره عدة دول عربية وطرفي الصراع، اسرائيل والفلسطينيين، لبدء المفاوضات وانجاز تسوية مرضية للطرفين، واضاف شكري ان الرئيس ترامب سيتولى مهمة الضغط على اسرائيل فيما ستتولى الدول العربية مهمة الضغط على الفلسطينيين لإنجاز الصفقة المأمولة .

    لم يزر الرئيس عباس واشنطن بعد، تلبية لدعوة الرئيس ترامب، ومن المتوقع ان تتم هذه الزيارة خلال الشهر الجاري او المقبل، وسيستمع الرئيس ترامب لرؤية الفلسطينيين لإنهاء الصراع وتحقيق السلام في المنطقة، هذه الرؤية المتمثلة في التمسك بالتسوية السياسية عبر المفاوضات كوسيلة وحيدة لإنهاء الصراع، والتأكيد على ان حل الدولتين المجمع عليه دوليا، والذي يضمن قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران، بما فيها القدس الشرقية كعاصمة لهذه الدولة، هو السبيل الوحيد لتحقيق هذه الغاية، علاوة على ايجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القرارات الدولية وبنود المبادرة العربية.

    كما وسيدعم الرئيس عباس الرؤية الفلسطينية بالحجج والبراهين التي تثبت ان خيار الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة هي المعالجة الفضلى لمجمل التهديدات التي تهدد الطرفين والمشار اليها اعلاه. كما ان الدولة الفلسطينية المستقلة، ستسهم ايما اسهام في تحقيق الاستقرار المنشود في الشرق الاوسط، خاصة في ازالة العقبات امام بناء توازنات ما بين قوى الاقليم المتصارعة على توسيع مجالات نفوذها في بنية الاقليم الجديد، هذا الى جانب مساهمتها المتوقعة في محاربة الارهاب الذي اصبح تهديدا يهدد الاستقرار والامن العالمي.

    هذا فضلا عن ان الرؤية الفلسطينية ستتضمن بدائل حل الدولتين، ومدى مساهمة هذه البدائل في اضعاف ان لم يكن القضاء على قدرات الطرفين في مواجهة التهديدات التي تواجههم، خاصة تلك التهديدات التي ستواجه اسرائيل لا سيما وان احد البدائل يتمثل في زيادة الاحتمالات بانزلاق الصراع نحو خيار الدولة الواحدة، في وقت سيكون من الصعب فيه للقوى الدولية بما فيها الولايات المتحدة الامريكية السماح لإسرائيل في احداث نكبة جديدة للفلسطينيين كتلك التي احدثتها في العام 1948.

    كما وسيستمع الرئيس عباس لرؤية الرئيس ترامب في معالجة الصراع التي بلا شك ستكون منحازة للرؤية الاسرائيلية، كما كان واضحا خلال مؤتمره الصحفي الذي عقده مع رئيس الوزراء الاسرائيلي قبل مدة قصيرة، والذي اكد في نهايته ان المفاوضات الناجحة تتطلب تقديم حلول وسط .

    وكان الرئيس ترامب وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع رئيس الوزراء نتنياهو، قد تعهد بتقديم كل ما يلزم لإسرائيل لتمكينها من مواجهة التهديدات التي تواجهها، وفي نفس السياق حدد عددا من هذه التهديدات وفق الترتيب التالي:

    - التهديد الناتج عن الطموح النووي الايراني.

    - التهديد الذي مصدره الارهاب المتنامي في المنطقة.

    - التهديدات التي مصدرها القرارات الصادرة عن الامم المتحدة ضد اسرائيل.

    - التهديدات الناتجة عن حملة مقاطعة اسرائيل حول العالم.

    - التهديدات الناتجة عن عدم التوصل لاتفاق سلام مع الفلسطينيين

    وفي نهاية حديثه طلب الرئيس ترامب من رئيس الوزراء نتنياهو وقف عمليات الاستيطان في المرحلة الحالية، واضاف انه شخصيا مع خيار حل الدولتين، او خيار الدولة الواحدة، المهم لديه هو اتفاق الطرفين.

    تشير القراءة المتأنية لما تحدث به الرئيس ترامب خلال مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء نتنياهو الى ان خيار استكمال عملية التحول الديمغرافي لصالح اليهود في فلسطين امر غير وارد وغير مسموح لإسرائيل التفكير به في المرحلة الحالية، وان الخيار الوحيد المتاح في هذه اللحظة من الزمن لمعالجة هذا الصراع هو المفاضلة ما بين حل الدولتين او الدولة الواحدة.

    في الواقع تنطوي المفاضلة اعلاه على تحد لإسرائيل اكثر منه للفلسطينيين، اذ عليها ان تختار ما بين خيار الدولتين، او الدولة الواحدة، ويدرك اصغر الاسرائيليين سنا ان خيار الدولة الواحدة يعني نهاية الحلم الصهيوني في فلسطين الذي اسس له المؤسسون الاوائل.

    كما وتنطوي خارطة التهديدات اعلاه على ان الرئيس قد قرر سحب اهم اوراق القوة من يد الفلسطينيين وتعطيل اهم محاور استراتيجيتهم الجديدة القائمة على تدويل الصراع والاحتكام للقانون والشرعية الدولية، ويعتبر قرار الامين العام للأمم المتحدة بمنع تقرير منظمو الإسكوا من التداول من اهمم الدلالات على ذلك، الامر الذي بدوره يشير الى تحد يعتبر من اهم التحديات التي تواجه الامم المتحدة في هذه المرحلة.

    اما فيما يتعلق بمواجهة الولايات المتحدة الامريكية للحملة العالمية لمقاطعة اسرائيل فيبدو ان النتائج ستكون عكسية اعتمادا على ارتفاع معدلات المعارضة للرئيس ترامب وسياساته حتى داخل الولايات المتحدة الامريكية.

    تجدر الاشارة هنا الى ان دولة اسرائيل كانت قد نشأت في اعقاب الحرب العالمية الثانية، وكانت معظم الدول العربية قد نشأت في نفس الفترة تقريبا، خاصة الدول السبع الاولى التي انشأت جامعة الدول العربية في العام 1945 .

    وقد نجحت اسرائيل منذ قيامها على اجبار الاخرين بقبولها في المنطقة من خلال فرض ذاتها كدولة امر واقع، الامر الذي تجلى في اتفاقيات الهدنة في رودس، التي تطورت بعد عقود الى اتفاقيات سلام مع كل من مصر والاردن .

    وقد حافظت اسرائيل خلال العقود الستة الماضية في فرض معادلة الامر الواقع من خلال سعيها الى تغير أي وضع جديد ينشأ في المنطقة، واعادة انتاجه وفق شروط تضمن لها البقاء كدولة أمر واقع، ويرى بعض المراقبين ان معادلة الامر الواقع هذه قد اختلت بعد حرب العام 2006 على لبنان، حيث كانت اسرائيل قد خرجت منها وهي عالقة في ثلاث جبهات، الجبهة الداخلية مع الفلسطينيين، وجبهة جنوب لبنان، والجبهة السورية .

    ويضيف مراقبين اخرين ان اسرائيل في هذه اللحظة من الزمن وفي اطار بحثها عن الامن والوجود اصبحت بحاجة لجيرانها العرب بدرجة تساوي ربما لحاجتها للولايات المتحدة الامريكية .

    اما بخصوص مدى قدرة العرب على فرض ضغوط على الفلسطينيين فتجدر الاشارة الى ان الفلسطينيين وعلى الرغم من انهم الطرف الاضعف في المعادلة الا ان حاجتهم الى دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وفق مضمون مبادرة السلام العربية تعتبر الممر الاجباري لإسرائيل لتطبيع علاقاتها علنا مع ما تبقى من دول عربية قائمة تسعى الى خلق توازنات اقليمية جديدة قادرة على ايقاف هيمنة قوى اخرى على الاقليم، الامر الذي سيجعل العرب اكثر حذرا في ممارسة الضغوط علي الفلسطينيين، وقد بدى ذلك واضحا في الاجتماع الاخير للقمة العربية التي جرى عقدها في عمان، اذ احتلت القضية الفلسطينية وسبل معالجتها وفق الرؤية الفلسطينية البند الاول من البيان الختامي للقمة.

    لا يعني ما تقدم ان الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة اصبحت على الابواب، كما لا يعني ان الرئيس ترامب سينجح في وضع الضغوط الكافية على اسرائيل للنجاح في مهمته في عقد الصفقة التاريخية التي تعهد بإنجازها بين الاسرائيليين والفلسطينيين، فقد حاول رؤساء ثلاث ادارات امريكية سابقة تحقيق هذه المهمة وكان مصيرهم الفشل، وكان اخر هذه الادارات ادارة الرئيس اوباما التي اعلنت في اخر ايامها بوضوح ان اسرائيل كانت العقبة الرئيسية في عدم انجاز تسوية تاريخية تنهي الصراع على اساس حل الدولتين، ولذلك ساهمت في تسهيل مهمة مجلس الامن في اصدار قراره رقم 2334، الذي اعتبر الاستيطان في المناطق الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل في العام 1967، غير شرعي بموجب القانون الدولي، الامر الذي يوجب على اسرائيل ازالته.

    كما ان مهمة الرئيس ترامب التي اعلن عنها مرارا والمتمثلة في التوصل الى صفقة تاريخية تنهي الصراع في المنطقة وتفتح الابواب اما شرق اوسط مستقر في نظام عالمي مستقر، لا تعتمد فقط على رغبته في ما يريد ان يعمل، بل تعتمد اكثر على قدرته على انجاز ما يريد عمله، اذ انه يواجه صعوبات جمة داخل المجتمع الامريكي نفسه، والتي بدورها ربما تهدد قدرته على انجاز وعوده الداخلية والخارجية، فضلا عن انها تهدد بقائه في البيت الابيض .

    ويفرض ذلك على الفلسطينيين افتراض السيناريو الاسوأ المتمثل بفشل حل الدولتين، والتخطيط للبدائل المحتملة لحل الدولتين.

    ويرى بعض المتخصصين في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، ان الحكومة الاسرائيلية الحالية غير معنية على الاطلاق بحل الدولتين، بل وعلى العكس من ذلك، فهي تقوم بعمل كل ما يمكنه جعل حل الدولتين خيارا غير ممكنا، وفي ظل اضمحلال خيار الترحيل المنظم للفلسطينيين من الاراضي الفلسطينية في المرحلة الحالية، الخيار الذي لا ينبغي التقليل من حدوثه اذا ما رجح الميزان الديموغرافي لغير مصلحة اسرائيل واصبح هناك خوفا حقيقيا على يهودية الدولة، وسنحت الفرصة المواتية لتنفيذ هذا السيناريو من قبل اسرائيل .

    ويضيف هذا البعض انه ينبغي علينا كمراقبين خارجيين وعلى الفلسطينيين بالدرجة الاولى الاستعداد لبدائل حل الدولتين، والتي تتمثل في دولة اسرائيل الكبرى العنصرية، القائمة حاليا بقوانينها وطرقها ومساكنها العنصرية، الامر الذي لن يستطيع اليهود انفسهم الدفاع عنه خاصة اولئك المقيمين في الولايات المتحدة الامريكية، او الدولة الواحدة الديمقراطية التي سيكون فيها التفوق للفلسطينيين ،.

    الخاتمة والتوصيات

    في اطار محاولة هذه الورقة الوقوف على خيارات الرئيس ترامب لمعالجة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي في هذه اللحظة من الزمن التي يجري فيها تحول كلا من النظامين الدولي والاقليمي في منطقة الشرق الاوسط، اللذان كان لمحطات تحولهما اكبر الاثر في نشأة هذا الصراع وما آل اليه من تطورات على مدار قرن من الزمان.

    الامر الذي استدعى دراسة المجتمع الامريكي لا سيما حالة التحول الاجتماعي والسياسي التي يمر بها والتي كانت السبب الرئيس في فوز الرئيس ترامب لنجاحه في تصميم خطاب انتخابي يلامس مشاعر واحتياجات النسبة الاعلى من الناخبين الامريكيين الغاضبة على ما آلت اليه اوضاعهم الاقتصادية خلال ربع القرن الماضي.

    وبعد ذلك القت الورقة الضوء على النظام العالمي وتحولاته التاريخية منذ العام 1835، حتى تاريخه بما في ذلك النظام العالمي في صورته الحالية والتي يكاد يكون هناك اجماعا عالميا على انه نظاما فاشلا ينبغي تغييره واستبداله بنظام اكثر استقرارا، كما ويكاد يكون هناك اجماعا بين خبراء السياسة الدولية ان النظام متعدد الاقطاب هو النظام الامثل لتحقيق الاستقرار المطلوب.

    ثم وقفت الورقة على ملامح النظام الدولي الجديد التي ظهرت في خطاب الرئيس ترامب وتصريحاته بعد دخوله البيت الابيض، تلك الملامح التي تجسدت في شعاره الانتخابي "أمريكا أولا".

    وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط، قامت الورقة باستعراض ما تضمنه خطاب الرئيس قبل وبعد انتخابه لاستخلاص اولوياته في المنطقة، اذ بدا واضحا ان اولويته الاولى هي تدمير دولة داعش في المنطقة وبالتوازي مع ذلك تحقيق صفقة مربحة لطرفي الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

    وفي هذا السياق استعرضت الورقة مدى تأثر الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بتحول النظام الدولي والاقليمي، اذ اثبتت الورقة ان القضية الفلسطينية عنوان الصراع في المنطقة، كانت قد نشأت بانهيار النظام الدولي متعدد الاقطاب وصدور وعد بلفور في اعقاب الحرب العالمية الاولى، ثم حدوث نكبة فلسطين التي رافقت قيام دولة اسرائيل في مرحلة نشأة نظام القطبين، وكان هذا الصراع قد شهد اعنف مراحله في ظل هذا النظام.

    وبعد انهيار هذا النظام في العام 1991، ونشأة نظام القطب الواحد الذي دخل بدوره في حالة من العماء العالمي في العام 2001، شهد هذا الصراع تحولا نحو الحلول السلمية التي وصلت الى طريق مسدود بعد مرور اكثر من عقدين على بدايتها، نتيجة الرفض الاسرائيلي لمبدأ حل الدولتين، الذي يعتبر الحل الوحيد المجمع عليه، والمستثمر فيه دوليا.

    وفيما يعيش النظامين العالمي والاقليمي حالة تحول جذري، لا زالت القضية الفلسطينية عالقة وحلها رهن الموافقة الاسرائيلية الجدية على مبدأ حل الدولتين، وفي هذه اللحظة من التحول القت الورقة الضوء على الوضع الاسرائيلي الداخلي وكذلك الفلسطيني، لاسيما التهديدات الانية والوجودية التي تواجه كل منهما في هذه اللحظة من الزمن ، والمتوقع ان يصعب حلها ومعالجتها اذا ما فشلت محاولات معالجة الصراع وفق مبدأ حل الدولتين.

    وبناء على ذلك كان سهلا امام هذه الورقة استشراف رؤية الرئيس ترامب للصراع الفلسطيني الاسرائيلي واستخلاص رؤيته الاولية لمعالجته.

    وتأسيسا على ما تقدم يمكن القول ان محاولة الرئيس ترامب لمعالجة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هي المحاولة الاخيرة للمساهمة الخارجية لا سيما الامريكية، في معالجة صراعا استثمر العالم به كثيرا من الجهد والوقت والمال، اذ لن يكون بمقدور الفلسطينيين الصبر لعشرين عاما اخرى تحت الاحتلال بينما ارضهم تصادر وتحول للمستوطنين بشكل يتعارض كليا مع القانون الدولي لا سما القرار الاخير الصادر عن مجلس الامن الدولي في هذا الشأن.

    وفي هذا الصدد لن يكون امام الرئيس ترامب سوى خيار حل الدولتين كأساس للحل، وفيما سيتولى هو مهمة الضغط على اسرائيل التي من المتوقع ان يكون من الصعب عليها تكرار نفس سيناريو العلاقة المتوترة مع الادارة الامريكية السابقة، سيتولى العرب مهمة الضغط على الفلسطينيين، الذين من المتوقع ان يكونوا حذرين في ممارسة هذا الضغط.

    كما وستكون المفاوضات الاقليمية المباشرة هي الآلية والوسيلة للتوصل من خلالها الى حلول وسط تضمن تلبية احتياجات طرفي الصراع، وتساهم في بناء شرق اوسط مستقر.

    وتجدر الاشارة اخيرا الى ان الاستنتاج الرئيس لهذه الورقة لا يخرج عن اطار التحليل الذي قد يصيب وقد يخطأ، كما ان رؤية الرئيس ترامب التي خرجت بها هذه الورقة لا تعني ان الرئيس سيكون قادرا على ترجمتها الى حل يرضي الطرفين، الامر الذي يفرض على الفلسطينيين بدء التخطيط بناء على افتراض السيناريو الاسوأ أي فشل حل الدولتين، وحدوث مزيد من الانهيارات في الاقليم، والاهم انزياح الصراع الدولي الجاري الان الى مواجهات ساخنة سواء في اقليم الشرق الاوسط، ام في اقليم اخرى حول العالم، ام فيهما معا، كشرط اساسي لبناء نظام عالمي جديد.

    التوصيات

    1- على الفلسطينيين الاسراع في انجاز وحدتهم الوطنية وانهاء الانقسام فيما بينهم، والتوافق على استراتيجية وطنية شاملة تضمن عدم اخراج الصراع من دائرة حل الدولتين.

    2- تعزيز التنسيق الفلسطيني العربي بما يضمن وحدة الموقف على ارضية الثوابت الفلسطينية كما عبرت عنها مبادرة السلام العربية، ومخرجات مؤتمر قمة عمان العربية الاخيرة.

    3- حرص الفلسطينيين على عدم السماح للإدارة الامريكية بتحميلها مسؤولية افشال المفاوضات اذا ما جرت، حيث انه من المتوقع ان تجري في الصيف القادم.

    4- تعزيز الوفد الفلسطيني للمفاوضات بكفاءات اقتصادية مشهود لها، من منطلق ان لغة الاقتصاد ستكون هي الطاغية على خطاب الرئيس ترامب.

    5- وضع الشعب بمصداقية عالية في صورة ما يحدث من منطلق حقه في معرفة ما يدور ولماذا يدور، وذلك كحلقة من حلقات تعبئته لما هو قادم.

    6- تعبئة الفلسطينيين وتجهيزهم للانتصار في حرب الافكار الدائرة بينهم وبين الاسرائيليين، ما بين اسرائيل الكبرى العنصرية، وبين فلسطين الكبرى الديمقراطية، ذا ما فشل الرئيس ترامب في فرض حل الدولتين.

    7- اعتماد الفلسطينيون استراتيجية جنوب افريقيا في حربهم الجديدة ضد اسرائيل العنصرية.

    8- تجهيز واعداد مجموعات فلسطينية رصينة من المتحدثين الفصحاء بكل اللغات وتأهيلهم للاتصال بالجماهير حول العالم لا سيما الغرب، ويحبذ ان تكون هذه المجموعات من فلسطينيي الشتات في الغرب الاوروبي والأميركتين، بما في ذلك مجموعات من فلسطينيي العام 1948، لمخاطبة المجتمع الاسرائيلي.

    9- التخطيط والاستعداد لما هو اسوأ، كنشوب مواجهة عسكرية شاملة بين القوى الدولية المتصارعة حول العالم، لا سيما في منطقة الشرق الاوسط، وبما في ذلك حدوث انهيارات اخرى في الاقليم تعيد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي الى مربعاته الاولى.

    * الباحث في الشأن الفلسطيني


    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة

معرض الصور