• العدوان الإسرائيلي دمر كل شيء في قطاع غزة
    تصغير الخط تكبير الخط طباعة المقالة

      عدد القراءات :634 -   2009-01-24

    من الصعب تصديق أن البحر الذي تتكسر أمواجه على شاطئ قطاع غزة المدمر هو نفسه البحر المتوسط الذي تمخر اليخوت الأوروبية الفاخرة عبابه ويسبح المصطافون في مياهه. وبالنسبة للمليون ونصف المليون فلسطيني المحاصرين في غزة يشبه البحر الواقع غربي القطاع حائطا رابعا لسجن متداع يحده من الشمال والشرق والجنوب حصار تقوده إسرائيل والآن دمرت مناطق مهمة منه بعد حملة عسكرية إسرائيلية دامت ثلاثة أسابيع. ويقول عبد القادر اشتيوي الكرد الذي فر إلى غزة خلال حرب عام 1948 وشهد حربي عام 1967 و1973 «الوضع كما هو منذ 60 عاماً». وقد فر من بئر طيما وهي قرية فلسطينية تقع الآن في إسرائيل التي أنشئت في نفس العام الذي أصبح فيه لاجئا.
    وأضاف اشتيوي (74 عاما) «كنت في الرابعة عشرة من عمري. أذكر الجنود البريطانيين جيدا. كانوا يعطوننا السجائر». واحتلت بريطانيا فلسطين من عام 1917 إلى عام 1948 ثم انسحبت عندما تقاتل اليهود والعرب على الأرض نفسها. وأضاف اشتيوي مبتسما وهو يشير بإحدى يديه إلى مركز توزيع الطعام المزدحم في دير البلح «لو كانوا بقوا لما جاء الإسرائيليون ولما اضطررنا للعيش على هذا النحو».
    وكان المركز مكتظاً للغاية حيث قامت الأمم المتحدة بتوزيع الإمدادات ربع السنوية من الدقيق والسكر وزيت الطعام والحليب المجفف على بعض من زهاء 750 ألف لاجئ فلسطيني يعتمدون على المساعدات الغذائية. وبدا كما لو كانت كل العربات التي تجرها الخيول أو الحمير في وسط غزة قد تجمعت في الفناء أو عند البوابات.
    واصطف المئات للحصول على حصصهم. وجلس رجال طاعنون في السن يقدرون على الصبر القرفصاء على التراب يتجاذبون أطراف الحديث. وجلست النساء العجائز في مكان منفصل. وحمل شبان لطخ الدقيق سروايل الجينز التي يرتدونها وستراتهم أجولة الدقيق الثقيلة إلى العربات وكدسوا أكياس السكر المستورد من البرازيل وقنينات من زيت عباد الشمس الوارد من تركيا. ودام احتلال إسرائيل لغزة 38 عاماً حتى عام 2005 حين أجلت مستوطنيها البالغ عددهم ثمانية آلاف وقواتها وأعادت القطاع للفلسطينيين.
    وخرجت بعض الأجزاء من وسط غزة مثل دير البلح وخان يونس في الجنوب دون أن تلحق بها أي أضرار جراء العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة . وكان الصبية يلعبون بالكرات الزجاجية تحت أشجار الجكرندة وبدأت التجارة تعود إلى طبيعتها. لكن بلدات وقرى أخرى مثل السلاطين وجباليا وبيت لاهيا إلى الشمال والشرق من مدينة غزة دمرت تماما من جراء القصف. وقد اختيرت هذه المناطق لتكون ساحات معارك لحماس أو وقعت ببساطة في طريق توغل المدرعات الإسرائيلية مثلما حدث في قرى بوسط غزة. وعلى الرغم من أن مساحة غزة لا تتجاوز 360 كيلومتراً مربعاً فإنها يمكن أن تكون سخية. فهناك التين والبلح والزيتون والفلفل والبطاطا. ويستطيع الناس أن يطعموا أنفسهم بدلا من الاعتماد على الإعانات لو كان بإمكانهم الحصول على جميع الأدوات والمحسنات الخاصة بالزراعة الحديثة. لكن الحصار الإسرائيلي يفرض قيوداً مشددة على الواردات كما أن إسرائيل استعرضت مجددا قوتها الكاملة في غزة. ففي المحراقة دخلت طوابير الدبابات الإسرائيلية والجرافات المدرعة هادرة من الحدود على بعد بضعة كيلومترات إلى الشرق وحرثت في طريقها شريطاً واسعاً من الأرض حتى شاطئ البحر لتشطر القطاع إلى نصفين. والتزاماً بالأساليب المتبعة ابتعد طابور الدبابات عن الطرق وشق طريقه عبر حقول القمح والبساتين هادماً ومدمراً البيوت عن يمينه وشماله. وقال حرب عوض شلالفة (62 عاما) وهو جالس بجوار نار أشعلها للتدفئة في فناء منزله المتهدم «لم أر شيئاً كهذا من قبل. كان المكان جميلا جدا هنا». وولد شلالفة وهو أب لعشرة أبناء وجد لعدد كبير من الأحفاد عام 1947 في بئر السبع التي أصبحت الآن في إسرائيل. وقال إنه أثناء الاحتلال «كنت أعمل لدى الإسرائيليين في تل أبيب وايلات. كنت أستطيع الذهاب إلى أي مكان وكسب المال أما الآن فنحن نعيش مثل الكلاب».
    وقال قرويون إنهم كانوا قد تلقوا بالفعل بحلول الوقت الذي بلغت فيه الدبابات قمة التلة بمنطقة جحر الديك في وقت ما في الأسبوعين الأخيرين تحذيرا من القوات الإسرائيلية يطالبهم بمغادرة منازلهم. ويوم الأربعاء كانوا يفتشون في أكداس من الأنقاض. لم يبق منزل واحد قائما. واختفت الأسوار والحدائق. أما محاصيل اللفت والقمح وبساتين البرتقال فقد جرفتها جنازير الدبابات التي تزن الواحدة منها 70 طناً. وسويت أشجار الزيتون بالأرض. وكان الأسوأ بالنسبة لغزة الظمأى أن أنابيب الري البلاستيكية التي كانت تحمل المياه للحقول انتزعت من أماكنها ومزقت شر تمزيق.
    وقال السكان إن بعض المنازل في جحر الديك أزيلت من الطريق بالجرافات بينما دمرت منازل أخرى أولاً باستخدام عبوات ناسفة زرعها الجيش الإسرائيلي. وقالت إسرائيل إن المسلحين لغموا كثيرا من المنازل. وعلق أحد السكان المحليين بعد أن هب واقفا من بين مجموعة جلست حول نار أوقدتها لإعداد الشاي في ما كان منزلهم «لم يكن لحماس مقاتلون هنا ولا صواريخ». وكدسوا بعض الكتل الخرسانية وألواحا من الحديد المضلع ليصنعوا منها مأوى وهو بناء كان يستخدم في الأحوال العادية حظيرة للماعز.
    وتعثرت الأرملة زانا ابو ضاهر (60 عاماً) في أنقاض منزلها السابق حيث كانت تبحث بلا جدوى عن الأشياء القيمة التي خلفتها وراءها حين فرت. وقالت «لا أدري إلى أين أذهب الآن». وبعد عودتهم إلى قريتهم الزراعية التي كانت تنعم بالهدوء ذات يوم والمطلة على البحر المتوسط أخذ الناس يملأون في صبر دلاء بالمياه من ماسورة رأسية في الأنقاض. وحملها حمار إلى أعلى التل حيث كانت نجية مصلح (42 عاما) تفتش بين الحطام. وقالت وهي تجذب من تحت الأنقاض ثوباً أحمر ثم شالا ازرق «عرفت أين أبحث لأنني رأيت جزءا من خزانة ملابسنا مستندا إلى حائط المنزل الواقع على الجانب الآخر من الشارع».
    وجذبت قطعة من الورق المقوى ثم جررتها من تحت التراب الأحمر فاشتعلت فيها النيران على الفور. وقالت «الفوسفور». ويبدو أن المادة الحارقة المثيرة للجدل التي استخدمتها القوات الإسرائيلية في عملية غزة لإطلاق سحب الدخان وتحديد الأماكن يمكن أن تشتعل مجددا عندما تتعرض للهواء حتى بعد مرور عدة أيام على استخدامها لتغطية تقدم القوات. وعند معبر رفح الحدودي مع مصر كان هناك كثير من الأدلة على استخدام إسرائيل للقنابل الخارقة للتحصينات في القصف الذي كان يهدف إلى تدمير شبكة أنفاق التهريب. فقد كانت هناك حفر عميقة وقطع ملتوية من المعدن وخيام مدمرة. لكن الفلسطينيين عادوا إلى العمل ويبدو من المستبعد أن يستطيع أي نظام للمراقبة وضع نهاية مؤكدة لهذا العمل الذي يبدو بوضوح أنه تجارة مزدهرة تلبي حاجات ماسة. وربما تكون الطريقة الوحيدة لوقفه هي فتح الحدود.

    لا يوجد تعليقات
    ...
    عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا الخبر ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!
    أهلاً و سهلاً بك معنا في موقع كتائب المقاومة الفلسطينية

    اسمك *

    البريد الالكتروني *

    المدينة

    المعلومات المرسلة *
    أدخل الكود *
    أضف

كتاب الانتفاضة الثانية والبندقية

لقراءة الكتاب اضغط على الصورة

معرض الصور